الجديد

تونس: ياسمين الثورة الباهت .. الاستثناء التونسي هل كان مجرد “وهم”؟

ترجمة:شعبان العبيدي

تهاوت أوراق الياسمين المحمّلة بالآمال وذهب شذاها و ذبلت أزهارها الشمعية ذات الأريج المنعش والفتنة الخاطفة .. ولم يبق إلاّ رثاء ذلك الحلم على لسان نزار قباني:

ولمحت طوق الياسمين

في الأرض … مكتوم الأنين

كالجثّة البيضاء

تدفعه جموع الرّاقصين.

بهذا العنوان حبّرت الصّحفيّة والكاتبة المختصّة في دراسة الظّاهرة الإسلامية وقضايا الشرق الأوسط ورئيسة تحرير المجلّة الأسبوعيّة الفرنسية  “ماريان” مقالها الذي صــــدر على صفحات “قلوبال واتش أنالسيس”

يعتقد الكثيرين – و كلّ النّاس – أنّهم يعرفون تونس لمّا قامت الثورة في جانفي 2011، وقد جاءت لتكنس كلّ التحاليل المطمئنة للخبراء حول “الاستثناء التّونسيّ”. فها هم الخبــــــــــــراء أنفسهم أو أمثالهم يستيقظون مذعورين بعدما قدّموا لنا طيلة سنوات نفس الشراب المعتق مستســـــــــــــاغ المزاج حسب ذوق اليوم.

وهكذا فإنّ الاستثناء التّونسي الجديد سيسمح لدول الياسمين العربية بالإفلات من المصير الكارثي للثورات العربية الأخرى. وذلك بفضل الحكمة السياسية لقصـــــــــر قرطاج إن كانت موجودة بالفعل، في الوقت الذي تحكّم فيه الذّكاء بزمام العربة السياسية. ولاسيــــــما مع رجل القانون عياض بن عاشور الذي قاد الدّعوة إلى الإصلاح السياسي. ولكـــــن الانتقال الديمقراطي تباطأ بشكل خطير مع مرور الوقت.

لقد عانت البلاد أوّلا من ضربات الحكم الإسلامي تحت قيادة حزب “النّهضة”، ثم اشتعلت النّار من جديد عندما عبّر المجتمع المدنيّ عن غضبه من الدّعم النّهضاوي للسلفيّة، وسعى إلى إبعاد الإخــــوان من السلطة واضعا كلّ أماله العريضة في “نداء تونس”، الحزب المعـادي للظلاميّـــة، والذي يستلهم الإرث البورقيبي. و الذي كان قد تأسّس في جــوان 2012 بقيادة مؤسّسه البــاجي قائد السبسي السياسي “العجوز”، لكنه كان محاطا مع ذلك بعقول مستنيرة. وفعلا فــاز النّــداء بالانتخابات التشريعيّة في أكتــوبر 2014، وتمّ انتخاب الباجي “اللائكي” رئيسا للجمهورية في ديسمبر، وهو الرّجل المؤيّد لتحرير المرأة.

كان من المفترض أن تؤديّ الأخطاء الكبيرة لحركة النهضة إلى تقوية معسكر الرئيس. ولـــــــكن للأسف، فالأزمة الاقتصادية الخانقة والتهديـد الإرهابي ومحسوبيات الرئيس السبسي الذي وضــــع ابنه حافظ على رأس قيادة الحزب ستعمل مجتمعة على تقويض الأرضية الجديدة.

هكذا ضاع الانتقال الدّيمقراطي في الرّمال المتحرّكة عندما عادت النّهضة إلى الحكـــــــــومة في فيفري 2015 مع حكومة الائتلاف الوطني. وبعد شهر من ذلك جـــــدّت العملية الإرهابيّة بمتحف باردو، وتلتها في جوان عملية غادرة استهدفت السياح على شاطئ مدينة سوسة. وتتالى تغيير رؤساء الحكومات، والبلاد في حالة مرض مزمن. ومهما كانت النّتيجة واصل الاتّحاد الأوروبي وفرنسا بضرب المثل بالاستثناء التونسيّ.

في 6 ماي 2018 فازت حركة النّهضة في الانتخابات البلدية بأغلبية المدن الكبرى منها العاصمة تونس. وفي 25 جويلية 2017 توفيّ الرئيس الباجي بعد بداية جديدة حقّا هذه المرّة للاستثناء التّونسيّ. فقد كلّف المحامية بشرى بالحاج حميدة، الشخصية النسائية الشهيرة بإطـــــلاق لجنة للحريات الفردية والمساواة في الميراث. وكان عليها أن تقدّم للبرلمان مجموعة من النصوص الداعية إلى عدم تجريم المثلية الجنسية والمساواة في الميراث وإلغاء عقوبة الإعدام. وكان البرلمان حينها منقسما على نفسه مثله مثل البلاد، وهو في غالبيته محافظ.

سنحكم على واقع تونس في ديسمبر 2019 مع الانتخابات المظفّرة للرئيس قيس سعيد أستاذ القانون، الشخص الغامض الذي من المفترض أن يجسّد الوعي النقيّ لأولئك الذين لم يخدعوا أبدا في أيّ أمر.

كان الخبراء التّونسيون مبتهجين، وكم ردّدوا إنّ الياسمين دائما يزهر من جديد مـــــــرّة أخرى. هذا الرجل الغريب الذي يحمل رؤية جديدة للتقشف كما يحلو للشباب أن يطلقوها عليه يمثل فرصة جديدة لتونس.

وهاهم مرّة أخرى يُخدعون. فتونس التي تحمل بالفعل تاريخيا وثقافيا كثيرا من الحظّ تنخرط بعد عشر سنوات من الثورة في مرحلة قيحية. فمن كماشة الإسلاموية التي أعلنت تنــــــــــــازلها عن السلطة واستطاعت أن تنقذ نفسها ولكن ما العمل مع رئاسة رجعية؟

إنّ محافظة قيس سعيد أكثر خطرا من النهضة التي يرأس مؤسسها راشد الغنّوشي البــــــرلمان. فهو من جهة يظهر كإسلامي منسجم مع نفسه، ويحكم على المجتمع بأن يتراجع للــــــوراء، وقد شاهدناه وهو يعلن رفضه تغيير قانون الميراث، باعتباره قانونا قرآنيا يفرض على الفتاة أن يكون نصيبها من الميراث نصف نصيب الذّكر كما يلخّص ذلك بصوته الرّتيب ” القرآن واضح الدّلالة في هذا الموضوع ولا يقبل تأويلا”.

وداعا بورقيبة. فها هي الشريعة تسير على المسار الوحيد، والتي لا يمكن للمصلح ذي العينين الزرقاوين تغييرها.

كما أنّ الأيديولوجيا الّتي يبشّر بها صاحب قصر قرطاج هي ضرب من التملّــــــــــق يغري التوجّه المعادي للنّخبة، ذلك التوجّه الوريث للثورة. ولكنّه بات توجّها مفرغا من روح الثورة وقيمها. إنّها أيديولوجيا قائمة على مفارقة تاريخية، وتمجيد للقومية العربية الغابرة، هذا التوجه يمكن أن يـــؤديّ إلى الأسوأ بشعب بائس.

تطغى اليوم الأزمة الصحيّة بعد ضربات الخطر الإرهابي، الذي ضرب السياحة، القطــــــــــاع الذي يعتاش منه ربع سكان البلاد، ونتيجة للأزمة المالية الخانقة، لم تدفع الحكومة شيئا للعاطلين ولا للذين انهارت مؤسّساتهم الاقتصاديّة .

وكان قد تمّ الاحتفال بذكرى العاشرة لعيد الثورة بأعمال شغب ونهب في جميع الجهات، لتذكّرنا مع الأسف مشاهدهم وصورهم بأنّه ليس هناك استثناء تونسيّ أصلا، وما هو إلاّ مجــــــرّد وهم وحلم كان.

رابط المقال:

https://global-watch-analysis.com/tunisie-le-jasmin-fane-de-la-revolution/?fbclid=IwAR15XAAzLn60vfIuQP–qObcGyxu_49oiSUTQQ0wUMcEl1NKb1ixZl4jino

 

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP