الجديد

تسارع دول الخليج إلى التطبيع .. الدّوافع والغايات

شعبان العبيدي

لا يكاد كلّ من الرئيس الأمريكيّ ورئيس الكيان الصهيوني الغاشم يفوّتان الفرص الإعلامية والمحاورات والتصريحات دون الإشادة بتسارع عمليات التطبيع بين الكيان الإسرائيلي من جهة وبين دول الخليج بدء بما أقدمت عليه الإمارات العربيّة في تحدّ صريح للشعوب العربية وحكوماتها وللمشاعر القومية والإسلامية عامّة حين مرّت بالسرعة القصوى من الإعلان عن محادثات جارية بين النظامين حول ربط جسور اتفاق السلام والدخول في علاقات منفتحة بينهما سياسيا واقتصاديا وعسكريا إلى عقد لقاء مفاجئ وعلني نقلته وسائل الإعلام العالمية بين الوفد الإسرائيلي الذي حلّ بالعاصمة دبيّ على متن طائرة تجارية فتحت لها السعودية فضاءها الجويّ دون شروط وبين الوفد الإماراتي، حيث تمّ التحضير لإمضاء اتفاقية السلام والتعاون.

بالرغم من أنّ دول الخليج لم تدخل بعد أمراء السعودية الزعماء في صراع مباشر مع الكيان الصهيوني ولم تكن مواقفها منه مؤثّرة أو ذات وزن في صالح خدمة القضية الفلسطينية أو القضايا العربية للدول التي تتعرض لاعتداءات العدو من لبنان إلى الأردن إلى سوريا. وقد كشف القيادة المصرية والسعودية والبحرينية عن دعمها لهذا الاتفاق وترحيبها بالخطوة التي أقدمت عليها القيادة الإماراتية في إمضاء اتفاقية سلام مع إسرائيل. ليصدح الرئيس الأمريكي خلال هذا الأسبوع بانخراط دولة البحرين في هذا المشروع وانطلاقها في اللّحاق بركب الإمارات في حلف التطبيع مع الكيان الصهيونيّ.

في ظلّ هذه الأحداث المتسارعة وانشغال الجانب الفلسطيني بكيفية التصدّي لهذه الاتفاقية التّي مكنت إسرائيل من تقطيع ما تبقى من أوصال جسد الوطن العربي المفكك أصلا بفعل الانحيازيات والمؤامرات والتحالفات والمواقف من الثورات العربية، وإدراكه أخيرا أهمية الاتّجاه نحو توحيد الصفوف واستعادة وحدة السلطة الفلسطينية من خلال الاجتماعات الأخيرة. بات واضحا للجميع أنّ صفقة القرن التي حيكت خيوطها في الخفاء تحت مساومات أمريكية وإملاءات وشروط فرضتها الأزمة الإقليمية لدول الخليج مع إيران ومآزق الأنظمة العربية التي اغتالت ثورات شعبية مطالبة بالحريّة ورفض الديكتاتورية ونشدان الكرامة والعدالة سائرة نحو التطبيق.

1- بين نزعة التبرير ولاتّهام :                                                                                           

بقطع النّظر عن البحث عن التبريرات المركّبة لهذا الاتّجاه الجديد في التعامـــــل مع الكيان الصهيــوني الغاصب، وما يحاول أن يحتجّ به المدافعون عن هذا الموقف من إعلاميين عرب ومفكـــرين وسيـاسيين بدعوى أنّ التّطبيع الإماراتي المعلن و تابعه البحريني المزمع إنجازه ليس بدعة عربية و لا يعتبر سابقة في تاريخنا العربيّ المنقّع في صباغ الخيانة والغدر، إذ سبقه التطبيع لدول عربية وخليجية أخـــرى منها دولة قطر والمغرب والأردن وتونس.

باختصار كلّ هذه الدوّل التي أنشأت مكاتب علاقات وسفارات مع إسرائيل وخاصة الوافد التركي على طاولة الوليمة العربية بزعامة أردوغان الحامـــل للواء الأسلمة       و الدفاع عن القضية الفلسطينية، يهمّنا أن نفهم الأسباب العميقة والظاهرة التي تقف وراء إحياء معاهدات السلام مع إسرائيل وبعثها من ركـــــــــام التاريخ الحديث ممثلة في “اتفاقية كامب ديفيد” التي وقعت في واشنطن في 26 من مارس سنة1979 مع السادات والتي تركت في بعض بنـــودها وصية للخلف تتمثل في دعوة كلّ البلدان العربية إلى الانخراط في معاهدة السلام مع إسرائيل على أساس مبــــــادئ السلام الشامل، وفيها يتفق الطرفان على إقامة علاقات كاملة اقتصادية وسياسية قائمة على الاعتراف الكامل بالدولتين.

 2-دوافع التطبيع: 

يمكن أن نقسّم هذه الدّواعي الدافعة إلى هذه المعاهدة الجديدة بقيادة دولة الإمارات ومسانديها من دول المنطقة والشرق الأوسط إلى قسمين: دواع إقليمية ودولية وأخرى سياسية داخلية

أمّا بالنسبة إلى الدّوافع الإقليمية، فليس من الخفيّ أنّ الرئيس الأمريكي قد عمل خلال مدّته الرئاسية على توجّه علني وسافر من حيث الخطاب والسعيّ إلى استغلال قدرات دول الخليج المالية والنفطية لخدمة بلاده. ومارس من هذا المنطلق كلّ أساليب الضغط والإرغام والتهديد تجاه دول الخليج مذكّرا قادتها بـــدور الولايات المتحدة في حماية عروشهم.

وهو ما جعلهم يتقبلون كلّ سلاطته بكثير من الطاعة والانقياد وتوجيه طاقاتهم المالية لتدعيم الخزينة الأمريكية. وقد استغل الرئيس الأمريكيّ التوتر في المنطقة بين دول الخليج من جهة وبين المارد الإيراني الساعي إلى تدعيم أذرعه في الفضاء الجيو-سياسي لمزيد دفع هذه الدّول إلى الخضوع لإملاءات الولايات المتحدة وتعبيد الطريق لسيطرة إسرائيل وتحقيق صفقة القرن.

إضافة إلى ظهور صراع على زعامة المنطقة بين السعودية التي تعتبر من حيث البعد الرمزي الديني والامتداد الجغرافي والزّعامة السياسية للمنطقة وبين دولة الإمارات العربية المتحدة مع ولي العهد الطموح إلى لعب الأدوار الأولى في السياسة الإقليمية والقطرية والدولية. وتوظيف كلّ آليات الضغط والمساومة مع دول المنطقة مثل مصر والسودان والبحرين لدعم سياسته، وقد تجلّى هذا الصراع خاصة في اليمن ومحاولات القوات الإماراتية المتتالية لتقسيم البلاد وتشجيع تحالف الجنوب والعمل على تعطيل كلّ المساعي الدوليّة من أجل إنهاء هذه الحرب.

هذا إضافة إلى الصراع بين دولتي الإمارات وقطر من جهة الذي كان سببا في تفكّك مجلس التعاون الخليجي بعد استبعاد قطر منه ومحاولات عزلها تحت غطاء دعمها للإرهاب ودعمها للحركة الإخوانية ولثورات الرّبيع العربيّ وقيادتها الجديدة التي أفرزتها اللّعبة الدّيمقراطية، الّتي لم ترق لأمراء الخليج باعتبارها آلية كونية للحكم الرشيد القائم على احترام الحريّات والتناوب على السلطة بشرعية انتخابيّة حرّة تتناقض مع الحكم الفرديّ.

ولهذا الصراع بين الدولتين مبرّرات تاريخية وآنية. وأمام تحالف دولة قطر اللامشروط مع الولايات المتحدة وفتحها قواعدها للقوات الأمريكية في الإطاحة بحكم الرئيس الراحل صدام حسين، وعلاقاتها مع الكيان الصهيوني، أصبح الصراع بين من يفوز بالحظوة أكثر عند شرطي العالم ويتفرّد بمنزلة الصبيّ المعمّد في البيت الأبيض من طرف كبير أساقفة في بوسطن. خاصّة وأن دولة قطر تضرب برجل في المحور الأمريكي-الإسرائيلي من جهة وبرجل أخرى في محور الممانعة والدعم لثورات الربيع العربيّ والإسلام السياسيّ بوقوفها مع إيران وتركيا. وسعيها إلى خلق توازنات جديدة في المنطقة.

كما أنّ اعتماد دول الخليج في نهضتها العمرانية والاقتصادية على الشركات العالمية الكبرى والعمالة الأجنبية وهو ما جعلها تنفق الكثير من الموارد المالية في تحقيق مدنية مبهرة شكلية تجسدت في تطوير البنى التحتية والسياحية والعمرانية لكن تراجع أسعار النفط وعدم استقرار سوق المحروقات إضافة إلى سيطرة عائلات الأمراء على مقدّرات شعوب هذه البلدان جعلها عرضة للاضطرابات التي واجهتها بالقمع المطلق، ولعلّ هذه الأزمات الاقتصادية العالمية الجديدة خلال العقدين الأخيرين جعلت السعودية مثلا تعرف صعوبات كثيرة، ممّا أفقدها مكانتها الريادية في المنطقة، إضافة إلى ذلك الصّراع على السّلطة وخاصّة مع صعود ولي العهد محمد بن سلمان رائد التحديث المسقط.

وقد بيّن الإعلامي الفرنسي في كتابه عن الإمارات “الوجه الخفي للإمارات العربية” أنّ الأمير بن زايد هو الذي يحرّك محمد بن سلمان ليشكلا معا ثنائيا متناغما جهنميا في رسم سياسة المنطقة. وبهذا أصبح الأميران يخططّان لزعامة سياسة المنطقة والشرق الأوسط والبلاد العربيّة، ولا يمكن أن يتمّ لهما ذلك إلاّ باكتساب الدّعم والمشروعية من الولايات المتحدّة والاستجابة لخياراتها.

ولهذا كان تعامل الفاعلين السياسيين مع القضايا العربية وقضايا المنطقة تعاملا براغماتيا ميكيافليا لا يلتزم بأيّ قيود أو موانع حتّى وإن مسّت المشاعر العربيّة وحقوق الشعوب في استعادة أراضيها من العدوّ المغتصب، وهو ما يبرّر قيادة هذا الثنائي لصفقة القرن وجرّ السيسي وأمير البحرين إلى والمجلس الانتقالي بالسودان إلى صفّهما عن طريق المساومة والمساعدات المالية الكبيرة والدّفاع عن هذه الأنظمة العسكرية المنقلبة على الشرعية الانتخابية.

من جهة نرى أنّ إدراك بعض دول الخليج لتغيّر موازين القوى العالمية ومحاور التحالفات المقبلة وطبيعة المعارك القادمة القائمة على أساس تنازع الثروات المائية والعلمية والمالية بعيدا عن النزعات الانفعالية العاطفية والشعارات القومية والإخوانية التي مازال البعض يستعملها مثل مفاتيح قديمة للتعامل مع الشأن الفلسطيني في عالم مختلف، وذلك أنّ الزعيم الرّاحل ياسر عرفات خلال عودته  من تونس إلى فلسطين سنة 1994 عقب اتفاقية السلام حمل معه الوعد بإنشاء دولة فلسطينية والقبول بالتطبيع الفوريّ بين البلدين وإنهاء حالة العداء والحرب، ولكن لم يجن الفلسطينيون من ذلك إلاّ رقعتين مفككتين متنازعتين.

وقوبلت هذه الاتفاقية عربيا بالترحيب والمباركة، فلماذا لا تسير هذه البلدان العربية في هذا الاتّجاه الذي سلكه الفلسطينيون أنفسهم؟ ولماذا تقابل اتفاقية التطبيع الإماراتي والبحريني مع إسرائيل بهذا التنديد وقد كشفت الجزيرة خلال 2012 عن المفاوضات السريّة الفلسطينية الإسرائيلية والتي قدّم فيها الفلسطينيون تنازلات عن قضايا هامّة منها مسألة القدس وعودة اللاّجئين؟ فما هذه الخطوة إلاّ مواصلة لما بدأه الفلسطينيون أنفسهم.

3-الرّهانات:                                                                                                       

فماهي رهانات هذا التسابق نحو التطبيع المعلن الذي بدأت تسير على دربه دول الخليج من الإمارات إلى البحرين والتطبيع المقنّع لقطر والسعودية ودول عربية أخرى التي أبدت استعدادها للانخراط في هذا التوجّه مثل السودان؟

يمكن أن نجمل هذه الرهانات في الجوانب التالية أوّلها دفع هذه الدّول لتهمة تمويل الإرهاب ونشر الحركات السلفية الجهادية منذ بدايات التسعينات، حتّى أنّ كثيرا من التقارير ذهبت إلى اتّهام العربية السعودية في تفجير 11 سبتمبر، ومحاولة إقناع الرأي العام الدّولي بأنّها ملتزمة بالقوانين الأممية.

وثانيها محاولة تخفيف الضغط عنها والتغطية عن الحملات التي تشنها المنظمات الحقوقية العالمية على هذه البلدان في خرقها لمبادئ حقوق الإنسان واتّباع سياسة العصا الغليظة وطاعة الرعية للراعي حتّى إذا كان ظالما بشكل تمّ معه القضاء بطرق شنيعة على كلّ نفس للمعارضة في الإمارات والبحرين والسعودية، وكانت واقعة نشر الصحفي جمال خاشقجي أشدّ تعبيرا على توحّش هذه الأنظمة.

وثالثا التموقع في معركة المحاور بين محوري التبعية لأمريكا والعداء لثورات الربيع العربي والتجارب الدّيمقراطية الّتي تمثل تهديدا للحكم الخليجي القابع في جبّة الخلافة ويضم الإمارات والسعودية ومصر والبحرين، وقد عملت الإمارات على توظيف كلّ الطاقات والآليات لتخريب ثورات الربيع العربي و ووأدها وتدعيم النظم العسكرية والانقلابات تحت شعار العداء للإخوان ومحاربة الإرهاب مقابل محور الممانعة الذي يضم قطر وإيران وتركيا والذي لعب بقيادة قطر دورا في تدعيم هذه الثروات عبر المساعدات وديبلوماسية الوساطة في ليبيا وتونس والسودان أو في ممارسة الضغط على النظام السوري ودعم الجماعات المسلّحة.

ورابعا اعتبار بعض الدّول سياسة التطبيع درعا لحماية نفسها من الثورات الداخلية والعدوّ الخارجي ممثلا في إيران وأذرعها الشيعية المنتشرة في الخليج أو هو مدخل كما بيّن أحد المسؤولين السياسيين لحكومة السودان ومجلسه العسكري للحصول على إعانات ماديّة ومساعدات من الولايات المتحدة والدّول الغربيّة وإسرائيل وهو لا يجد حرجا في اعتبار التطبيع مع الكيان الصهيوني خدمة للبلاد وللشعب السوداني. إضافة إلى تنامي صراع الزعامة على المنطقة والوصاية على الموقف العربيّ بين هذه الدّول والمحاور، والذي لا يمكن الفوز به إلاّ بتأكيد الولاء والانصياع للولايات المتحدة وإسرائيل. وهي حقيقة جعلت هذه المعركة تدور على المستوى السياسي وعلى المستوى الإعلامي من خلال تجنّد قناتي الجزيرة القطرية وقناة العربية السعودية في خدمة أجندة المحورين بكلّ الوسائل المشروعة وغير المشروعة من تشويه متعمّد وشراء ضمائر صحفيين باعة وتوجيه الرأي العام في بلدان المحور المعادي.

الخلاصة

انّ حدث التطبيع الجاري اليوم بطريقة معلنة فيها   كثير من التحدّي والجرأة مع مواقف الصمت والحياد من هذه البلدان الخليجية من جهة ثانية رغم تنامي الاستنكار الشعبيّ وتراجع المواقف السياسية الصادحة بأنّ التطبيع خيانة عظمى، يكشف للقارئ العربيّ أنّ المشروع الترامبي في إقامة إسرائيل الكبرى آخذ في التطبيق في فترة تفكّك وضعف الكيانات العربية وأنظمتها، وخضوعها للابتزاز الأمريكي –الخليجي-الإسرائيلي والمساومة من أجل إخراجها ماديّا وسياسيا من عنق الزجاجة.

ولهذا فإنّه لم يبق اليوم أمام العرب إلاّ إيقاف نزيف الاحتراب والتجييش والتدخّل السافر في زعزعة استقرار بلدان الربيع العربيّ والاتّجاه إلى إقامة حوار عربي-عربي تطرح فيه كلّ القضايا العالقة منها القضية الفلسطينية والعلاقة بدول الجوار مثل إيران، ويمثّل محورا اقتصاديا وماليا وسوقا منفتحة موحّدة يصبح قادرا على توجيه التفاوض مع الآخر خاصّة في حماية الحقّ الفلسطيني في دولة موحدّة وإيقاف زحف عمليات الاستيطان والاعتداء، يكون فيها الجانب الفلسطينيّ ممثّلا. وإن كان هذا التصوّر من باب الأمل المنشود في ظلّ واقع الوهن والضعف والتفكك العربي وتنامي الإرهاب فإنّه يبقى مشروعا يتطلّب من حكماء المنطقة وساستها ومثقفيها الدفع في اتّجاهه.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP