الجديد

تونس: أزمة منظومة سياسية اجتماعية أم أزمة نظام حكم؟

شعبان العبيدي

أثار ظهور رضا المكي أو ما يطلق عليه مهندس مشروع رئيس الجمهورية السياسي، خلال برنامج تلفــزي العودة من جديد إلى طرح تصوّر بات يدفع إليه الكثيرون من رموز الأطياف السياسية والمشاركون في ندوات فكرية وسياسية منذ سنوات ألا وهو ضرورة تغيير النظام السياسي الجديد الذي أتى به دستور 2014 وهو نظــام حكـــم برلماني أو رئاسي معدّل تتوزّع فيه السلطة بين ثلاثة أقطاب، وهو ما يحدّ بالضـــرورة من عــــــــودة الاستبداد ويكفل الحريّات والشفافية والعـدالة والرّقابة وعلوية القانون. غير أنّ التّجربة القصيرة التي مورس فيها النظــــام السياسي في إدارة شؤون البــــلاد وطبيعة السياق الذي جاء فيه وما عرفه من اضطراب وصراعات ومعاداة لكلّ جديد جعل أنصــــار الحلول السهلة يرون القديم أحسن على علاّته ولا خير في أيّ جديد، مما جعلهم  يدفعون في اتّجاه المناداة بضـــرورة تغييــر النظام السياســـي والعودة إلى النظام الرّئاسي الذي يضع السّلطة في يد فرد، وهو ما بدأ مع تصريحات الرّئيس الرّاحل الباجي قائد السبسي في 2015 وكذلك رئيس الحكــومة السّابق منصف المرزوقي اعتبارا لهشاشته وانعـــــدام مجال واسع للتحرّك الرئاسي خاصّة.

وعموما يتّفق الكثير من الدّارسين سواء من رجال القانون أو علماء الاجتماع على تأكيد تعقّد هذا النّظام وعدم تناسبه مع سياسة البلاد خاصّة في هذه المرحلة الانتقالية، وما عرفته من تشتت السّلطة وغيـــاب الإرادة، وهـــو واقع لا يمكن أن يختلف فيه الملاحظون مهما اختلفت درجـــات إدراكهم السياسي. غير أنّ ما فاجأ به قيــــس سعيد المتــابعين هو طرحه مع جهازه الخلفي تصوّرا لنظام حكم جديد يرتكز على الحكم المحلّي وصولا إلى بناء السلطة المــــركزية. وبدأ الإعلام وأجهزة التواصل تقدّم رضا لنين على أنّه حامل مشروع الرئيس ومنظر الحكم المحلّي، وحوّلوا الرّجل ومـــا قدّمه مثل غيره من المتدخّلين في الشأن السّياسي إلى مرجع فكري وتنظيري وهو أبعد من ذلك أصلا.

فما قدّمه هو أو تكلم به قيس سعيد وغيره من التيارات السياسية والمفكـــــرين هو مجـــرّد تركيب واستعـــادة وتذويب لمقولات فلسفية يسارية واجتماعية ومثالية أحيانا كما وصفها المفكـر «حمادي الرديسي” وشبّه هذا النّظــــــام المنشود بالمدينة الفاضلة التي يقدّمها الــديماغـــوجي للأشخاص الطيبين الذي وقعوا ضحية الخداع، فانبهر الشبـــاب المتعطش للاستقامة بشخصيته المثالية شبه السقـراطية، ونجح تبعا لذلك في أن يغذيّ خيال الجماهير بقصة أسطورية حول مشروع يوتوبيا اجتماعية تجمع الأفكار الشيوعية مع الكنيسة المسيحية و اليمين السوفياتي”. ويعتبر الـدّارس هذا التصـوّر الذي يقدّمه رئيس الجمهورية ومن ورائه مناصرو هذا المشروع ردّا على واقع التجربة الدّيمقـراطية الجديدة المــــــريضة، ووعـــوده بإصلاحها لتكــون ديمقراطية جماهيرية تلك التي اخترعها الثنائي بريكليس (خطّ السياسيين) وأفــــلاطون (خط الفلاسفة) من الإغــــريق إلى الفلاسفة المعاصرين، وهو يريد (أن ينجــــــــح حيث فشلت 24 قرنا من الفلسفة والممارسة السياسية فشلا ذريعا…. يا لهـــا من خدعة، خاصّة حين يوجد باحثون ومستنيرون يصدّقون هذا الادّعاء).

-أزمة منظومة سياسية واجتماعية:

أردنا في هذا المقال العودة إلى تفكيك مشكل الأزمة السياسية في تونس من جهة ومحاولة تقديم قراءة موضوعية لما جاء على لسان رضا شهاب المكيّ، وما قوبلت به من نقد وصل أحيانا إلى الالتقاء مع ما صــــرّح به حمادي الرديسي. فهل المشكل في تونس بعد الثورة في المنظــــومة السياسية والاجتماعية أم هو مشكل نظام سياسي أظهـــر عجزه عن إدارة شؤون البلاد والدّولة؟

لا بدّ في هذا السياق من التّفريق بين مفهوم المنظومة السياسية والاجتماعية باعتبارها نسقا سياسيا واجتماعيا يعقد مع محيطه روابط تؤثّر فيها وأهداف تسعى إلى تحقيقها. بحيث تكون حلقات متكاملة ذات طبيعة ديناميكية. تمثّل صندوقا أسود لمظاهر الحياة السياسية والاجتماعية، التي يذهب “محمد كرّو” عالــم الاجتماع إلى اعتبار أنّها مأزومة في كلّ مكوّناتها المؤسساتية الصّغرى والكبرى، وهي أزمة سياسية واقتصادية واجتماعيـــة وأزمة قيم وأزمة رمزية تخترق الجسم الاجتماعي بأسره. وهي نتاج تراكم تاريخيّ. ويمكــن تحليلها مــــن خلال سياقها الدّاخلي اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، ومن خلال سياقها الخارجي في علاقاتها الدّولية. هذه المنظـــومة التي بقيت متحكّمة بعد الثورة رغم التغيّر الظاهري في اللاّعبين الجدد في الفضاء السياسي والاجتماعي، واصلت التغذّي من أساليب الممارسة السياسية القائمة على إعادة تفكيك بنية المجتمع وحماية الفساد وسيطرة الولاء للحزب على المصلحة الـــوطنية والولاء للدّولة، واعتماد أسلوب الابتزاز في التعامل مع الشعب، وبالتـالي تشويه وجه الدّيمقراطية الناشئة. أو كيف تلعب المنظومة القديمة دورا بارزا في إفساد الدّيمقراطية.

خاصّة من خـــــــلال سعيها إلى المحافظة على التعايش الخطيــر بين عالم الفقر والجوع والخصاصة والبطالة الذي قامت من أجله الثــــــورة وبين عالم الإجرام والتهــــريب وتبييض الأموال والإرهاب تحت شعار التوافق والمصالحة المغشوشين والمغمسين في ثقافة عالم الأوف شور. وهو تؤاطؤ إجرامي قامت به هذه المنظومة الحاكمة. لهذا نقول أنّها منظومة متعفّنة مازالت تحكم بنفس الأساليب القديمة واستطاعت أن تستجلب إليها داعمين جددا هم أنفسهم كانوا يبحثون عن حماية في ظلّ ما واجهوه من عداء ومعارضة من الخصوم السياسيين التقليديين ومن الحلفاء المنقلبين، ونقصد هنا حركة النهضة. هذا إضافـــة إلى ضعف المجتمع نتيجة غياب الوعي والثقافة الدّيمقراطية والقـدرة على اختيار الجماهير ممثليها في الانتخابات بطريقة ناجعة حرّة هي الوسيلة لتحصين الدّيمقراطية.

إذ لعب المال الفاسد والبعد الجهوي والقبلي والدّموي دورا أساسيا في توجيه عملية الانتخاب. هذا إضافة إلــــى فســاد المنظمات الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني التي بقيت محافظة على هياكلها ما قبل الثـــــورة وأساليبها اللاديمقراطية بل حتّى سعيها إلى الانقلاب على قوانينها الدّاخلية، إضافة إلى وضع نفسها تحت ذمّة أطراف سياسية لتغذية الصراع السياسي على حساب البعد الاجتماعي والوطني، وبقيت هي نفسها تتعامل مع الواقع الجديد بأسلوبها القديم في التحيّل على الدّيمقراطية داخلها وإقصاء الألوان السياسية التي تعاديها كما كانت تقوم بذلك في عهد النظام السابق. فكان من نتائج ذلك هذا المشهــــــد السياسي المأزوم أو النّظام السياسي الجديد الذي يوصف بالهجين.

ومن هنا نستطيع أن نعتبر أنّ المنظومة السياسية والاجتماعية المتحكمة في الشأن السياسي وإدارة الدّولة منظومة قديمة معادية لمطالب الثورة وقيم الحريّة الحقّ والوفاق الاجتماعي. وهي سبب هذا التفكك الاجتماعي والسعـــــي إلى ترسيخ الإقصاء وحماية الفساد ورفض التداول الدّيمقراطي بانتخابات نزيهة سواء داخل الأحزاب أو المنظمات والجمعيات يقود حتما إلى الـرغبة في استعادة نظام شمولي قائم على سياسة “فرّق تسد”. وتحطّمت أحلام الثورة على جدرانها. بــل باتت هذه المنظومة عنوانا للفساد السياسي والاجتماعي والقيمي والثقافي خاصّة مع رواج الثقـافة الهابطة في الخطاب السياسي والإعلامي. وقد عبّر الباحث “محمد كرّو” في حوار له عن هذا بقوله (هذا ما يفسّر إلى حدّ كبير الانتفاضة الثورية عام 2011 والّتي لا تزال محدّداتها قائمة. ومن هنا تأتي المخاطر الوشيكة المتمثّلة في انــــدلاع انتفاضة شعبيّة أخرى، وفي كلّ مرّة يكون النهج الرّسمي المتّبع في التعامل مع هذه الانتفاضات إمّا ديماغوجيا وإمّا بوليسيا).

-أزمة نظام حكم:

يذهب “حمادي الرّديسي” إلى أنّ الـــــــدّولة التونسية سائرة في طريق التفكّك رغم تفاؤل البعض بأنّ الأمور تتّجه نحو المسار الصحيح، ويستدلّ على ذلك بحالة الفوضى والاضطرابات والاحتجاجات التي باتت تخـرق كلّ القوانين، وعدم قدرة الدّولة على مواجهة هذه الأحداث سواء في تردّدها في استخدام القوّة أو فيما وجدت نفسهــا فيه من معضلة في اتّخاذ القرار. ويرجع ذلك إلى تشتت القرار السياسي بين أكثر من مؤسّسة في هذا النظــــام السياســـي شبه البرلماني أو الرّئاسي المعدّل.و هو ما قاده إلى الحكم على هذا النّظام السياسي بالفشل من خلال جملـــة من القرائن التي اعتمدها في التوصيف: وهي تعميم الفساد وتحدّيات قرارات الحكومة و عجز الدولة عن اتّخاذ القرارات الصّائبة وأخيرا الركود الاقتصادي. ويردّ على أنصار شرعية هذا النظام الانتخابيّة والدّستورية بأنّه فقد الشرعية بالمعنى الفيبري وهو احتكار العنف والشرعية الدّيمقراطية المتذرّرة التي لم تكــــن منتجة، ولم تعد لها سلطة ملزمة الأمر الذي أفقدها المشروعية.

وهذا تقريبا ما اعترف به راشد الغنوشي في حديثه الأخير مع “جون أفريك” بقوله أنّنا انتقلنا من ديكتاتورية قامعة إلى الفوضى، وبرّر ضعف الدّولة في اتّخاذ القرارات المناسبة لمواجهة مختلف الأحداث تبريرا مراوغا وهو حماية حريّة التّعبير، عوضا عن الاتيان على الأسباب الحقيقية.

وهنا يأتي التساؤل عن أسباب فشل هذا النظام السياسي، هل هو فشل مرتبط بالتصوّر أم بالسياق الذي جاء فيه؟ يبدو لنا في واقع الأمر أنّ المشكل ليس في النظام السياسي الجديد الذي يساعد على عدم مركزة السلطة وقطع الطريق أمام انفراد شخص بها وحماية الحريّات، لا كما يذهب رضا لنين إلى اختزال صورة النّظام في قوله (نحن أمام موزاييك حزبي غير قادر على تكوين حتّى لجنة فما بالك بتكوين حكومة) واعتبر أنّ هذا الفشل الذي يكرّر نفسه منذ 2011 وهـــو خطأ في التزمين-لأنّ ما سبق دستور 2014 هو مرحلة انتقالية غير مقيّدة بدستور- مبرّرا لدعوة رئيس الجمهورية إلى تغيير هذا النّظام بنظام رأسي مركزي شعبيّ، ودعوته إلى إجراء استفتاء شعبيّ موجّها خطابه للرئيس (أنت أمام واجب تــــاريخيّ لأنّ المرحلة لم تعد تحتمل).

وإنّما يتعلّق الأمر بجانبين آخرين أولهما أنّ تجربة هذا النظام جاءت في مرحلة ثورية تتميز بحراك قويّ والاضطرابات، وخاصّة الحراك الشبابي الذي أصبــــح حقيقة واقعية للمطالبة بالحق في التشغيل والتوزيع العادل للثروات، وهو ما لم يمكن هذا النظام في مثل هذا الوضع المتردّي اقتصاديا واجتماعيا وعالميا تميّز بأزمة مالية وصحيّة عمّقت من هشاشته من عدم قــدرته على إيجاد حلـول اجتماعية واقتصادية ممّا عمّق الجدل والصّراع السياسي خاصّة في البرلمان.

ووجدت القوى السياسية المعادية للنهضة والائتلاف أرضية لمزيد تعميق الأزمة ورفـــع فيتو الفشل في وجه الحكومات المتعاقبة واللّواذ أخيرا ب”حامي الحمى” رئيس الجمهورية المخلّص. وأمّا السبب الثاني فهو مرتبط بطبيعة القانون الانتخابي الذي وضعه المجلس التأسيسي والذي قام على تصوّر سلبي من خــــلال الانتخاب على القوائم وقانون أكبر البقايا والتمثيل النسبي وهو حسب قول “حمادي الرديسي” (يؤدّي نظام التصويت بالتمثيل النسبي إلى تفاقم أوجه القصور في المشهــد السياسيّ المجزّأ بالفعل، علما أنّه لا يوجد في تونس حزب قادر على الحصول على الأغلبية المطلقة من الأصـوات. وإذا قمنا بتغيير نظام التصويت فسوف نعطي مزايا للأحزاب التي تمثل في النهاية فقط 30 إلى 35 بالمائة من الأصوات على الأكثر، هذا هو المعدل المتوسط وهو الذي يمكنها أن تصل إلى 50 بالمائة من المقاعد وبالتالي يؤهلها للقدرة على الحكم. وأعتقد أنّه على المستوى السياسي الحلّ هو في النظام الرئاسي).

ولكن كيف يمكن العودة إلى هذا النظام الرئاسي؟ كيف يمكن تغيير النظام الحالي؟ هل الأمر مرتبط بفشله، وقد بيّنا أنّ اختبار مدى صلاحية هذا النظام لم تتوفّر له شروط تجربته بل كانت كلّ العوامل غير مواتية لتقييمه؟ أم أنّ وراء هذه الدّواعي موقف مسكوت عنه سياسي أيديولوجي بالأساس هو كيف نزيح خصما سياسيا من الحكم ومن تمثيلية كبرى في المؤسسة التشريعية؟

هنا تختلف الأجوبة بين إجابات ذاتية بعيدة عن الموضوعية. ففي حين يعتبر البعض الذهاب نحو نظام رئاسي مراقب مع الخشية من السّقوط في انتخاب زعيم للشعب والتوجه نحو منطق الاستفتاء الذي يمنحه كلّ السلطات وهو خطر كبير. أم نذهب نحو نظام سياسي برلماني على النموذج الألماني مع نظام تصــــــويت مختلط من التمثيـــل النسبي مع تصحيحه بالأغلبية على جولتين كما يقترح “حمادي الرديسي” الذي يرى أنّ هذا هو الحل بالنّسبة إلى النظام السياسي الذي نعيش فيه والذي لا يمكـــن توصيفه توصيفا دقيقا فهل هو نظام ديمقراطي زائف أو ديمقراطي انتخابي أو نظام ديمقراطي غير ليبرالي… في حين يرى عالم الاجتماع “محمد كرّو” أنّ الحلّ هو في تدعيم النظام الدّيمقراطي التشاركي اللاّمركزي وذلك بتركيز الحكم المحلّي يدعّم الإدارة الذاتية و المشاركة المحليّة والإقليمية. فالحلّ ليس في تغيير النّظام السياسي بل في تطبيق موادّ الدستور وما ينصّ عليه من التمييز الإيجابي والحكم اللامركزي في فصله السابع.

في حين يذهب رضا لينين المكيّ إلى المناداة بتغيير نظام الحكم باعتباره هو المشكل المعرقل لسير دواليب الدّولة بنظام جديد شعبيّ يقوم على المرور من الحكم المحلّي فالإقليمي إلى الحكم السلطة العليا، ولا يمكن أن يخرج هذا التصوّر مهما اجتهد أصحابه في محاولة تبريره دستوريا عن متخيّل الدّيمقراطية السّوقياتية،التي تنطلق من الحكم المحليّ أوالسوفياتات وصولا إلى انتخاب هذه المجالس لسوفياتات إقليمية التي تنتخب بدورها المجلس النيابي الأعلى. وبهذا التصـــوّر يشرّع رضا لنين لعودة حلم الحكم المثالي من النافذة، ليجعل كثيرا من السذّج يرون في هذا التصوّر الخلاص من الأزمة، غير أنّه لا يدرك أنّ دعاة هذا النّظام والنظام الرئاسي المطلق يحاولون إيجاد سبل أخرى لاستعادة التملّك. وأنّ اختراع مقولة الشعب والجماهير القادرة على التنظّم والحكم هو كذبة أخرى كما يرى تايلر يروّج لها في لباس موضوعيّ هو الحكم المحلّي.

نلاحظ في هذه القراءات مزجا بين الحكم على سلبية النظام السياسي وهجانته وبين ضعف الدّولة ومؤسساتها وضعف السلطة التنفيذية وذلك في عدم قدرتها على الاستجابة لمطالب المجتمع المختلفة من حيث حلّ مشاكل البطالة والتهميش وإيقاف نزيف الهجرة غيـر النظامية وإصلاح المؤسسات العمومية الحيوية ممثلة في التعليم والصحّة. وهذا ما يعتبره ” محمد كرّو” أزمة سلطة دولة مازالت تعمل وفق المنظومة القديمة وهي الدّولة المركزية اليعقوبية.

ومفاد هذه القراءات والآراء أنّ الأزمة باتت ثنائية متداخلة: أزمة منظـــــــومة حكم تقليدية لم تستطع أن تواكب الثورة وتتخلّص من رواسبها الأيديولوجية والزعامتية والصّراع على كرسي الحكم والتمعّش من الشعارات المثالية والاعتماد على الخطاب الشعبوي، وأزمة نظام في الحكم يفتقد سلطة قادرة على أخذ القرار الصحيح والمناسب مع متغيرات الواقع والأحداث ومواجهة الأزمة بكلّ شفافية وصراحة ودقّة.

الحلول:

إنّ الدّعوة إلى تفعيل أحد فصول الدّستور في تركيز الحكم المحلّي يكون ركيزة لانتخاب المجلس النيابي واختيار السلطة التشريعية دعامة فعلية لترسيخ الديمقراطية التشاركية، وبالتالي نعتبـــرما صدر عن رضا لنيـــــــن وكذلـــك عن رئيس الجمهورية ليس بدعة ولا تآمرا بل هو في واقع الأمر مطلب شعبيّ ورؤية للدّيمقراطية الصحيحة التي تمكن من إيجاد حلول وتشريك أبناء الجهات، غير أنّ كلمة الشعب هذه هي في حدّ ذاتها كلمة فضفاضة لأنّ مقولة حكم الشعب مراوغة. مادامت هذه الجماهير في الجهات والتي شاركت في كـلّ المحطّات الانتخابية، والتي كانت تمكّن النظام السابق من نسبة تصويت تفوق 90 بالمائة، ليست متجانسة بل هي تحتوي فئات مختلفة منها نسبة كبيرة لا تمتلك وعيا سياسيا ولا تحسن اختيار ممثليها بسبب الأميّة والجهل، أو لأنّهـــا ستبقى مهما اختلفت الرؤية الانتخابية حتّى في الانتخابـــــــات المحليّـــة خاضعة لمحدّدات دموية وقبلية وجهوية والأكثـــــــر من ذلك مادية، بمعنى أنّه لا ضامن فيها لعدم تحكّم عمليات البيع والشراء للذّمم والأصوات. وبالتالي سيكون الحكم المحلي المنشود في حدّ ذاته يسير في نسق المنظومة القديمة.

ونتيجة لهذه الحقائق يمكن أن يؤدي الحكم المحلّي إلى خلق ديكتاتورية جديدة هي ديكتاتورية الزّعيم المخلّص. لنعود إلى نفس الأزمة. ورغم اعتبار عــــالم الاجتماع “محمد كرّو” لأهمية إعطاء مزيد من الدّور للجهات، وترسيخ الحكم المحلّي الذي نصّ عليه الدستور وتفعيل مبدإ التمييز الإيجابي والحكم المحليّ هي مقاربة أخرى للعلاقة بين الدّولــــــة والمجتمع للتخلّي عن النظام المركزي الــرأسي، والتوجّه نحو الدّيمقراطية التشاركية من الأسفــــل إلى الأعلى للخروج من أزمة الدّيمقراطية المفروضة من الأعلى. يعدّ فعلا لهياكـل لامركزية يشارك فيها المواطنون في تصوّر الحلول لجهاتهم ومثال ذلك ما حدث في منطقة “جمنة”، وعلى غـــــــــــراره يكون حلّ التحرّكات في الجهات.

لكنّ هذا النهج الذي نراه أكثر تمثلية وتحميلا للمجتمع مسؤوليته في إدارة شؤون البــــلاد، لا نملك دلائل على نجاعتة في ظلّ عودة العروشية وهو ما حدث أخيرا بمنطقة الجنوب، وفي ظلّ غياب الوعي المجتمعي والإحساس بالمسؤولية وثقافة العمل الجماعي والمصلحة الوطنية. بل بيّنت بعض التحرّكات في الحوض المنجمي وفي جهات أخــــــرى حدودية كيف يتدخّل المهرّبون ورأس المال الفاسد وأصحاب المصالح ورجالات المنظومة المعادية للثورة في إمكانية تحويل هذا الحكم المحلّي في حدّ ذاته إلى مصدر آخر للفساد الانتخابي والمحسوبية وإعادة الدّيكتاتوريّة، مادامت الأرضية الاجتماعية فاقدة للوعي والثقافة الدّيمقراطيّة والإحساس بقيمة عملية التصويت.

خلاصة الأمر أنّ المشكل اليوم الذي يبدو في الظّاهر مشكل نظام سياسي يعتبــره البعض هجينا، وهو لم يدم مدى زمنيا معقولا يمكن من خلاله الحكم عليه، أو على الأقل الوقوف على إيجابيات وسلبياته، ويمكـن أن يتدعّـــــــــــم هذا النّظام الدّيمقراطيّ بتركيز الحكم المحلّي شريطة أن يؤسّس له بتوعية الفئات الشعبيّة وعمل منظمات المجتمع المدني على نشر ثقافة انتخابية تعدّ الجماهير للعب دورها الفاعل. ولا يمكن أن يتمّ هذا إلاّ بالتخلّص من رواسب المنظــــــومة السياسية والاجتماعية القديمة التي مازالت تمثل حجر عثرة أمام عملية الانتقال الدّيمقراطي، والتي يختـــــرق نسقهـــا الأحزاب والجمعيات ومؤسسات الدّولة. ولكن الدّعوة إلى تغيير النظام القائم بدعوى عدم تناسبه مع واقع البلاد، وبدعوى تنازع رؤوس السلطة الثلاثة، فلا بدّ أن نفهم ّأنّ هذا مشكل عابر سببته الصراعات الحزبيّة على السلطة، وهو مطلب حزبي سياسي مرتبط بمحاولات السعيّ إلى البحث عن طرق للإقصاء لا علاقة له بالبحث عن حلول اجتماعية.

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP