الجديد

خارطة طريق لحماية الانتقال الديمقراطي

منذر بالضيافي

بعيدا عن نظرية المؤامرة، خصوصا وأن قناعتي أن البيوت لا تؤتى الا من الداخل، أقدر أن التجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي ، تواجه مخاطر خارجية وانحرافات داخلية قد تحكم عليها بالفشل والانهيار.

فمن خلال متابعة مسار التجربة، ومحيطها الداخلي وتحديدا الفاعلين الرئيسيين فيها، وكذلك ما يترصدها من مخاطر خارجية، في اقليم تغلب عليه مظاهر عدم الاستقرار، في علاقة بمخاطر الأزمة الليبية، واستمرار التهديدات الارهابية، فضلا عن تردي الأوضاع الاقتصادية، التي ازدادت سوءا بسبب وباء الكورونا، الذي يقدر أن تخسر معه تونس 7 نقاط نمو، بما يعنيه ذلك من انتشار للبطالة وفقدان مواطن الشغل، وانهيار قطاعات اساسية في الاقتصاد الوطني على غرار القطاع السياحي.

كما أن نتائج الاستحقاق الانتخابي الأخير، سواء في بعده الرئاسي الذي أتى برئيس من خارج المنظومة السياسية التقليدية، يتسم بالغموض ويصنف ضمن دائرة “التيار الشعبوي”، تأكد من خلال أدائه صعوبة الانسجام مع بقية مكونات الحقل السياسي، سواء في الحكم أو في المعارضة، كما أنه يفتقد لبرنامج ورؤية في ادارة البلاد، وفي التعاطي مع العالم، ربما هذا ما جعل علاقاتنا الدبلوماسية تعيش حالة من “العزلة” الغير مسبوقة في تاريخ تونس الحديث.

أما الاستحقاق التشريعي، فانه بدوره نجم عنه برلمان تركيبته فسيفسائية، على خلاف برلمان 2014- 2019 الذي تميز بوجود قطبين رئيسيين (التيار الوطني / الدستوري ممثلا في “نداء تونس” و التيار الاسلامي ممثلا في “حركة النهضة”)، جعل “التعايش” الذي تحول الى “توافق” ممكنا، خصوصا بفضل حكمة الرئيس الراحل الذي راهن على خيار “ادماج” التيار الاسلامي، لا اقصائه.

وهو وضع مختلف الان، اذ أن انتخابات 2019 التشريعية، كما اشرنا جاءت ببرلمان بلا اغلبية واضحة، ما أثر على تشكيل الحكومة وجعل الائتلاف الحكومي الذي ولد بصعوبة، غير قادر على ضمان “التعايش” و “الانسجام” بين مكوناته، وهو ما أقر به رئيس الحكومة الياس الفخفاخ، وضع لا يمكن أن يستمر ولابد من التفكير من الان في اعادة هيكلة الحكومة، عبر توسيع تركيبتها السياسية وجعلها أقرب الى مطلب حكومة الوحدة الوطنية، الذي أصبح ضرورة لمجابهة تحديات ما بعد الكورونا (كوفيد- 19).

ان إدراك السياسة يجب أن ينظر لها كنشاط إنساني يحاصرنا في كل نواحي تفاصيل حياتنا، من هنا فإن ابسط تعريف للسياسة هي كونها :”كيفية إمكان العيش معا”. والتعايش يفترض حسن إدارة الخلافات والتناقضات، بعيدا عن الإقصاء أو دعوات للاستئصال، وهذا مهم في وضع بلادنا تونس الحالي، التي تمر بمرحلة انتقالية صعبة بل مؤلمة بالنظر لضعف المنجز الاقتصادي والاجتماعي و “هشاشة” المنجز السياسي، وضع لا يمكن تجاوزه الا عبر تدشين عقد تعايش بين كافة مكونات الساحة السياسية.

بالمناسبة، نشير الى أن تجاوز “هشاشة” هذا الوضع في كليته والمخاطر التي تستهدف التجربة، يجعلنا نشدد على أن استمرارها يبقي رهين العوامل التالية:

**  إدماج وتأطير حركات الاسلام السياسي المعتدلة في الحياة السياسية وفي الحكم، فالصراع مع الاسلام السياسي اثبتت التجربة انه ينهك المجتمع ويضعف الدولة.

** دعم التوافق والتعايش بين التيارات الرئيسية، وهي الاسلامية واليسارية والدستورية والقومية.

**  التمسك بحرية الراي والتعبير والاعلام فلا ديمقراطية دون اعلام حر ومهني.

**  استيعاب وتفهم اكراهات المرحلة الانتقالية برغم حالة التذمر بعد الانهيار الاقتصادي وما سيصاحبه من حراك احتجاجي نتيجة شيوع التفاوت الطبقي والجهوي واستمرار تهميش المهمش.

**   مقاومة الفساد لذي تحول الى ظاهرة تنخر المجتمع ومؤسسات الدولة وتهدد بإيقاف المسار برمته.

** الانتباه الى الفوضى الاقليمية والمحيط العربي المعادي لفكرة الديمقراطية، وهو ما يفرض النأي بأنفسنا عن سياسة المحاور، التي ترهن القرار الوطني.

**  العمل على بناء احزاب سياسية ديمقراطية مهيكلة، ولها تصورات وبرامج وغير خاضعة ل “الزبونية” وصراعات التموقع والحرب حول السلطة.

** الاقتناع بانه لا سبيل لإعادة انتاج سلطة الحزب الواحد والدولة السلطوية التي تهيمن وتخضع فعاليات المجتمع وتفرض “دولنة المجتمع”، وفق عبارة عالم الاجتماع عبد الباقي الهرماسي.

** ضرورة الاسراع بالقطع مع منوال التنمية الذي يمثل استمراره تعطيل للعدالة الاجتماعية وللنمو الاقتصادي ولمراكمة الثورة، والاقتناع بان ما حصل خلال سنوات ما بعد الثورة هو استمرار لا قطيعة.

** فتح حوار وطني كبير من اجل القطيعة مع الاسباب التي قامت عليها ثورة جانفي 2011.

دون تحقيق ما سبق وان اشرنا اليه ، بوصفه يمثل أسس لخارطة طريق لحماية مسار الانتقال الديمقراطي، و لإعادة الثقة بين النخب الحاكمة والمجتمع، فضلا عن كونه سيمهد لتجسير الفجوة بين الطرفين ( الحاكم والمحكوم).

دون تحقيق هذه “الخارطة” فان تونس ستكون مقدمة على توترات سياسية، ستتغذى أكثر من الأزمة الاقتصادية وما سيترتب عنها من مشاكل اجتماعية قد تصل حد الانفجار الاجتماعي، التي لو ارتفع منسوبها ستهدد وحدة الجميع واستمرار الدولة التي ضعفت مؤسساتها.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP