الجديد

حركة النهضة .. التحديات الكبيرة

المهدي عبد الجواد

في ظل تحولات إقليمية ودولية كبيرة، بدأت ملامحها في البروز، حيث تُشكّل تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالكشف على رسائل هيلاري كلينتون، إحدى مهندسات الربيع العربي، علامة على شروع الأمريكان في صياغة مرحلة جديدة في علاقة بالإسلام السياسي وبنشر الديمقراطية في المنطقة العربية.

وذلك في سياق مسارعة “الإمارات” الخليجية للتطبيع مع إسرائيل، فأي وجاهة وأية حاجة للديمقراطية وتحرّر الشعوب إذا كانت اللحظة “الما قبل – ديمقراطية” تُساعد على ضمان أمن إسرائيل وتُحافظ على تفوقها وعلى حالة الوهن العربي الرسمي والشعبي والحضاري؟.

كما ان اتفاقا بات وشيكا في ليبيا بين الفُرقاء المتقاتلين منذ سنة 2011، هذا علاوة على نُذُر أزمة سياسية بل وعسكرية في الحوض الشرقي للبحر المتوسط وفي منطقة آسيا الوسطى، تتورط فيها تُركيا رأس الإسلام السياسي وحاميته.

في ظل هذه الوضعيات شديدة التعقيد، يُلقي الداخل التونسي، حزبيا وسياسيا بظلاله على حركة النهضة، ويفرض عليها ضغوطات مُتزامنة، عليها التعامل معها في نفس اللحظة، مع ما يُرافق ذلك من مخاطر ومنزلقات.

  • النهضة داخليا… الخلافةُ

تعيش حركة النهضة إحدى “اخطر أزماتها”، ذلك توصيف سمير ديلو القيادي والنائب على حركة النهضة. توصيف لم يختلف فيه زبير الشهودي وعماد الحمامي ومحمد بن سالم، قيادات من رؤوس “المائة” التي بادرت برسالة أولى لرئيس الحركة وأردفتها بثانية لعموم القواعد النهضاوية. وبقطع النظر على مآلات هذا الحراك الداخلي في النهضة، فإن ذلك شكّل “ديناميكية ديمقراطية داخلية” مثلما صرّح بذلك راشد الغنوشي في بنزرت.

ثنائية “التصعيد/الاستسهال” ستظل المتحكمة في مسار الصراع الداخلي للحركة الى حين الحسم في مسالة خلافة الشيخ المؤسس وزعيم الجماعة راشد الغنوشي. فللغنوشي منزلته السياسية والتنظيمية والاعتبارية الرمزية، وله حضور طاغ على تاريخ النهضة، فلا مجال للحديث على تاريخ “التيار الإسلامي” في تونس بمعزل عنه. واليوم يبدو أن مستقبل هذا التيار مرتبط أيضا به.

ووسط تعالي أصوات تتحدث على “محيط الزعيم” وعلى نفوذ عائلي وعلى “قيادات ذات حظوة” مؤثرة على قرارات الرئيس، فإن موقع الغنوشي ومنزلته وقيمته الاعتبارية لم يمسّها “سوء” عند عموم مناضلي ومنتسبي الحركة.

فلا نعتقد أن رسالة المائة الأولى ولا حتى الثانية، ولا تصريحات بعض القيادات الاعلامية، ومنها من كان شديد “القُرب” من الزعيم مثل عماد الحمامي أو زبير الشهودي، لهم نفس “العُمق الفكري والوضوح النظري والصرامة السياسية” التي شملتها رسالة استقالة السيد عبد الحميد الجلاصي رجل التنظيم في الحركة.

إذ يبدو ان حركة النهضة تحوّلت تنظيميا إلى جهاز بيروقراطي كبير/ثقيل يصعب زعزعة هدوئه بسهولة. فحزب النهضة تجاوز هيكليا هذه المرحلة، وصار حزبا مرتبطا بالسلطة وبالدولة، وهو ما يجعله حزبا محافظا، ليس بالمعنى السياسي فهذا أمر بديهي، ولكن بالمعنى التنظيمي. فلا أحد في حركة النهضة من مساندي السيخ او من مناوئيه مستعد لخلخلة هذا البناء بشكل يجعله يخسر مكانته كحزب “سلطة”.

إن ما يجري اليوم من “تنابُز” في حركة النهضة، علامة على كونها غادرت فضاء “الجماعة الدينية” لتُصبح “جماعة دنيوية”. فالصراع فيها ليس حول الدين ومنزلته، ولا الإسلام وقيمه، ولا حول العبادات وتنظيم العمل العمومي ولا حول المعتقدات والشعائر والشريعة والحدود، إنه صراع حول السلطة. علاماته الصراع حول رئاسة وعضوية القائمات الانتخابية، وحول الترشيحات للمناصب الوزارية والتنفيذية والسياسية في الدولة وحول التّموقع في مؤسسات الحركة. والصراع اليوم ليس حول الموقف من راشد الغنوشي، فالجميع يتحركون في “جلبابه” فلا أحد يُنازعه مرتبته، بل حول خلافته، من سيملأ المكان الذي يحتله الشيخ عند شُغوره؟؟

ومن سيخلفه لن يخلف “جماعة دينية” أو “طريقة صوفية” بل سيرث حزبا سياسيا حاكما، له نوابه ووزراؤه وسفراؤه ومديريه، وله موقع يتصدر من خلاله المشهد السياسي التونسي داخليا ويضمن له إشعاعا دوليا.

ونحن نعتقد أن الشيخ الغنوشي، وبحُكم “حصاد العُمر” الطويل، هو الذي نجح في توفير ذلك، ولا نعتقد أنه سيتركُ الأمر دون توفير أقصى الضمانات لاستمرار الحركة وخاصة لاستمرار نهجه في الانفتاح على “القوى الديمقراطية” على قاعدة المصالحة الوطنية الشاملة، انفتاح له منافعه، ولكنه يظل منقوصا ومتعثّرا لغياب محاورين في مرتبة الباجي قائد السبسي في الجهة المقابلة.

  • النهضة والتموقع الداخلي… غياب الشريك

في اللحظة التي يُواجه في الغنوشي “تمرّد الابناء”، يتلذّذُ الخصوم السياسيون بذلك، بل يدفعون بوسائط مختلفة نحو تأجيج هذا الصراع ومُحاولة التأثير فيه أملا في “انفجار” مُحتمل للحركة. وبقطع النظر على وجاهة ذلك في إطار الصراعات السياسية والحزبية، فإن تفجّر النهضة سيكون له تأثيره على الوضع السياسي العام بالبلاد، تماما مثلما كان الأمر مع حركة نداء تونس، بل وأكثر.

نظريا تجد النهضة نفسها في كماشة متعددة الأسنان. بين عبير موسي التي لا تعترف بها وجوديا، وترفض الصراع السياسي معها مهدّدة بالحل “الامني” في صورة وصولها للسلطة، وائتلاف الكرامة الذي يُنازع النهضة الفضاء الإسلامي فيطرح سياسيا سلوكا بديلا، لا يقوم على التحاور والتفاوض ومنطق التوافق والمصالحة، بل على قاعدة الصدام والنفي الفاشي. بينهما يفقد الخطاب السياسي الواقعي للنهضة ولغيرها من القوى “الديمقراطية العقلانية” صداه.

وبدل الدفع بالصراع الداخلي في حركة النهضة نحو مزيد الانخراط في السياسي فان ضغط طرفي المعادلة “الدستوري الحرّ/ائتلاف الكرامة” يزيد في صُداع الحركة. ينضاف الى هذين الفصيلين اللاديمقراطين، تصريحات رئيس الدولة الغامضة والتي تستهدف بدورها كافة المنظومة بما في ذلك الدولة وتنظيمها ومؤسساتها.

بعيدا على هؤلاء يعجز الديمقراطيون، رغم كثرة المبادرات، على إبراز قوة وطنية وديمقراطية عقلانية قادرة على التقدم وخلق توازن مع حركة النهضة، توازن يحمي التجربة الديمقراطية ويدعمها بالحرص على الإصلاحات الضرورية الضامنة للنجاعة الاقتصادية، توازن يسمح بمزيد الضغط على النهضة لمواصلة رحلة الإصلاح الداخلي والمراجعات النظرية بما يقطع نهائيا مع تراث “الاتجاه الإسلامي”، ويدفع القوى الديمقراطية إلى مزيد الإيمان بالقيم الديمقراطية وحقوق الاختلاف داخل منظومة الدولة المدنية. ولكنه توازن عقلاني بين قوتين على أساس علاقات ثقة، تسمح لكل منهما بحلّ مسائله الداخلية بهدوء.

وفي ظل هذا الغياب تجد النهضة نفسها في مواجهة “الجهات الأربع” داخليا ومحليا، مع وزر برلمان منقسم وتحالفات هشّة، وحكومة تتحسّسُ طريقها للنجاح. حكومة ستُحسبُ في كل الحالات على حركة النهضة، بما يجعلها تتحمّل الثمن السياسي لفشلها، دون أن تتمتع بثمار نجاحها، فهي حكومة الكفاءات المستقلة التي عينها الرئيس.

 

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP