الجديد

منذر بالضيافي

جدل حول الاعلام: صراع حول “الهيمنة” على صاحبة الجلالة

منذر بالضيافي

مع كل اعلان عن اجراءات حكومية لفائدة قطاع الاعلام، والتي عادة ما تأتي مع كل حكومة جديدة، في مسعى منها لكسب “ود” القطاع وربما قصد تجنب “أذاه” أو “مراودته” لخدمتها، هذا ما يجعلها “قرارات” و “اجراءات” ، محل تشكيك وتنازع، وتنعت بكونها تفتقد للرؤية و المعرفة بواقع القطاع وحاجياته الحقيقية، مثلما ذهبت الى ذلك النقابات والهيئات والجمعيات الناشطة في القطاع، في تفاعلاتها مع الاجراءات الحكومية المعلنة هذا الأسبوع، في علامة دالة على أزمة الثقة الكبيرة التي تشق “الفاعلين” في القطاع، والتي تعود لتباين “الحسابات” و “النوايا”.

وقد تجاوزت هذه الهيئات  “سقف” النقد للقرارات الحكومية والدعوة الى مراجعتها الى التعبير “عن خشيتها من وجود شبهات قوية تحوم حول خلفيات هذه القرارات، التي تستبطن مساع للعودة إلى سياسة وكالة الاتصال الخارجي سيّئة الذكر لتلميع صورة الحكومة ورئيسها وشركائه في الحكم، في الوقت الذي يعاني فيه العاملون في قطاع الاعلام من وضع اجتماعي صعب”.

ان طبيعة ردود الأفعال على القرارات الحكومية الأخيرة،  تكشف عن وجود صراع حول السيطرة على الاعلام،  أي صراع بين عديد الجهات السياسية والمالية وأيضا النقابية/ المهنية ، حول الهيمنة على القطاع ومحاولة تجييره لصالحها، سواء في التموقع السياسي أو في حصد المنافع و الغنيمة.

وهو صراع لا يخدم الصحفيين والمهنة، و يغيب عنه التنافس حول البرامج لإصلاح القطاع،  من جهة جودة المضامين والارتقاء بالأوضاع الاجتماعية والمهنية للصحافيين، الذي باتوا يشعرون ب”الغبن”، جراء وقوع المنابر الاعلامية ، خاصة الإذاعية والتلفزية تحت هيمنة أو سطوة ظاهرة “الكرونوكورات”،  الذين استحوذوا  على المنابر والشاشات، وبالتالي “المنافع” و “الجاه” ، و أصبح بالتالي المشهد السمعي – البصري خاضعا ل “دكتاتورية الكرونيكورات”،  ولعل هذا ما يفسر التراجع في المضامين الصحفية، في شتى أنواع أو أجناس العمل الصحفي، وكذلك اختصاصاته المختلفة (المسموع والمرئي والمكتوب والافتراضي)، برغم مناخ الحرية الذي جاءت به الثورة.

يوجد اجماع على أن من أبرز المكاسب التي تحققت في تونس بعد ثورة 14 جانفي 2011 هي حرية الرأي والتعبير. لكن، في المقابل نجد شيوع عدم رضى على مضامين الاعلام، فالتونسي  لا يرى نفسه في اعلام بلاده، ويعتبره اعلام لا يعبر عن مشاغله، وهو بصدد العودة لمتابعة اخبار البلاد والعالم من خلال وسائل الاعلام الاجنبية، مثلما كان قبل الثورة.

ما حصل هو أننا  انتقلنا من اعلام تهيمن عليه السلطة الى اعلام تهيمن عليه تمويلات مالية غير معلومة المصدر والهوية،  فضلا عن بروز “تخوفات” جدية خلال الفترة الأخيرة، من عودته الى “بيت الطاعة”، اذ هناك “اتهامات” من أكثر من جهة للحكومة المتعاقبة، بأنها خططت وعملت من أجل  وضع يدها على الاعلام العمومي وكذلك الخاص، وهي “تخوفات” لها ما يبررها في الواقع، وليست رجما بالغيب، مثلما يقال. وهو ما يبين بالكاشف هشاشة هذا القطاع، وأنه يعيش أزمة هيكلية مزمنة.

في محاولة لرصد واقع الاعلام التونسي، بعد الثورة وخاصة وسائل الاعلام “الجماهيرية، والتي نعني بها تحديدا القنوات التلفزية، نلاحظ وجود شبه اجماع لدى الخاصة والعامة على حد السواء، بأن الاعلام التونسي فشل في ادارة حوار وطني حقيقي، يكون داعما و مؤطرا للانتقال الديمقراطي، بل أكثر من ذلك يكون حارسا له من كل محاولات الردة وما أكثرها.

وهنا تبين بالكاشف أن مطلب الحرية لوحده لا يصنع “الربيع”، فالقطاع يعيش أزمة هيكلية/بنيوية، لا يمكن تجاوزها بإجراءات ظرفية، ولعل من أبرز نقاط ضعف اعلامنا، التي علينا العمل كل من موقعه على تجاوزها، نذكر النقاط التالية:

** ليس هناك ارادة سياسية في اصلاح الاعلام العمومي وكل الحكومات التي جاءت بعد الثورة تنظر له كإعلام حكومي لا كإعلام عمومي أو مرفق عمومي يقدم خدمة بكل مهنية وموضوعية، لو تم اصلاح العمومي لتغير حال المشهد الاعلامي برمته، فالإعلام العمومي هو قاطرة اصلاح القطاع.

** غياب مؤسسات صحفية مهيكلة ومنظمة وهنا يستوي حال القطاعين العام والخاص، فأغلب الموجود هو مجرد “هياكل” تفتقد للتسيير الديمقراطي، كما تفتقد لوجود رؤية وتصور للعمل الاعلامي، وأهمها خط تحريري واضح ومعلوم.

** نقص فادح في تكوين الاعلاميين، مرده تراجع المؤسسات التعليمية الجامعية، فضلا نقص بل غياب كلي للتأطير في “المؤسسات” الاعلامية.

** في غياب “الوعي” و انتشار “الأمية السياسية” تحول التعاطي مع الشأن السياسي في “بلاتوهات تلفزاتنا” الى “بوز” و “عنتريات”، وضع نجم عنه نفور التونسيين من السياسة و السياسيين ونشر للإحباط المجتمعي.

ان المدخل لإصلاح السياسة، ولحسن ادارة الشأن العام، يمر عبر مزيد تفعيل هيئات التعديل ، من أجل فرض اعلام مهني، تقوده وتسيره كفاءات قادرة على فتح حوار وطني حول القضايا التي تشغل الناس، فلا يمكن تصور حياة سياسية حرة وديمقراطية،  دون اعلام مهني وحر و تنشطه كفاءات وغير خاضع لأي جهة، ولتكن البداية بالاعلام العمومي.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP