الجديد

بورقيبة والطاهر بن عاشور

بورقيبة و شهر رمضان( 2)

هشام الحاجي

لم يتأخر موقف مفتي الجمهورية محمد العزيز جعيط عن الصدور و قد عرف باسم ” الفتوى رقم 20″ و هو موقف يمكن الإطلاع عليه بالعودة إلى جريدة ” الصباح ” بتاريخ 14 فيفري 1960 و لم يساير المفتي رئيس الجمهورية في موقفه من إمكانية إفطار شهر رمضان من أجل “كسب معركة الخروج من التخلف ” و قد حملت فتواه عنوان ” الأعذار المبيحة لفطر رمضان”.

و استعادت الأعذار المعروفة من قبل لاباحة الإفطار و أضاف إليها محمد العزيز جعيط في إطار إمكانية تنزيلها في “السياق البورقيبي” إمكانية الإفطار إذا ما شعر العامل او الموظف بدوار و اعياء كبير او عطش شديد و لم يرجيء قضاء هذا اليوم إلى ما بعد التقاعد كما اقترح الحبيب بورقيبة بل اعتبر ذلك أمرا عاجلا لا يحتمل الإرجاء و الابطاء.

لم يكن موقف مفتي الجمهورية محمد العزيز جعيط اقليا إذ مال اغلب المحيطين بالرئيس الحبيب بورقيبة إلى معارضته في ما ذهب إليه و يروي مصطفى الفيلالي في كتابه “موائد الانشراح “( تونس 2010 ) نقاشات جمعته و آخرين مع الحبيب بورقيبة حول هذا الموضوع و هي نقاشات تبرز إلى جانب سعة إطلاع الحبيب بورقيبة وما يشبه اليقين لديه بأن ما ساقه من إقتراح يمثل دعما للدين و تمكينا له من الفعل بشكل أفضل في الواقع. و لعل هذا الإعتقاد هو الذي جعل الحبيب بورقيبة يرسل بعض أعضاء الحكومة إلى المعاهد الثانوية من اجل ” حث” تلاميذ الأقسام النهائية على الإفطار و جعله لا يخفي تبرمه من أعضاء حكومته الذين لا يسايرون اجتهاده. و هنا يمكن أن نستحضر روايتين الأولى أوردها مصطفى الفيلالي في كتابه “موائد الانشراح ” و الثانية رواها الوزير السابق عبد الرزاق الكافي .

تحدث مصطفى الفيلالي مطولا عن حرص الحبيب بورقيبة على إستغلال شهر رمضان لدعوة عدد محدود من الشخصيات في كل مرة لتناول الإفطار معه و ما يستشف من هذه الدعوات تجنب الحبيب بورقيبة لكل مظاهر الإسراف في إعداد الأطعمة من ناحية و حرصه على أن يكون اللقاء مناسبة للنقاش في قضايا سياسية و فكرية في مناخ من النقاش العميق و الحر إلى درجة أن بعض الحاضرين يضطر إلى الاستئذان و الانسحاب غاضبا.

أما عبد الرزاق الكافي فنقل أن الحبيب بورقيبة كان يحرص أحيانا على عقد مجالس وزارية مضيقة في شهر رمضان تبدأ بعد الظهر و تتواصل بعد الإفطار و أن أغلب الوزراء الذين يشاركون فى هذه المجالس لم يخفوا بعد مغادرتهم قصر قرطاج في أعقاب إجتماع يتواصل ساعات بعد الإفطار شعورهم بالجوع الشديد إذ كان الحبيب بورقيبة مقلا في الأكل و هو ما يجعل ضيوفه ينسحبون معه من مائدة الإفطار و لا يمدهم في السهرة إلا باكواب من القهوة و هو ما جعل بعض الوزراء يأخذ احتياطاته و “يملأ ” جيوب بدلته بشيء من ” المكسرات” التي يسربها خفية إلى فمه.

الحديث عن الحبيب بورقيبة و شهر رمضان غالبا ما يحيل إلى الشيخ عبد الرحمان خليف و المظاهرة الشهيرة لأهالي القيروان التي عرفت بإسم ” الله أكبر ما يمشيش “. ذلك أن البعض يحاول ربط الحادثة بتصدي الشيخ عبد الرحمان خليف لموقف الحبيب بورقيبة من صيام رمضان و هو ربط لا تسنده الوقائع. ذلك أن المظاهرة المذكورة وقعت يوم 17 جانفي1961 أي بعد قرابة العام من رمضان 1960 و لأسباب أخرى.

فقد منحت السلطة ترخيصا لتصوير بعض مشاهد من شريط سينمائي أمريكي في فضاء جامع عقبة بن نافع و لكن بعض هذه المشاهد اعتبره الشيخ عبد الرحمان خليف منافيا للأخلاق و تدنيسا للمسجد فاطرد فريق التصوير و هو ما كان سببا لغضب الحبيب بورقيبة الذي أمر بأن يقع “نفي” عبد الرحمان خليف الذي كان أيضا إلى جانب توليه الإمامة في جامع عقبة بن نافع أستاذا للتعليم الثانوي إلى مدينة الحامة و هو ما رفضه أهالي القيروان الذين خرجوا في مظاهرة حاشدة هاتفين ” الله أكبر ما يمشيش “.

و شهدت المظاهرة مواجهات عنيفة مع رجال الأمن و أدت في النهاية إلى حل وسط و هو ” نفي” الشيخ عبد الرحمان خليف إلى مدينة سوسة و لم يسمح له بالعودة إلى مدينة القيروان إلا سنة 1970 و عرف في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي شيئا من رد الإعتبار إذ أصبح عضوا في المجلس الإسلامي الأعلى و ترشح على رأس قائمة التجمع الدستوري الديمقراطي لدائرة القيروان في إنتخابات 1989 و انتمى لمجلس النواب في دورة واحدة و ظل خلالها مستقلا .

و لا شك أنه يصعب الحديث عن علاقة الحبيب بورقيبة برمضان دون الإشارة الى تمسكه باعتماد الحساب في تحديد تاريخ حلول شهر رمضان و هو المجال الذي تحول مع ظهور الحركة الإسلامية و اشتداد عودها إلى مجال من مجالات الصراع بين الإسلاميين و السلطة السياسية و إلى ما شهده رمضان في بعض الأحيان من مظاهر عنف ذات مضمون سياسي و يمكن أن نذكر هنا ثلاث محطات.

فقد عرفت مدينة صفاقس في رمضان 1977 هجوما استهدف مقهى يؤمه المفطرون و لم يكن قائد هذا الهجوم إلا الكاتب العام للإتحاد الجهوي للاتحاد العام التونسي للشغل بصفاقس عبد الرزاق غربال و كان الهجوم خطوة في مسار تصعيد التوتر في العلاقة بين السلطة السياسية و المركزية النقابية و الذي أدى إلى أحداث جانفي 1978 الدامية.

الحادثة الثانية عرفها رمضان 1981 و كان نادي البحر المتوسط السياحي بقربة مسرحا لها و أدت إلى تخريب بعض المعدات كرد فعل على ما اعتبره القائمون بالعملية تجاوزات اخلاقية كان النادي مسرحا لها و فيها انتهاك لحرمة شهر رمضان و قد غذت هذه الواقعة حيثيات المواجهة بين السلطة و حركة ” الإتجاه الإسلامي ” و التي أدت إلى محاكمات سنة 1981 .

و عرف رمضان 1987 الفصل الثاني من المواجهة بين الطرفين و كانت وقائعه أكثر عنفا و امتدادا و كان ذلك آخر رمضان للحبيب بورقيبة الذي ارهقته الشيخوخة في السلطة إذ لم تمض أكثر من أربعة أشهر إلا و قد “نجح” زين العابدين بن علي في ازاحته و الحلول محله على رأس الجمهورية التونسية

هشام الحاجي

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP