الجديد

المشهد السياسي .. تونس لم تستفد من دروس الماضي

محمد بشير ساسي*

بعد أن رأت حكومة إلياس الفخفاخ النّور إثر مرحلة عصيبة لم تعرفها تونس منذ الاستقلال، قيل أنذاك أنّ البلاد تجنّبت مطبّا خطيرا في فترة دقيقة كانت تحتاج فيها إلى لمّ شمل العائلة السياسية..

ورغم كلّ الخلافات بين اللاّعبين الأساسيين في المشهد السياسي بخصوص الخيارات والمقاربات غير أنّ الهاجس الكبير الذي كان يجمعهم وفق النوايا المعلنة هو عدم الرّجوع خطوة إلى الوراء والاستفادة من دروس الماضي القريب والبعيد..

أولى اختبارات الانسجام الصّعبة والمرهقة، فرضتها أزمة “فيروس كورونا” حين أطلّت معظلة المعظلات برأسها لتأكُل الأخضر واليابس في العالم، إلا أنّ تونس ذلك البلد – المتواضع الامكانيات مقارنة بالدول العظمى – حقّق بفضل كوادره ومسؤوليه انتصارا نسبيا على الجائحة المرعبة تباهى به رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ في حواره مع قناة “فرانس 24”.

انتصار برأي المراقبين حتى وإن زيّنته الأرقام الطبية المُعلنة وكذلك الخطاب السياسي الرسمي الذي يشيد باللحمة والتعاون بين مؤسسات الدولة (رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والبرلمان)، فإن ذلك لم يحجبْ عمق الأزمة السياسية التي طفت على السّطح لتتحوّل إلى مناكفات واتهامات متبادلة في مشهد فسّره خبراء بتنازع وتداخل الصّلاحيات بين قرطاج والقصبة وباردو.

فالائتلاف الحاكم الذي يدور في فلك  “التوافق المغشوش” برأي شريحة واسعة من المراقبين، جاء نتيجة حتمية لفسيفساء برلمانية وسياسية أفرزت وضعا “هجينا” طغت عليه الصراعات الضيّقة وحرب التّموقعات التي تمارسها بعض الأحزاب في ظل العجز عن تأمين أغلبيّة قادرة على حكم البلاد بما يؤثّر على استقرار الحكُومة.

وحتى إلياس الفخفاخ الذي مُنِح تفويضا برلمانيا الشهر الماضي لإصدار التشريعات في المجالات المتعلقة بوباء كورونا، يحاول بدوره ترميم جدران حكومته المتشققة عبر الدعوة إلى “تقوية الائتلاف” من أجل خوض المعارك اللاّحقة، هو نفسه اليوم يواجه انتقادات واسعة بسبب تعيين القياديين في حركة النهضة (عماد الحمامي وأسامة بن سالم) في ديوانه، الأمر الذي دفع أطرافا سياسية لرميه بسهام الاتهام على خلفية تكريسه للمحاصصة الحزبية، وعدم ترشيده لمصاريف الحكومة في فترة حرجة مالية لا تحتمل توظيف مستشارين جدد بامتيازات وزراء دولة..

تحت قبة البرلمان خيّمت أيضا على الجلسات سحابة مشحونة بالتوتر على خلفية التهديدات الإرهابية التي طالت النائبة عبير موسي، وكذلك رفض رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي مساءلته بشأن اتصالاته مع قادة سياسيين من خارج تونس وذلك بطلب من الحزب الدستوري الحرّ الذي فتح بدوره جبهة ضغوط أخرى مع حركة الشعب يقولان أنها تستهدف حركة النهضة من أجل عرقلة مساعيها للمصادقة على اتفاقيات توسّع نفوذ كل من قطر وتركيا في تونس.

ولا تقل معركة منع السياحة الحزبية (الانتقال بين الأحزاب) ضراوة عن المعارك الأخرى بين أورقة المجلس، حيث حذرت الكتلة الوطنية من خطورة المصادقة على ما وصفته بقانون “الرق البرلماني”، في إشارة إلى الفصل 45 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب الذي دعا رئيسه راشد الغنوشي إلى ضرورة تنقيحه بهدف إضفاء طابع أخلاقي على الحياة السياسية، في الوقت الذي تشير فيه إحصائيات بأن عملية انتقال النواب بين الكتل خلال الدورات البرلمانية الأربع (البرلمان المنتهية ولايته) فاقت ثلث عدد النواب، إذ تنقّل 74 نائباً من إجمالي 217، من كتلة إلى أخرى، ومن بينهم نواب انتقلوا أربع مرات خلال أربع سنوات.

الرئيس التونسي قيس سعيد وجد نفسه مضطرا بخلفياته القانونية الدستورية على الخروج عن هدوئه والدخول بكل ثقله السياسي على خطّ النار، كاشفا موقفه مما يحدث تحت سقف البرلمان من استنزاف للجهد السياسي جراء حملات التشويه والسباب والشتائم والتلاعب بنظام المؤسسة البرلمانية.. الأمر الذي اعتبرته أطراف سياسية محسوبة على حركة النهضة تحريضا واضحا على مجلس النواب، بل ثمة من ذهب أبعد من ذلك على غرار النائب عن ائتلاف الكرامة سيف الدين مخلوف إلى أنّ خطاب الرئيس بمثابة تبرير للعنف والتمرّد ضدّ مؤسّسات الدولة.

إذن محصّلة القول يبدو أن المشهد السياسي المضطرب في تونس وما شابه من توتّرات وانحرافات يفتقر برأي المحللين للنضج السياسي اللازم ولأطر حكم مستقرة بأحزاب رصينة من حيث التجربة الديمقراطية وهي الكفيلة بحماية مؤسسات الدولة بعيدا عن منطق “التحالفات الهجينة” التي تقوم على إضعاف الشركاء وتغذية التجاذبات السياسية وحرب المواقع عوض الالتقاء عند نقطة برنامج وطني مشترك لإنقاذ البلاد.

*إعلامي تونسي

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP