الجديد

تونس اليوم .. مأزق الرئاسات الثلاث !

هشام الحاجي

يتأكد يوما بعد يوم أن تونس تنزلق إلى أزمة سياسية خانقة، قد تكون لها انعكاساتها السلبية على الإستقرار، خاصة و أنها تتنزل في سياق أزمة إقتصادية و إجتماعية، تشير كل المعطيات،  إلى أنها مرشحة للتعمق و التفاقم خاصة و أن وباء الكورونا قد زاد الوضع هشاشة و تدهورا.

تتخذ الأزمة السياسية اليوم عدة مظاهر،  لعل من أهمها تغليب منطق المناورة و ” التوريط ” و “الانطلاق من توقع سوء النية ” في الآخرين، و هو ما يقضي على إمكانية الالتقاء حول رؤى و تصورات و مشاريع مشتركة، و التشتت الهيكلي للسلط علاوة على هيمنة منطق الولاء و تغلبه المطلق على منطق الكفاءة.

عجز عن ادارة الشأن العام

لكن ما هو أخطر في الفترة الأخيرة هو حالة العجز عن إتخاذ القرار، و عن الحفاظ على المشروعية السياسية و الأخلاقية، التي أخذت تنخر الأحزاب السياسية و المؤسسات التي يستند إليها النظام السياسي و التنظيم الإداري.

ذلك أن أغلب الأحزاب السياسية، قد فقدت الكثير من شعبيتها و لم تعد تملك ما يتعين أن يتوفر للأحزاب السياسية، من قدرة على تأطير المواطنين و على إقناعهم بأطروحات معينة، و على التعبير عن تطلعاتهم، و هو ما خلق حالة من لامبالاة المواطنين بالأحزاب، و لم يعد يهم أغلبهم إلا الخلافات بين السياسيين، التي تحولت إلى مجال تندر او تبرم أكثر منها إلى مجال تفكير و نقاش حول الأفكار و البرامج، و لعل حالة الانحسار التي تعيشها الأحزاب التي “تقتات ” من “سردية الثورة “، و تتناسى أن الثورة الحقيقية هي إنجازات، هي التي تفسر تقدم الحزب الدستوري الحر.

هذا الحزب الذي يستهدف النظام السياسي الجديد من داخله، و الذي استطاع إعاقة عمل أهم مؤسساته و هي مجلس نواب الشعب ، من خلال المراهنة على “تناقضات” المجلس و النظام السياسي، و “حشر” رئيسه في مربع الارتباك و رد الفعل.

المأزق الجماعي

هنا نجد أنفسنا أمام الوجه الأخطر للأزمة السياسية و هو وضعية العجز التي اصابت ” الرئاسات الثلاث “.

نقطة الانطلاق هي ما خلقه منطق تقاسم السلط،  من “صراع ” على المهام و الأدوار خلق حالة من الفتور الواضح في علاقة رئيس الجمهورية قيس سعيد برئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي، و انعكس على مواقف عديد الأطراف، خاصة داخل مجلس نواب الشعب ، و لكن الأمر تطور حاليا إلى ما يشبه “عجز كل رئيس ” عن الفعل.

قد يكون رئيس الجمهورية قيس سعيد هو التعبير الأمثل عن “عجز هيكلي ” جعله لا يقدم منذ توليه رئاسة الجمهورية على إتخاذ أدنى قرار،  ليتحول دوره إلى ما يشبه “مطلق صفارات إنذار ” وهمية ، إذ تحولت كل خطبه إلى حديث عن مؤامرات و ” غرف مغلقة “، و غيرها من المفردات المربكة، دون أن يدرك الرجل أن الخطاب المربك يخلق حالة من الانكماش، و يعيق الحياة العادية ، و أن دوره كرئيس للجمهورية هو تفكيك المؤامرات إن وجدت و تقديم أصحابها للقضاء.

مما يزيد في سلبية دور رئيس الجمهورية سعيه اللافت لإقحام المؤسسة العسكرية في “متاهات ” اللعبة السياسية، من خلال الخطب ” العصماء” التي ألقاها أمام قياداتها ، و أيضا من خلال تطوير دور المؤسسة العسكرية الاقتصادي، و الذي كان تكليفها بالإشراف على المدينة الطبية بالقيروان أحد مظاهره، و هو ما خلق تبرما لدى القطاعات المدنية المعنية بمشاريع مماثلة، و التي تعاني حاليا من غياب المشاريع الكبرى.

هنا نقول أن  “حسابات ” قيس سعيد التي لا تستند إلى الواقع بل إلى “استنساخ ” تجارب لا علاقة لها بالسياق التونسي اقتصاديا و سياسيا ، بل قد تجعلنا أشبه بالوضع العراقي أو السوري، و هي الصورة التي تتبادر إلى الذهن حين نرى اللقاء غير المسبوق بين “أعيان ” رمادة و ممثلي الجيش هناك.

إذ غابت الاحزاب و المنظمات ليعوضها منطق آخر قد يكون مستمدا من تفضيل قيس سعيد للقبائل كأطر لحل الأزمات.

أزمة البرلمان

ان العجز عن الفعل يبدو جليا أيضا في مجلس نواب الشعب إذ لم يقدر راشد الغنوشي -و مهما كانت الأسباب – على الارتقاء إلى مستوى رئيس مجلس نواب، يعمل على البحث عن نقاط الالتقاء و يفرض سلطة القانون، و قد كسب في وقت ما تعاطفا من حملة الاستنزاف المتواصل التي تشنها عليه عبير موسي، و لكن عدم رده على الهجمات التي تطال كل العائلة الدستورية، و على “عربدة” ائتلاف الكرامة  جعلته يفقد هذا التعاطف، ليتحول في نظر عدد من النواب إلى طرف، و إلى رئيس جزء من النواب.

و هو ما دفع إلى الشروع في الإعداد لسحب الثقة منه، و هي عملية لا تخلو من حسابات سياسوية.

و لكن لها أيضا مبرراتها الموضوعية، و في كل الحالات فإن تولي رئاسة مجلس نواب الشعب،  افقد راشد الغنوشي الكثير من “هالته المعنوية”.

متاعب الفخفاخ .. لا تنتهي

و لا شك أن إلياس الفخفاخ،  لا يمثل الاستثناء مقارنة بالرئيسين الآخرين، لأن شبهة تضارب المصالح المتعلقة به،  قد أصابت مصداقية الحكومة  و صورته هو ، و قد عمق من خلال ردود فعله المتعالية و المتعنتة من تدهور شعبيته، و إذا كان المثل الفرنسي يشير إلى أن القطار قد يخفي وراءه قطارا آخر.

ما يشير الى أن الشبهات المتصلة بالياس الفخفاخ ، قد تخفي وراءها شبهات أخرى ، و هو ما يجعله إلى جانب الحرج الأخلاقي و القانوني،  أقرب إلى رجل أعمال مهتم بتنمية رقم معاملاته، أكثر من اهتمامه بالشأن العام.

هذا علاوة على أن ” استنجاده” بإطارات التكتل الديمقراطي و منحهم مواقع و حزبهم غير موجود تقريبا في المشهد ونتائجهم صفرية في الانتخابات، يجعله التجسيد الأمثل لمنطق اعتبار الدولة غنيمة ، مع ما يعنيه ذلك من تراجع كلي عن شعارات رفعها و يبدو أنها مجرد سراب.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP