الجديد

حركة النهضة في مواجهة "اختبار" الحكم و "أزمة الثقة" مع النخب  

كتب: منذر بالضيافي
نهاية “توافق الشيخين”، وعودة ملف الاغتيالات السياسية، واتهام “جهاز سري” تابع لحركة “النهضة” بالتورط فيها، ونجاح الاسلاميين في “تحسين تموقعهم” في حكومة الشاهد 3، أعاد الجدل من جديد الجدل حول الخوف وعدم الثقة في الإسلاميين، وخاصة لدى الأحزاب اليسارية والعلمانية، والنخب القريبة أو المرتبطة بهم، وكذلك لدى “بعض بقايا النظام السابق”،  الذين يرون فيها – النهضة – تهديدا لمدنية الدولة، وللمكاسب المجتمعية التي تحققت خلال دولة الاستقلال، وهي مخاوف لم تنجح “النهضة” في الحد منها أو تبديدها بعد أكثر من سبع سنوات من عودتها للمشهد الساسي، اذ ما زال خصومها يرون أنها تعمل بالليل والنهار على “أسلمة” كل مفاصل الدولة، و لأجل ذلك تخطط للبقاء في السلطة.
هذا ما جعل الحياة السياسية تعيش على وقع مشهد يشبه “الرمال المتحركة”، وسمته الأساسية الانقسام والضبابية وتبادل الاتهامات فضلا عن خروج الصراع بين رأسي السلطة التنفيذية من “الصراع الصامت” الى “المواجهة المفتوحة”، الأمر الذي عمق الخوف من سيناريوهات المستقبل، التي تبقي مفتوحة على كل الاحتمالات، وذلك بالنظر الى ما تحمله –عادة- الفترات الانتقالية من مخاطر.
بعيدا عن حالة التجاذب والاستقطاب السياسي والإيديولوجي، يستبعد المراقبون للشأن التونسي حصول “ردة” في المسار الانتقالي الديمقراطي، في مرحلته التأسيسية ، برغم تراجع “الوفاق” وغياب أطر الحوار بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين. ويرجعون ذلك بالأساس الى وجود حركة اجتماعية وسياسية قوية جعلت من الديمقراطية “مطلبا اجتماعيا” والى الظرف الإقليمي والدولي المشجع والمناسب لحصول للتغيير الديمقراطي. وبرغم أهمية البعد الخارجي، تبقى تطورات المشهد السياسي رهينة تطورات داخلية في المقام الأول، ومتوقفة على احياء “توافق عقلاني” بين النهضة وخصومها، كشرط لتجسير الفجوة بين الطرفين.
فك الارتباط بين “الشيخين”، والعودة ل “احياء” الصراع “التاريخي” بين الاسلاميين واليساريين، أعاد المشهد السياسي الى أجواء 2013، حيث استطاع تحالف الأطراف المعارضة للإسلاميين “إحراج” النهضة، بفضل قدرتها على التعبئة في صفوف المجتمع المدني وفي الإعلام، وقدرتها أيضا على “تصيد” أخطاء الإسلاميين الذين يفتقدون إلى الخبرة والتجربة في إدارة الشأن العام، فضلا عن كون قطاه مهم منهم ما زال مشدودا لحلم البدايات.
لذلك نرى، بأن التحديات التي تواجه حركة النهضة كثيرة ومتنوعة، وهي امتحان و”محنة” بالمفهوم الاسلامي،  لمعرفة مدي خلو خطابها من وعظ الناس إلى تقديم حلول لمشكلاتهم الاجتماعية والأمنية، وابتعادها عن تكرار الأخطاء التي انزلقت إليها التجارب الإسلامية الحديثة في الحكم، حيث انقلبت على الديمقراطية وأسست لاستبداد باسم الدين. وهي أيضا مطالبة بالعمل أكثر على “تأطير” الساحة الإسلامية، من أجل محاصرة مظاهر التشدد داخل التيارات  الإسلامية وخاصة السلفية منها.
كما تبين من خلال مرحلة ما بعد الثورة ونحن على أبواب احياء الذكرى الثامنة، أن وصول حزب إسلامي للمشاركة في الحكم في تونس ، مثل وما يزال يمثل “مفاجئة” و “صدمة” بالنظر لحركة التحديث الشاملة التي عرفتها البلاد بقيادة الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة. على أن العديد من الدراسات التي تناولت بالبحث الحركة الإسلامية في تونس، تلتقي عند التأكيد على خصوصياتها بالمقارنة مع تجارب أخري. وهي خصوصية استمدتها من بيئتها الوطنية. ومن خصوصية الواقع التونسي نفسه ومدى تغلغل أفكار التحديث فيه، ومن خصوصية علاقتها بالغرب، القائمة على القرب وشدة التأثر الثقافي.
و هذا ما جعل بعض الملاحظين وخاصة من الدارسين لتجربة الحركة الإسلامية في تونس، يراهنون على قدرة الغنوشي ورفاقه على استيعاب وادراك خصوصيات المجتمع التونسي، وتفاعلهم الايجابي مع ما تحقق من لبنات أسست لانتقال ديمقراطي، يقوم على التعددية والتداول على السلطة والإقرار بمدنية الدولة، وهنا تجد الحركة نفسها أمام امتحان كبير بعد مبادرة الرئيس قايد السبسي حول المساواة في الميراث. وإذا لم يحصل التفاعل الايجابي، في هذه المرحلة، فان “الإسلامية السياسية” ستكون ظاهرة عابرة في التاريخ التونسي، نظرا لقوة وتجذر التجربة التحديثية.
إن التحديات التي يمكن امتحان النهضة فيها ليست سياسية، حيث من المستبعد بل من المستحيل أن تتنكر للخيار الديمقراطي التعددى، وللتداول على السلطة عبر الانتخابات، فليس أمامها خيار أخر. بل أن التحدي الرئيسي الذي واجه ويواجه النهضة وحركات الإسلام السياسي، لا في تونس فقط بل في العالم العربي، يتمثل في السياسة الاقتصادية والاجتماعية. وقد طرح مشكل “البرنامج” بقوة بعد وصول النهضة للحكم، فهي مطالبة بتقديم برنامج عملي لبلد يعاني من تحديات عديدة وأمامه تحقيق استحقاقات ثورة. ما طرح التساؤل عن مدى قدرة حزب حركة النهضة، على إحداث قطيعة مع المشاريع السياسية السابقة. وبرز من خلال أداء النهضة الى حد الان، أن الاسلاميين يبدون أكثر فأكثر يمثلون حزب الاستمرارية لا القطيعة.
برغم بعض مظاهر “الليونة” التي تعامل بها الإسلاميون قبل وبعد  وأثناء ممارسة الحكم، فان أزمة الثقة ما تزال تميز علاقاتهم بالعديد من قوي المجتمع وخاصة النخب. ما يجعلهم مطالبون بتفنيد كل “التخوفات”، عبر التعاطي بإيجابية وبتفاعل عقلاني مع المجتمع التونسي، من خلال الانتصار إلى “إسلام تونسي” يأخذ في المقام الأول خصوصية التجربة التحديثية التونسية التي تعود إلى حركة الإصلاح في القرن التاسع عشر وتعد دولة الاستقلال استمرار لها.
وكذلك العمل من أجل التأسيس لتوافق بين هوية المجتمع و علمانية الدولة، و الابتعاد عن الأخطاء القاتلة التي طبعت تجارب حكم الإسلاميين ولعل الضمانة في عدم الوقوع في مثل هذه التجارب، تكمن في كون المجتمع التونسي له من الحصانة ما يجعله قادرا على حماية مكاسبه. وبالتالي التأكيد على أن النهضة تطورت ضمن السياق التاريخي والاجتماعي التونسي، ما أدي الى “تونسة” النهضة لا “أسلمة” تونس.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP