الجديد

بين قيس سعيد وحركة النهضة .. صراع لا يهم التونسيين !

منذر بالضيافي

مع خطاب ذكرى عيد الامن، انتقل قيس سعيد الى الهجوم، وذلك بعد ان استعاد المبادرة السياسية، مستفيدا من ضعف المنجز السياسي لحركة النهضة طيلة عشرية كاملة، الذي يفسر تراجع شعبيتها و عودة الاستقطاب الايديولوجي بينها وبين القوى الديمقراطية الرافضة لها، وكذلك من استمرار “متاعب” رئيسها الغنوشي في البرلمان ، فضلا عن تخبط اداء حكومة المشيشي المحسوبة على النهضة بدرجة اولى، وايضا من حالة الغضب المجتمعي الكبيرة وهي ضريبة الحكم.

كلها عوامل استثمر فيها جيدا الرئيس سعيد، لا لتقديم بديل وبرنامج يساهم في انقاذ البلاد مما آلت اليه من تراجع شامل مس كل المجالات والقطاعات، بل  انه عمد الى التسريع من وتيرة نقل مشروعه السياسي للواقع، وذلك عبر مزيد ابتلاع صلاحيات الحكومة، وهنا سقط في فخ خرق الدستور عبر تطويع تأويله لصالحه في غياب محكمة دستورية، الذي تتحمل النهضة جانبا مهما في تعطيلها.

تسرع الرئيس سعيد للمرور بقوة لتنفيذ مشروعه السياسي أثار حالة من الذعر والصدمة داخل الصف الديمقراطي الذين يشاركونه في العداء للنهضة لكن لا يريدون للأوضاع أن تتعفن ليكون سعيد مستفيدا منها كما لا يزالون متمسكين بمسار الانتقال الديمقراطي بما يعني ذلك من رفض لمركزة السلطة التي تعني عودة لحكم الفرد الذي يعد مدخلا للاستبداد، وهنا التقت هذه القوى مع النهضة التي نفخت كثيرا في ابراز سعيد كخطر داهم يهدد الديمقراطية ومشروع انقلاب على الدستور ليجد نفسه في “عزلة سياسية” برغم تعالي الأصوات المساندة له نكاية في “الاخوان”.

وهذا ما يفسر تصاعد الرفض لما اقدم عليه القصر ، وخصوصا ما ورد في خطابه الصادم امام الأمنيين ، لكن هذا الرفض لا يخفي ابدا وجود تجاوب وحتى قبول من قطاعات مهمة في المجتمع السياسي ولدي بعض النخب، تفاعل مرده رفض استمرار هيمنة الاسلاميين على الحياة السياسية والحكومة والبرلمان.

وبالتالي فان سعيّد بصدد الاستثمار في الرفض المجتمعي والعزلة السياسية للنهضة، التي وجدت نفسها في حالة هلع في مواجته، برز ذاك من خلال تشنج كبير في تصريحات قياداتها، خصوصا بعد زيارة الرئيس سعيد لمصر، التي تزامنت مع تصعيد الرجل مع تيار الاسلام السياسي، الذي اشار اليه تصريحا لا تلميحا ساعات قليلة بعد عودته من القاهرة ومن رحاب جامع الزيتونة بالذات، في دلالة رمزية على الفرق بين المسلمين والاسلاميين، وفق ما ذكر، بما يعني انه حسم امره في علاقة مع النهضة وتوابعها، التي وجدت نفسها في موقع الدفاع، متوسلة بخطاب الدفاع عن الديمقراطية ومخاطر الانقلاب على المسار من قبل سعيد، الذي يخطط لمركزة السلطة في القصر، وتحويل النظام  بالقوة الى رئاسي او حتى رئاسيوي.

وهي وان كانت في هذا تعبر عن مخاوف حقيقية، الا ان ذلك لا يخفي ان اصل الخوف هو حول موقع ومكانة  “التنظيم/ الجماعة” اولا، وهذا ما يفسر وجود تسريبات وتلميحات بان الحركة مستعدة للتضحية بالمشيشي وحكومته لو تجد ” اتفاق” أو “تسوية” مع الرئيس سعيد، وبالتالي فان السياسة في تصور النهضويين، تقوم اساسا على مصلحة الجماعة، وعلى المناورة لا على ايجاد ” تسوية” يكون غايتها حماية المسار و التخفيف من وقع الازمات المركبة والمربكة التي تعصف بالبلاد.

خصوصا بعد ان زاد الوباء في تعميق جراح اقتصاد منهك وهش بل منهار، بعد عشرية من حكم الفساد والهواة، ولعل هذا النهج النهضوي هو الذي يفسر وجود الجماعة في عزلة، في مواجهة محاولات سعيد للتمدد وتجميع الصلاحيات ، برغم رفض الجميع لمشروع سعيد ولوسائله وخاصة خرق الدستور ، والرغبة الجامحة في وضع كل السلطات بيده في استعادة لحكم الفرد، الذي لا يؤدي الا الى التسلط والاستبداد.

لكن مع ذلك يختار قطاع واسع من المجتمع ومن النخب الاصطفاف وراء الرئيس نكاية في الاسلاميين، وهو واقع لا نبالغ بان الاسلاميين يتحملون كامل المسؤولية فيه وعنه، الى الحد الذي ترفض فيه النخب والناس الديمقراطية على طريقة “الجماعة”، فيختارون المجهول على ديموقراطية الفساد و التمكين، وهذا ما لم تدركه حركة النهضة ، فاختارت قياداتها الهروب للأمام ، في محاولة البروز بمظهر حارس الديمقراطية ، وهو ما لم يصدقه الكثيرون واستفاد منه قيس في صراعه معهم.

وبالتالي عليهم التسريع بمراجعة اداءهم وصورتهم لدي المجتمع والنخب، واقرار خطوات للوراء من اجل حماية التجربة والمسار لو كانوا صادقين، حينها وحينها فقط سيكون المجتمع والنخب كلهم صفا واحدا ضد كل تهديد لتخريب المسار، الذي دخل في الواقع طور الموت السريري واصبح بلا حاضنة مجتمعية.

كما ان التراجع خطوات للوراء من قبل النهضة،  سيفرض تسوية على القصر بعد ان يكون قد شعر بالأمان، وأيضا بداية عودة الثقة مع بقية الفاعلين السياسيين، وحينها ايضا يمكن المرور لحوار وطني جامع تكون بوصلته انقاذ البلاد.

اما اليوم فان الدعوة للحوار والتشديد عليها، كسبيل وحيد للخروج من المأزق السياسي الحالي، نلاحظ أنها قد تحولت الى مجرد شعار للاستهلاك الاعلامي والسياسي، فلابد من توفير المناخات المناسبة تمهيدا للحوار، ولعل أولها “الهدنة الاعلامية والفايسبوكية”، وأن لا يكون دون شروط مسبقة ودون اقصاء.

لابد من توفير الشروط الدنيا لحوار وطني يمهد لاخراج البلاد من أزماتها، وهي غير شروط – للأسف – غير متوفرة في تونس اليوم ولا يتحمل الرئيس لوحده مسؤولية ذلك، الذي يتحمل أيضا سوء التقدير في علاقة بقوة التعطيل التي أصبح عليها، وهو ما جعل من الحوار مطلبا مستحيلا بالنظر للواقع الموضوعي، وبالنظر لاستراتيجيات الفاعلين الرئيسيين ( النهضة وقيس سعيد ) المتباينة والمتصارعة.

في الأثناء، يتمدد الوباء الذي حصد لحد الأن أكثر من 10 الاف تونسي، ويستمر انهيار المقدرات الانتاجية ما سيحكم على الاقتصاد بمزيد التراجع و يضع البلاد على حافة الافلاس، وهو ما فرض الارتماء في أحضان المؤسسات المالية الدولة ( صندوق النقد الدولي) وجعل سيادة البلاد واستقلالية قرارها في الميزان، بعد تسار حركية سفراء الدول الكبرى، ويدفع – و يستمر التونسيون في دفع ضريبة صراع حول السلطة،  ليس لهم فيه “لا ناقة ولا جمل” ولا يعنيهم أصلا.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP