الجديد

حركة 18 أكتوبر 2005 ( شهادة تاريخية)

د. عبد المجيد مسلمي*

بمناسبة ذكرى حركة 18 أكتوبر 2005 نعيد نشر نص لعضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي التقدمي الدكتور عبد المجيد المسلمي الذي قام بمهام  عضو اللجنة الطبية للإضراب عن الطعام، مقال مطول نشر في الذكرى السابعة للاضراب الذي تحول الى حركة تطالب بالحريات والديمقراطية، وشكلت “كتلة تاريخية” لمقاومة النظام التسلطي أنذاك.

بعد أيام تحل الذكرى السابعة لحركة 18 أكتوبر 2005 و التي تمثلت في إضراب عن الطعام لمدة تزيد عن الشهر خاضته 8 شخصيات وطنية .بمناسبة انعقاد قمة مجتمع المعلومات في تونس . و لا جدال بأن حركة 18 أكتوبر مثلت محطة نضالية هامة ضد النظام البائد. و لكن أبرز مظاهرها تمثل في توحيد أطياف عديدة من المعارضة و بصورة خاصة الإسلاميين من جهة و الديمقراطيين من جهة أخرى في حركة نضالية موحدة ضد الديكتاتورية.

تحالف الديمقراطيين و الإسلاميين

لقد سعى النظام البائد و لمدة سنوات إلى عزل الإسلاميين عن المعارضة الديمقراطية ساعيا إلى الإنفراد بهم بالقمع خاصة و بالتفاوض تارة أخرى. لذاك مثلت ضرورة توحيد جناحي المعارضة التونسية أي الجناح الديمقراطي من جهة و الجناح الإسلامي من جهة أخرى الهاجس الرئيسي للسيد أحمد نجيب الشابي منذ سنة 2000 معتبرا أن دحر الديكتاتورية غير ممكن بدون تجميع و تكتيل أوسع ما أمكن من القوى المعارضة ضدها .

تذكيرا بأن الشابي قطع مع النظام السابق منذ بداية التسعينات و دخل في مواجهة ضده رافضا لسياسة القمع و الاستئصال التي انتهجها النظام السابق ضد الإسلاميين. لذلك صاغ الشابي وثيقة هامة بتاريخ 8 فيفيري 2005 و قدمها إعدادا لأشغال للمجلس الوطني للحزب الديمقراطي التقدمي المنعقد في ذلك التاريخ و هي تعد وثيقة تاريخية و مرجعا في الفكر السياسي التونسي في عهد الديكتاتورية.

ففي تلك الوثيقة المرجعية قيم الشابي أداء المعارضة في انتخابات 2004 و شخص نقائصها كما طور نظرية القطيعة الديمقراطية مع النظام التي تبناها المؤتمر السادس للحزب فيما بعد كما طرح البرنامج السياسي للمعارضة و اقترح تصورا لإستراتيجيا لتحركها على الصعيد الدولي إلا أن ما ميز تلك الوثيقة هو دعوته الصريحة إلى وحدة المعارضة و بصورة خاصة توحيد المعارضة الديمقراطية و الإسلامية في مواجهة النظام حيث كتب في تلك الوثيقة ” مثلت مسألة العلاقة بين الإسلاميين و الديمقراطيين نقطة خلاف…..و غني عن القول بأن احترابا كهذا سبب اضطرابا كبيرا داخل المعارضة…و استفاد منه الحكم كثيرا…مشددا على ضرورة حوار مفتوح بين كل مكونات الحركة الفكرية و السياسية التونسية بهدف التوصل إلى بلورة توافق عريض حول الديمقراطية و اصطفاف قوى التغيير الديمقراطي على قاعدة ميثاق شرف تجمع عليه قوى التغيير و تتعاون على إنجازه”.

مكتب العياشي: قاعة العمليات و مقر الإضراب

لذلك و عندما التقيت بالسيد أحمد نجيب الشابي في مكتبه يوم 17 أكتوبر ليعلمنى بالإضراب عن الطعام و يكلفني بالمتابعة الصحية للمضربين و التغطية الإعلامية لحالتهم الصحية ( باعتباري طبيبا و مناضلا في الحزب) …لم أكن مستغربا..فالفكرة كانت تخالج السيد الشابي و تطبخ على نار هادئة منذ فترة. لذلك لعب دورا مركزيا و تاريخيا في تجميع لفيف من الشخصيات الوطنية من مشارب مختلفة في حركة احتجاجية سلمية ضد النظام ساعده في ذلك علاقته المتينة مع الإسلاميين وأيضا مع جميع الأطياف السياسية كما ساعده الدور الذي كان يلعبه شخصيا و يلعبه الحزب الديمقراطي التقدمي في النضال ضد النظام في تلك الفترة و توجهه نحو توحيد كل الطاقات الوطنية ضد الديكتاتورية.

و قد تم اختيار الشكل ( الإضراب عن الطعام) و الموعد الموافق لإنعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات و الحال أن أنظار العالم كانت كلها متجهة إلى تونس في تلك المناسبة. كما تم الاختيار على مكتب المحاماة للأستاذ العياشي الهمامي الواقع في ساحة جان جوريس بالعاصمة و بدأت أشغال التهيئة للمقر في سرية تامة حتى يتسع للمقيمين الثمانية لمدة أيام طويلة. أحس البوليس السياسي – الذي شم بحاسته الأمنية- أن الجماعة يدبرون أمرا بليل ما و أن نشاطا ما ستقوم به قوى المعارضة يوم انطلاق قمة المعلومات. و قد ذهب في ظنه أن ندوة صحفية ستعقد بمقر الحزب الديمقراطي التقدمي .

لذلك تمت محاصرته بالكامل منذ الصباح الباكر و تم منع الدخول إليه و بات البوليس يراقبون خطى قادة الحزب الديمقراطي التقدمي و يقتفون أثرهم بحثا عن ضالتهم. إلا أن البوليس اخطأ الهدف..فالمضربون عن الطعام باتوا ليلتهم بمكتب العياشي الهمامي و بدؤا بعقد ندوة صحفية يوم 18 أكتوبر على الساعة العاشرة صباحا حيث التحقت بهم جموع من نشطاء الحركة الديمقراطية. تم الإعلان عن دخول 8 شخصيات وطنية إضرابا لا نهائيا عن الطعام و هم السادة أحمد نجيب الشابي ( الحزب الديمقراطي التقدمي) و حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم حزب العمال الشيوعي التونسي و سمير ديلو عن حركة النهضة و العياشي الهمامي المناضل الحقوقي و السياسي و محمد النوري الناشط الإسلامي و رئيس جمعية المساجين السياسيين و لطفي الحجي مراسل قناة الجزيرة الممنوع من العمل و عبد الرؤوف العيادي نائب رئيس حزب المؤتمر و مختار اليحياوي القاضي المستقل و الذي تم عزله لمعارضته نظام بن علي.

قرأ المضربون بيان 18 أكتوبر المتضمن للمطالب الثلاثة المعروفة: إطلاق سراح المساجين و العفو العام و حرية الإعلام و حرية التنظم الجمعياتي و الحزبي و أعلنوا الدخول في إضراب عن الطعام. جن جنون البوليس الذي عجز عن اكتشاف الخطة فاندلعت المواجهات بين البوليس الذي حاصر مقر الإضراب و منع الدخول إليه و بين الناشطين الذين أصروا على الدخول إلى المضربين. فأسقطت مية الجريبي على الأرض و تم سحل منجي اللوز على الأرض و تم الإعتداء على عصام الشابي و أصيب رفاق اخرون …أحاط عشرات أعوان البوليس بالمقر و منعوا الدخول و عزلوا المضربين في مكتب العياشي الهمامي..تنادت الحركة الديمقراطية إلى مؤتمر صحفي في مقر الديمقراطي التقدمي أعلنوا فيه عن بدإ الإضراب عن الطعام و نددوا بعزل المضربين و محاصرتهم و منع الزيارة عنهم و أطلقوا حملة مساندة وطنية و دولية التفاف شعبي منقطع النظير.

كان الخبر قد شاع و تحدثت قناة الجزيرة عن الإضراب. قررنا في اللجنة الطبية أن نزور المضربين لللإطمئنان على صحتهم .و عندما وصلت العاصمة قادما من سوسة على الساعة الثالثة بعد الظهر…كان شهر رمضان الكريم في أيامه الأولى وقد بدأت شوارع العاصمة تفرغ شيئا فشيئا..التحقت بمقر الحزب حيث كانت القيادة في حالة انعقاد دائم…و جدت الدكتور فتحي التوزري و الدكتور خليل الزاوية و شكلنا نحن الثلاثة اللجنة الطبية لمتابعة صحة المضربين. و رغم الحصار المضروب عليهم قررنا التوجه إلى المقر..و ما إن حلت سيارتنا بساحة جان جوريس و فور ما تعرف علينا أعوان البوليس المتجمعين في الساحة و هم يحاصرون المقر حتى هجموا علينا بشراسة و عنفونا..

و لم تفلح ميدعاتنا البيضاء الطبية و توضيحاتنا بأننا أطباء قدمنا لإسعاف المضربين عن إثنائهم…فتم ترحيلنا بقسوة و عنف قضى المضروبين ليلتهم معزولين تحت الحراسة المشددة لا يمكن الاتصال بهم إلا بالهاتف..و خلال السهرية الرمضانية عج مقر الحزب الديمقراطي التقدمي – الذي لعب دور العمق الإستراتيجيي لمقر الإضراب- بالمناضلين و المساندين من كل حدب و صوب..و بدأت المقاومة تتشكل حول المضربين..

و من الغد زار ممثل السفارة البريطانية على الساعة العاشرة مقر المضربين….لم يكن بمقدور النظام الجبان أن يمنعه من ذلك…و استغل عشرات الناشطين الذين تجمعوا منذ الصباح الباكر بساحة جان جوريس دخول السفير فدخلوا وراءه و كسروا الحصار و التحقوا بالمضربين في أجواء فرح عارمة تخللها العناق و التهليل و التكبير و رفع النشيد الوطني و الشعارات المنادية بالحرية….و منذ ذلك الحين و لمدة ما يقارب الشهر الذي استغرقه الإضراب تدفق الآلاف من الزائرين و المساندين من كل حدب و صوب ( بمعدل 300 شخص تقريبا كل يوم) و من كل الجهات.

و فور بدء الإضراب تشكلت هيئة وطنية واسعة للمساندة بتركيبة جامعة منقطعة النظير من جميع ألوان الطيف السياسي تضم ما يقارب 100 شخصية تترأسها السيدة سناء بن عاشور و من بين أعضائها المرحوم محمد حرمل و مصطفى بن جعفر و مختار الطريفي و البشير الصيد و نورالدين البحيري…فحتى الذين اعتذروا عن المشاركة في الإضراب أصبحوا أعضاء في هيئة المساندة .

كما تشكلت لجان 18 أكتوبر في كل الجهات و احتضنت مقرات الحزب الديمقراطي التقدمي اغلبها و نفذ عديد الناشطين في اغلب الجهات إضرابات رمزية مساندة و انطلقت مظاهرات متقطعة سرعان ما تتجمع بعد أن يفرقها البوليس….كانت حقا محطة نضالية رائعة على درب النضال ضد نظام الفساد و الاستبداد. تواصل الإضراب لكثر من 30 يوما و تعكرت خلالها صحة العديد منهم بالرغم من مجهود اللجنة الطبية التي توسعت لتشمل عديد الأطباء و الممرضين مما استوجب نقلهم إلى المصحات و المستشفيات. وانتهي الإضراب في أجواء احتفالية حضرتها الناشطة الحقوقية الإيرانية شيرين عبادي و تواعدت المعارضة على المضي قدما في توحيد صفوفها ضد الديكتاتورية.

هيئة 18 أكتوبر: بداية و نهاية

بعد بضعة أسابيع من انتهاء الإضراب عن الطعام تشكلت هيئة 18 أكتوبر للحقوق و الحريات و ضمت عديد الأطياف السياسية المعارضة من إسلاميين و ديمقراطيين و يساريين و ليبراليين: الحزب الديمقراطي التقدمي و التكتل و النهضة و المؤتمر و القوميين و حزب العمال الشيوعي التونسي و مستقلين بارزين مثل العياشي الهمامي و لطفي حجي……

تشكلت هيئة مركزية وطنية و سعت دون نجاح كبير إلى تشكيل فروع جهوية لها. فقد تصدى لها النظام و حجر كل نشاط يتم تحت يافطة 18 أكتوبر…تناوبت الاجتماعات بين مقري حزب التكتل و الحزب الديمقراطي التقدمي و عمات السلطة في كل مرة إلى منع الدخول للإجتماعات على الشخصيات الوطنية…حاولت الحركة تنظيم تجمعات و مسيرات شعبية و وقفات احتجاجية ( أمام مقر التلفزة) رغم إفشالها من طرف النظام بترسانة هائلة من أعوان الأمن إلا أن وقعها الإعلامي و الشعبي كان كبيرا…

انكبت الأطراف المشكلة لتحالف 18 أكتوبر على صياغة وثائق العهد الديمقراطي و الذي من المفترض أ يمثل القواسم المجتمعية المشتركة التي سينبني عليها مشروع المجتمع الديمقراطي في تونس. و توصلت الهيئة إلى صياغة 3 نصوص رئيسية تتعلق بحقوق المرأة و الحرمة الجسدية و مدنية الدولة و تم إصدارها في كتاب عهد 18 أكتوبر للحقوق و الحريات…انحسر نشاط هيئة 18 أكتوبر تدريجيا بفعل القمع و المنع و التعسف من جهة و بحكم انسداد الأفق و الخلافات التي كانت تشتعل بين مكوناتها. و عندما حل الموعد الانتخابي في أكتوبر 2009 أي بعد 4 سنوات من تشكل الهيئة عصفت الخلافات السياسية حول الاستحقاق الانتخابي بمكونات الهيئة فضعفت تدريجيا و تلاشت بالرغم و أنه لم يصدر قرار بحلها….إلى أن حلت ثورة الحرية و الكرامة…


عبد المجيد المسلمي

عضو اللجنة الطبية للإضراب عن الطعام – عضو المكتب السياسي

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP