الجديد

تونس اليوم: الانتقال الديمقراطي .. الفرصة الضائعة

منذر بالضيافي

في السياسة العبرة بالنتيجة، وهذا ما فشلت فيه الطبقة السياسية التونسية، بكل مكوناتها الحداثية والوطنية والاسلامية، وذلك خلال العشرية الأخيرة التي سنحت بها ثورة 14 جانفي 2011.

أضاعت هذه الطبقة فرصة تاريخية لبناء تجربة ديمقراطية، كانت كل الظروف مواتية لتحقيقها، لعل أهمها القبول المجتمعي وارث تحديثي مهم فضلا عن دعم دولي غير مسبوق، في مناخ عربي / اسلامي معادي للحرية والديموقراطية، كشف أنه ما زال في حالة استعصاء هيكلية عن القبول بالديمقراطية كنمط حياة و كنظام سياسي هو افضل ما ابتدعته الانسانية لليوم.

اليوم، وفي ظل ادارة ” الأحكام الاستثنائية” للدولة، التي بدأت منذ 25 جويلية 2021 وسوف تستمر الى 17 ديسمبر 2022 وفق ما جاء في “خارطة الطريق” السياسية التي أعلن عنها الرئيس قيس سعيد، فترة طويلة ستبقى فيها البلاد تحت اشراف سلطة فردية مركزية، يجري هذا في تزامن مع ضعف الحماسة المجتمعية للديمقراطية، وتشتت النخب وحالة الانقسام المجتمعي والسياسي الحادة، التي تميز المشهد العام في البلاد، يصبح معه الحديث أو حتى الأمل في استئناف “المسار الديمقراطي”، محفوف بصعوبات كبيرة قد لا تجعله ممكنا في المنظور القريب.

أضاعت الطبقة السياسية، التي تصدرت المشهد السياسي “الما بعد ثوري”، ما تحقق من مكاسب سياسية ودستورية، بسبب تفرغها للصراع حول السلطة، وهو ما نجم عنه اضعاف الدولة وترهل مؤسسات الحكم، ما أنها اهملت الجانب الاجتماعي والاقتصادي، وهو ما سرع بإسقاطها بقرار رئاسي استند فيه الى قراءة “موسعة” للدستور، مستبعدا بذلك اتهامات خصومه ب “الانقلاب” على المسار الديمقراطي، وهو تصور وبرغم غياب منجز واقعي ما يزال يحظى بقبول ومساندة شعبية (مشروعية واسعة ).

الثابت أن الطبقة  السياسية التي  كانت حاضرة في المشهد السياسي سواء في الحكم أو حتى في المعارضة، وخاصة تيار الاسلام السياسي ( اخوان تونس) الذي كان حاضرا بقوة في الحكومة والحكم، لم تطور فكرها وممارستها للعمل السياسي و الحزبي، وبقت سجينة في تصوراتها وارتباطاتها الى حقبة ما قبل ١٤ جانفي ٢٠١١، غياب البرامج وشيوع ثقافة الاحتجاج، فضلا عن تمدد الزبونة والفساد.

وما نعيشه اليوم، بعد 25 جويلية 2021، هو نتيجة لفشل هذه الطبقة السياسية، التي تصدرت المشهد بعد سقوط حكم الرئيس بن علي، والتي ما يزال رموزها ( الغنوشي، الشابي، بن جعفر، المرزوقي، الهمامي …) يرفضون الرحيل، ويسعون الى استعادة أو اعادة انتاج اليات وطرق معارضتهم لنظام ما قبل الثورة.

كما يتمسكون بتأبيد هيمنتهم على المشهد وعلى قيادة احزابهم التي حولوها الى ملكية خاصة، و التي تفتقد للتسيير الديموقراطي، ومع ذلك يصيحون صباحا مساء ، على ضياع ديمقراطية لم يحافظوا عليها، من خلال تثبيت مؤسسات دستورية واحزاب قوية واعلام مستقل وحر …

وذلك بسبب نرجسيتهم و حرصهم على ” التمكين” لجماعتهم، والاهم بسبب كونهم غير ديمقراطيين، نعم غير ديموقراطيين، و الممارسة السياسية لهؤلاء خلال العشرية الاخيرة اكدت ذلك.

تبين لنا اننا تعرضنا في العشرية الاخيرة الى عملية ” تحيل سياسي”، ولم نعش ” انتقال ديمقراطي “، بل أننا عشنا فصولا من الصراع حول “السلطة” و ” الغنيمة” و ” التمكين” لمشروع سياسي مرفوض مجتمعيا، وهذا ما صدقته واكدته الأحداث الاخيرة.

اليوم وبعد ان سلم هؤلاء  البلاد الى “مغامرة غامضة”، نستطيع القول لهم ” عظم الله اجركم” و ” نسألكم الرحيل” ، كما غنت المطربة المصرية الكبيرة نجاة الصغيرة.

اليوم نحن نودع جيل سياسي بأكمله انتهت صلاحياته، بل انه اصبح عبئًا على تطوير الحياة السياسية، و على انقاذ البلاد من مخاطر عودة الانزلاق نحو عودة النظام التسلطي وحتى تراجع المكاسب التقدمية لدولة الاستقلال.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP