الجديد

تونس في مهب المازوشية السياسية!؟

خالد شوكات

تمرض “النفس الجماعية” مثلما تمرض “النفس الفردية”، والمازوشية التي تعني “التلذذ بتعذيب النفس” من الانحرافات النفسية والسلوكية المعروفة، وهي انحراف يصيب الفرد كما يمكن ان يصيب الجماعة والمجتمع، فكما يوجد “شخص مازوشي” يؤذي نفسه بحرق جسده او شد شعره او لطم وجهه او نزع أظافره او بسواها من الممارسات المؤلمة الغريبة طلبا لراحة وهمية او سعادة عجيبة، توجد “مجتمعات مازوشية” تدخل نفسها في حملات لطم وبكاء وعويل وجلد وتعذيب جماعي، وتكرر ذلك كل ساعة وحين حتى يضحي ايذاء النفس الجماعية نوعا من الاعراف والتقاليد، وتستوي في ذلك الممارسة والخطاب، فكلاهما يصبح مزايدة في الايذاء وإبداء بطولة في التشنيع والتيئيس والتثبيط والايلام، حتى يعود الفرد الذي ينشر الامل ويرفع المعنويات ويدعو الى التفاؤل نشازا مذموما مدحورا يغرد خارج سرب المازوشية اللعين هذا.

فعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المستفحلة، وبالاعتماد على الدراسات والارقام المقارنة، وقياسا بأكثر من 100 دولة في العالم، لا يبدو الوضع النفسي العام للمواطنين متفقا مع حقيقة الواقع، ففي تونس يرمى سنويا ب120 مليون دينار من الخبز في القمامة، كما تظهر تونس في قائمة الدول الافريقية العشرة الاوائل في سلم التنمية البشرية دائما، وتتقدم عربيا في مجال الحرية والديمقراطية، وحتى الابتكار والتنافسية ومكافحة الفساد وغيرها من معايير ومؤشرات جودة الحياة، ومع ذلك يصر التونسيون على الولع بكل ما هو سلبي ورفض وتكذيب كل ما هو إيجابي، في اصرار محير على الرغبة في تدمير الذات لا مجرد تعذيبها.

تتحمل النخب السياسية والإعلامية المسؤولية الكبرى في هذه “المازوشية الجماعية”، فجراء الكسل الفكري والازمة الاخلاقية والضحالة السياسية، تبدو سلعة “المزايدة الشعبوية” وحتى “الفاشية”، في الاتجاه الخاطئ الأكثر رواجا والأيسر استعمالا، وبدل التنافس في انتاج الافكار الخلاقة والبرامج التنموية وبناء الآمال الوطنية، فضّلت هذه النخب تنافسا تدميريا، اذ ترى كل واحد منهم لا يطرب القوم الا ببيت يزيد من طين الجماعة بلّاً ومن وجع المجتمع سنة، وهكذا تطغى الموسيقى الحزينة التي تبعث على الحزن والرثاء على كل انواع الموسيقى الاخرى، المفرحة والمبهجة التي يفترض ان تعزف. الغرق في اليأس وتحويل النفوس الى خراب،

ليس واقعية أبداً لأنَّ في الواقع من الايجابيات ما يستحق التركيز وينعش الحياة ويبعث التحفيز على العمل ويبث الهمّة العالية، والاهم ما يعين الذات الفردية والجماعية على التدارك والخروج من الأزمة، فالمعالجة النفسية باستعادة الثقة وعلوّ الذات هي أوّل الخطوات الضرورية لإيجاد الحلول المناسبة واستعادة المبادرة والسير في طريق البناء والتعمير والنماء. وخلاصة القول ان هذه المازوشية التي يتشبث التونسيون بها في حالة “لا وعي” مريبة جراء تشجيع نخب الخواء والرداءة والتفاهة لهم على ممارستها، هي اخطر ما يهدد قدرات تونس على الخروج من مربع الأزمة الى آفاق رحبة فيها فرص كبيرة للتقدم والتنمية والسعادة.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP