الجديد

خاص//عالم الاجتماع رضا بوكراع: “الكورونا (Covid 19) .. ظاهرة اجتماعيّة كليّة”  

 يعتبر الباحث في علم الاجتماع رضا بوكراع أن “جائحة الكورونا (Covid 19) ظاهرة اجتماعية كليّة تتصل “بالمعرفة والسلطة والمجتمع”، أي أنها “ظاهرة اجتماعيّة كليّة أي أنّها تختزل جميع مستويات البناء الاجتماعي”.

 في ما يلي نص الدراسة:

 

رضا بوكراع

العلاقة البنيويّة بين المعرفة والسلطة والمجتمع

يمكن قراءة هذه العلاقة البنيويّة حسب ثلاثة محاور :

1- إنّ السّلطة تحكم المجتمع اعتمادا على المعرفة.

والمعرفة تتعلّق بالمجتمع ذاته ويتفاعل المجتمع مع محيطه الطبيعي فالحاكم يحكم المجتمع وهو عارف به وبقدر سداد معرفة الحاكم للمجتمع بقدر ما يكون سداد حكمه له.

2- هذه العلاقة البنيويّة بين السلطة والمجتمع والمعرفة تتغيّر وتختلف بتغيّر واختلاف السّياق التّاريخي.

3- هذه العلاقة البنيويّة تبرز بحدّة وبصفة جليّة في الأزمات الحادّة التي تجابه المجتمع كالحروب والجائحات الطبيعية و الجائحات الوبائيّة.

والأزمة crise تعني باللغة اليونانية القديمة قرار décision والقرار يتخذه الحاكم عن معرفة ودراية.

والقرار يكشف مدى صحّة معرفة الحاكم ومدى سيطرته على المجتمع في تنفيذه للقرار ومدى تحكّمه في الأزمة ومدى قدرته علي إيجاد الحلول لها.

وفيروس الكورونا المستجد ولد مجهولا في تركيبته الجينيّة وفي طبيعة مضاعفاته المرضية وكيفية وسرعة انتشاره.

والجهل بالكرونا هو الذي أدّى إلى تردّد وتأخّر الحاكم في معظم البلدان لاتّخاذ الإجراءات الضروريّة لمجابهته. ولكن معرفة الكرونا تقدّمت شيئا فشيئا فاكتشفت تركيبته الجينيّة واكتشفت آليات الإجابة المناعيّة لجسد البشر حسب الفئات العمريّة.

واٌكتشف أنّ الأطفال لهم مناعة متقاطعة تحميهم من الفيروس ولا تجعل منهم أعوانا لنشره عند الكهول خلافا لما قيس عليه في الجائحات السّابقة. (SRAS وMERS)

وخاصيّة الكورونا أنّها جائحة وليس للإنسانيّة لها لا دواء ولا لقاح، أي أنّ الإنسانيّة في القرن الواحد والعشرين رجعت إلى القرون الوسطى، عصر ابن خلدون وابن الخطيب وإلى العهود القديمة عصر Thucydide وإلى الحلّ الذي انتهت إليه الإنسانيّة آنذاك وهو العزل والانعزال والهروب الجسدي أي إلى حلّ اجتماعي يتمثّل في سلوك وتنظيم اجتماعي وبما أنّ جوهر الجائحة اجتماعي كما يدلّ عليها الأصل اللّغوي بكلمة épidémie – épi = انتشار وdemos = الشعب فهي مرض ينتشر في الشعب أي المجموعة أي الاجتماع أي المجتمع حسب تطوّر المفهوم من القديم إلى الحديث.

وبما أنّ المجموعة مكوّنة من عدد من الأفراد فهي مجموعة عدديّة تخضع إلى قانون الأرقام الكبرى فمنطق اشتغال المجموعة ومسار انتشار الظاهرة المرضيّة فيها هو منطق إحصائي رياضي يتشكل في منحني نرجسي وépidémiologie علم الوباء مُتركّب من logos = العقل الذي يُسلّط على انتشار الظاهرة في الشعب = démos والعقل هنا هو العقل الرّقمي وعلى هذا الأساس فالظاهرة الجائحيّة تصبح ظاهرة اجتماعيّة وépidemilogie تساوي sociologie في حالة انعدام الدّواء واللّقاح وتتحوّل في الآن ذاته إلى ظاهرة اجتماعيّة كليّة.

فالكورونا هي جائحة كاشفة لاشتغال المجتمع في تناقضاته وفي مستوياته المختلفة كبناء اجتماعي، من بنية تحتيّة، ومؤسسات سياسيّة وقيم ومعايير دينيّة وأخلاقيّة وتصوّرات فنيّة وهناك ثلاث مرجعيات تلقى الضّوء على هذا الاشتغال.

1- مرجعيّة ابن خلدون وابن الخطيب وThucydide.

2- مرجعيّة Mauss ومقول الظاهرة الكليّة

3- مرجعيّة النيوليبراليّة ومرحعيّة Bauman المنظّرة لما بعد الحداثة

 

1) مرجعيّة ابن خلدون وابن الخطيب وThucydide :

من غير المتداول أنّ ابن خلدون عايش وفكّر في الظاهرة الوبائيّة التي اندلعت 1348 ومن المفارقات المعرفيّة cognitive أنّ الوباء كظاهرة سلبيّة مُدمّرة للبشر هو الذي أدّى بابن خلدون إلى اكتشاف الظّاهرة التي يقضي عليها الوباء وهي العمران فلولا الوباء لما اكتشف ابن خلدون مقولة العمران ولما انتهى إلى علاقة العمران بالدّولة وسلطة الدّولة التي يسميها ابن خلدون بالشوكة ولما انتهى ابن خلدون إلى صياغة معادلاته الشهيرة القائلة بأنّ الوباء يقضي على العمران وبقضائه على العمران يقضي على الدّولة كما أنّ خراب الدّولة يؤدّي إلى خراب العمران، فالعمران يترجم تارة بالحضارة civilisation وتارة بالتّعمير الدّيمغرافي peuplement أو السّكني ولكن مهما كان الأمر فالعمران عند ابن خلدون يتجسّم ويتبلور في المدينة التي فيها تتمركز السّلطة وتتراكم القيم المجتمعيّة الاقتصاديّة والفكريّة والفنيّة وترتقي الكثافة السكانيّة إلى مستوى الحضارة الإنسانيّة.

وهذا الكيان السكاني بكثافته وبانغلاقه بين الأسوار يشكل حقلا خصبا لانتشار الوباء الذي قضى على عدّة حضارات في العالم، ولكن لا نجد عند ابن خلدون تعريفا علميّا لظاهرة الوباء كما نجد ذلك عند ابن الخطيب الغرناطي.

ومعرفة الوباء في القرون الوسطى معرفة أسطوريّة خرافيّة دينيّة تعكس في التصوّرات عقابا إلاهيّا لذنوب اجتماعيّة.

وممّا يثير الإعجاب والتعجّب أن يكشف ابن الخطيب في القرن الرّابع عشر الآليّة العلميّة التي تشتغل في الوباء وهي آلية العدوى Contagion وهو بذلك يحوّل المعرفة الأسطوريّة إلى معرفة علميّة لأنّه يخضع السّيبيّة غير المرئيّة للانتشار المرضي إلى الاتصال والتفاعل بين الأفراد في المجموعة فالمرض لا يسقط من السّماء إنّما السّبب فيه هو الاتّصال البشري وبذلك فما هو غير مرئي ليس بالضّرورة أسطوري إنّما هو علمي.

وقد اصطدم اكتشاف ابن الخطيب بمعارضة دينيّة اعتمدت على حديث يبقى وجود العدوى لأنّها كانت ومازالت مرتبطة بالسّحر الذي يكون فعله غيبي وغير مرئي.

أمّا Thucydide فهو يستعمل لوصف الجائحة التي أصابت أثينا بين 430 و426 قبل المسيح المقولة الوصفيّة المتمثّلة في الاضطراب الأخلاقي للعلاقات الاجتماعيّة إذ في هذا الوضع الوبائي نرى سلوكات غريبة تكشف عن انهيار البناء الاجتماعي فتكثر الأموات والأطباء يرفضون علاج المرضى، والحكام يتخلّون عن الحكم والمواطنون يتنكّرون لعلاقات الصّداقة والتضامن التي كانت رابطة لهم ويفقدون مشاعر الاحترام للآلهة ويدفنون أمواتهم بدون طقوس وذلك ما شاهدناه في جائحة الكرونا في Equator وفي إيطاليا.

2) مرجعيّة Mauss والظاهرة الاجتماعيّة الكليّة :

لا يمكن أن نطالب ابن خلدون بالارتقاء بمقولته الوصفيّة العمران إلى مستوى المقولة المجرّدة المتمثّلة في المجتمع كما ارتأى طه حسين في الأطروحة التي أنجزها تحت إشراف دوركايم إلى مستوى مقولة anomie الدّوركايميّة ولكن الظاهرة الاجتماعيّة التي صاغها Mauss في اتّجاه دوركايمي تكشف عن نفسها بدون صياغة تنظيريّة مسبّقة فانهيار العمران كبناء اجتماعي نتيجة تأثير الوباء ذلك ما نجده عند ابن خلدون في العلاقة التي ربط بها خراب الدّولة بخراب العمران والعكس بالعكس كما نجدها عند Thucydide في اضطراب الأخلاق، فالظاهرة الاجتماعية الكليّة هي منهجيّة نظريّة وواقع يحكي نفسه وهذا الواقع نجده عند ابن خلدون حاكيا لذاته والمنهجيّة النظريّة تتمثّل في أنّ الظاهرة الاجتماعيّة تكشف اشتغال النّظام الاجتماعي بصفته كائنا اجتماعيا كليّا.

كما لا يمكن أن نطالب Thucydide أن يرتقي بمقولته الوصفيّة بالاضطراب الأخلاقي إلى مستوى مقولة anomie  الدّوركيميّة واعتمادا على Marcel Mauss يمكن اعتبار جائحة الكورونا ظاهرة اجتماعيّة كليّة أي أنّها تختزل جميع مستويات البناء الاجتماعي.

ويمكن تفكيك المعرفة إلى معرفة علميّة ومعرفة أسطوريّة ومعرفة فنيّة ورمزيّة ومعرفة دينيّة.

ويمكن تفكيك السّلطة إلى مؤسّسات سياسيّة وقوانين وأجهزة ردعيّة ويمكن تفكيك المجتمع إلى طبقات وشرائح وفئات ووظائف اقتصاديّة وكيان وطني وتوزيع جغرافي ومناطق حدوديّة.

وفي جائحة الكرونة تهتز هذه المستويات وتتفاعل وتكشف عن جوهرها المجتمعي ككائن كلّي وعن جوهرها الفردي ككائن كلّي والمجتمع ككائن كلّي مرتبط عضويّا بالفرد ككائن كلّي تلك العلاقة التي تنفيها المرجعيّة النّيوُليبراليّة.

 

3) المرجعيّة النيوليبراليّة ومرجعيّة Bauman لما بعد الحداثة :

المرجعيّة النيّوليبراليّة التي انتصبت في العالم انطلاقا من الثمانيات اعتمدت على قناعة أنه لا وجود للمجتمع وأنّ مقولة المجتمع إيديولوجيّة المصدر فلا وجود حقيقي إلاّ للسّوق كفضاء يتفاعل فيه الأفراد.

وبنفي المجتمع تنفي المرجعيّة النّيوليبراليّة الدّولة والقوميّة والحدود الترابيّة والنّتيجة الأساسيّة لذلك هو كما بيّنه Polanyi انسلاخ الاجتماعي عن الاقتصادي وإلغاء فكرة أنّ المجتمع كليّة شاملة متعدّدة الأبعاد.

ومقولة المجتمع تظهر في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في الفكر الماركسي الثّوري الذي يعتبر أنّ رأس المال الاقتصادي هو علاقة اجتماعيّة وفي الفكر المحافظ الدوّركايمي الذي صاغ مقولة anomie على أساس أنّها ظاهرة اجتماعيّة تأتي نتيجة العمليّة الصناعيّة المدمّرة للقيم والنّواميس.

فالفكر اللّيبرالي عوّض مقولة المجتمع بمقولة الشّبكة التي تغطّي العالم وتخضعه إلى الشركات الكبرى المتعدّدة الجنسيّة، هذه المرجعيّة النبوليبراليّة المهيمنة على العالم أدرجها الاجتماعي البريطاني Bauman فيما سمّاه بما بعد الحداثة السّائلة التي تتّسم بانحلال البناء الاجتماعي وضعف التنظيمات المجتمعة الكبرى كالنّقابات والأحزاب وتجريد الأفراد من الانتماءات المجتمعيّة ومن تجذّرهم الثّقافي وتنكرهم لالتزاماتهم الأخلاقيّة.

ونجد صدى لذلك في تفكير Heidegger الذي جعل من Dasein هذا الإنسان الذي لُفظ على البسيطة فوجد نفسه في مهبّ الرّياح فاقدا المعنى، في فضاء عالمي متذرّر ومُغترب وغير مسؤول، وما يميّز هذه المرحلة التي نبّه لها أيضا Touraine أنّ المؤسّسات المجتمعيّة فقدت سيطرتها على استغلال السّوق فانجرّ عن ذلك سلوكات تدميريّة تهدّد بخراب المجتمع وانهيار حضارة anthropocene، هذا البناء النبوليبرالي سيهتز اهتزازا عنيفا إثر جائحة الكورونا.

إنّ جائحة الكورونا تكشف عن القناعات الإيديولوجيّة التي ترتكز عليها المرجعيّة النيوليبراليّة وتتمثّل هذه القناعات في قانونين اثنين :

– قانوني حريّة السّوق

– وقانون الحتميّة البيولوجيّة (Darwinien)

وكلّ من هذين القانونين يتّخذ توجها دروينيّا أي أنّ الغلبة للقويّ، والقويّ هو الذي يبقى والضّعيف يندثر. ويعني هذا في جائحة الكورونا التضحية بالمسنّين.

وبرز هذا التصوّر في أوائل أزمة الكورونا عند قيادات شعبويّة بريطانيّة، أمريكيّة، برازيليّة، وفي بعض البلدان الدّيمقراطيّة كالسّويد وهولاندا ومفاد هذا التصوّر أنّ فيروس الكرونة ظاهرة طبيعيّة لا يمكن التحكّم فيه وقانونها الطبيعي الانتشار وحصد الأرواح إلى أن تكتسب البلاد المناعة الجماعيّة والدّولة لا تتدخّل في هذا المسار الحتمي ولا تعتمد سياسة إيقاف النّشاط الاقتصادي حماية للأرواح.

وهذا يندرج في تصوّر شامل للسّياسة الصحيّة التي توكل فيها الدّولة الإجراءات الصحيّة كالتلاقيح مثلا إلى مسؤوليّة المواطنين، ذاك هو الموقف النّيوليبرالي الذي برز بصفة واضحة في بريطانيا وفي الولايات المتحدة وفي البرازيل وفي السويد وهولاندا، ولكنّه سرعان ما تغيّر في الولايات المتحدة رغم الانقسامات بين موافق ومعارض، وفي بريطانيا، وبقي على حاله في البرازيل وفي السويد وشيئا ما في هولندا.

فكيف نفسّر هذا التغيّر في سلوكات هذه الحكومات إزاء جائحة فيروس الكورونا ؟

السّبب الرّئيسي في تغير سلوك الحاكم في بريطانيا هو أيضا ليبرالي يرتبط بدور المعرفة وخاصّة منها المعرفة الرّقميّة في المؤسّسات الأكاديميّة الفاعلة ونعني بها Imperial collège  والمعرفة الرّقميّة المؤدية إلى النّمذجة الرّقميّة للنتائج الدّيمغرافيّة للجائحة، تلك النّمذجة modélisation المتمثّلة في المنحى الجريمي تنبئ بموت مئات الآلاف إذا لم تتّخذ الدّولة قرار الحجر الصّحي الشّامل الذي يعتبر السّلاح النّووي ضدّ انتشار الفيروس ويكون لذلك تكلفة اقتصاديّة باهظة وتكلفة سياسيّة تهدّد مستقبل الحاكم السياسي ولذلك لجأت النّظم النيوليبراليّة سواء كان ذلك في بريطانيا والولايات المتّحدة أو في فرنسا وإيطاليا واسبانيا إلى الحجر الصحّي الشامل وكان ذلك الإجراء متأخرا فلم يحم هذه البلدان بصفة كليّة خلاف لما وقع في ألمانيا حيث الحجر الصحّي الشامل اعتمد مبكرا مع تزامنه مع حملة واسعة للتلاقيح الاستكشافية والاستثناء لهذه السياسة كان في السّويد حيث وقع الرّهان على المناعة الجماعيّة ولم يقع حماية المسنين المجمعين في المؤسّسات ولم يقع غلق المطاعم والمقاهي وأوكلوا الوقاية إلى المسؤوليّة للأفراد من تباعد جسدي وغسل الأيدي ووضع الكمّامات وقد أصاب السّويد في عدم غلق المدارس الابتدائيّة لأنّه ظهر أخيرا أنّ الأطفال ينتجون لأنفسهم مناعة متقاطعة وبذلك لا ينشرون العدوى خلافا لما روّج له من طرف السّلط الصحيّة في أوائل الأزمة ولكن السويد يعرف أكبر نسبة من الأموات بالنّسبة لجيرانه والسّلطة الصحيّة التي تبنت الرّهان تتعرّض إلى انتقادات لاذعة من المعارضة.

إلاّ أنّ المنهجيّة السّويديّة (طويلة المدى انتظارا لاكتشاف الفيروس) تعتمد على مسؤوليّة الأفراد أكثر من سُلطويّة المجتمع والدّولة وتطمح للمناعة الجماعيّة وتقبل نسبة 400 وفيات في مليون نسمة وهي تلغي التجمعات وترصد ظهور الإصابات وتحصرها قبل أن تتحوّل إلى بؤرة ولا تلتجئ إلى الحجر الصحّي في النّطاق المحلّي إلاّ إذا ما انفلت انتشار الفيروس عن السّيطرة وتستبعد الحجر الصحّي الشّامل والمنهجيّة السّويديّة أصبحت تحتذى في عدّة بلدان تجاوزت مرحلة الحجر الصحّي الشّامل.

ومن مسلّمات هذه المنهجيّة أنّ ارتفاع المنحنى الجرسي لا يكون منذرا بالخطر إلاّ إذا ما تعلّق بالفئات العمريّة التي يجب آنذاك حمايتها ولا يكون ارتفاع المنحنى منذرا بالخطر إلاّ إذا ما تعلّق بالفئات العمريّة الشبابيّة التي يمكن أن تخرج للعمل.

فالحجر الصحّي الشامل يقضي على البراديغم النيوليبرالي بصفة تكاد تكون كليّة وذلك لأسباب ثلاثة :

1- الحجر الصحّي الشامل تفرضه الدّولة لحماية المجتمع، هذا الكيان الجماعي التي نفت وجوده النظريّة النّيولبراليّة.

2- الحجر الصحّي الشامل يعطي الأوليّة للاجتماعي على حساب الاقتصادي لحمايته صحّة المواطنين المستهدفين وخاصّة منهم المسنين وبتفعيله قيم التضامن المجتمع على حساب التنافس الاقتصادي.

وهو بذلك يلغي نظريّة رهان مناعة القطيع وقدريّة الموت المحتوم.

3- والحجر الصحّي بعزله للأفراد يكشف على أن انتشار الفيروس من فرد إلى فرد يربط بصفة عضويّة الفرد بالمجتمع فسلوك الفرد ككائن كلّي يحدّد مصير المجتمع ككائن كلّي يشمله.

وانعزال الفرد يصبح سلوكا اجتماعيّا وسلوك المجتمع المتمثّل في تضامن عناصره وفي درجة اندماج نسيجه يصبح مؤثّرا في مصير الفرد. فالسلوك الفردي الانعزالي هو سلوك تضامني اجتماعي.

الحجر الصحّي اكتشف وطبّق أوّلا في الصين حيث ظهر الفيروس لأوّل مرّة وفاجأ السّلط فتكتمت عليه وتأخّرت في مجابهته فاضطرت إلى فرض حجر صحّي شامل وتسلّطي.

نظام الحزب الواحد الشيوعي يعتمد على مبدأ أنّ الحزب الحاكم يمثّل المجتمع في كلّيته ويشرف على حمايته في الأزمات ويخرجه من الفقر على المدى الطويل في الوقت الذي يؤطّره في المستوى المحلّي والمستوى القومي ولجان الأحياء لعبت دورا أساسيّا في إنجاح الحجر الصحّي في وُهان.

وهذا ما تحقّق جزئيّا في القارة الافريقيّة وكاد يكون منعدما في أمريكا الجنوبيّة وتردّد في أوروبا الغربيّة أي إيطاليا واسبانيا وفرنسا التي لم تقم بالحجر الصحّي في الابّان رغم أهميّة السّياحة فيها وما تمثله من مخاطر وبائيّة ورغم ارتباطها مع جيرانها ارتباطا وثيقا بالاقتصاد الصّيني وخاصّة بوهان مهد الفيروس. ورغم أهميّة الفئة العمريّة للمسنين المتواجدة في هرمها الدّيمغرافي وخطأ تجميعهم في مؤسّسات عرضتهم لخطر انتشار الفيروس.

وما يميّز الوضع الوبائي في تلك البلدان الأوروبيّة انعدام المؤسّسة المركزيّة في إيطاليا واسبانيا وضعف البنية التحتيّة الاستشفائيّة، بينما اتّسمت السّلطة المركزيّة في فرنسا بالبروقراطيّة وبالرّدعية وبعدم التعامل المكثّف مع السّلط المحليّة.

ولم تتبيّن هذه البلدان الحجر الصحّي الشامل إلاّ عندما تأكّد خطر انهيار المنظومة الصحيّة تحت وطأة الوباء.

ووقع قبول الحجر الصحّي من طرف المواطنين تحت ضغط الخوف لا الاقتناع بينما نرى أنّ النّظام الفيدرالي في ألمانيا مكّنها من الاعتماد على المبادرة المحليّة التي تبنت الحجر الصحّي مبكّرا ورافقته بالاختبارات المتعدّدة وكذلك في بلاد سويسرا.

ويمكن اعتبار اليونان من البلدان التي نحجت في مجابهة الكرونة إذ أوكلت تسيير الأزمة الصحيّة إلى وزير تقنقراط غير خاضع إلى تجاذبات الأحزاب قام بالإجراءات اللاّزمة من غلق الحدود والحجر الصحّي وتوعية المواطنين في وقت مبكّر.

وفي شبه القارّة الهندية حيث يحكم القائد الشعبوي مودي فإنّ الحجر الصحّي السّلطوي دفع بالجماهير الفقيرة إلى النّزوح إلى الرّيف هروبا من الكرونة.

ورغم طغيان الفئة العمريّة الشبيبيّة في الهرم الدّيمغرافي الهندي فإنّ استحالة تطبيق الحجر الصّحي الشّامل نتيجة الضّرورة المعيشيّة التي تدفع بالشرائح الاجتماعيّة إلى الخروج من ديارها إلى الاسترزاق يجعل الهند معرّضة لمخاطر مأساويّة بدأت تظهر نتائجها في تعدّد الإصابات والأموات مع حلول موسم الأمطار.

بينما القائد الشّعبوي الآخر Bolsonaro يرفض الحجر الصحّي ويحرّض على اختراقه ويقيل وزير الصحّة الذي لا يتّفق معه ثمّ يلغي عمليّة التّعداد الرّقمي للإصابات والأموات ويفقد البلاد بوصلتها الصحيّة ويعرّضها لمخاطر صحيّة جسيمة، وفي الولايات البرازيليّة التي حاولت تطبيق الحجر الصحّي الشامل فإنّها لم تنجح في ذلك إذ لم توفّر السّلط الموارد المعيشيّة في حالة العزل والتوقّف عن الشّغل وممّا يزيد في خطورة الكرونة في أمريكا اللاّتينيّة هو الحجم الكبير للمدن حيث تكثر كثافة السكّان في الأحياء الفقيرة المتاخمة للأحياء الغنيّة المتفاعلة معها لأنّ الأولى تشكّل منجم اليد العاملة والثانية بؤر الوباء لتعاملها المكثّف مع الخارج.

فالتهميش في المدن الكبرى خلافا للرّيف يوفّر شروط ملائمة لانتشار الفيروس رغم التّواجد الكبير نسبيّا للفئات العمريّة الشبابيّة و”الفاقلاّ” favellas في مدينة Rio مثال لذلك وفي مدينة كالـNew York استهدف فيروس الكرونة الشرائح الاجتماعيّة الفقيرة وخاصّة منها السّوداء.

وفي إفريقيا تُتّخذ نتيجة لتوصيّات المنظمة العالميّة للصحّة إجراءات الحجر الصحّي مبكّرا وتصل إلى نتائج مرضيّة إلاّ في المدن الكبرى كالقاهرة ولقوس وجهنسبور في افريقيا الجنوبيّة التي تتسم بكثافة السكان وكبر حجم منسوب الفئات العمريّة المهمّشة المجبرة على التواصل بحثا على الرّزق، ولكن أهميّة الفئة العمريّة الشبابيّة وما تتّسم به من مناعة نسبيّة ومكوث المسنين في القرى والتجربة المكتسبة من الجوائح السّابقة كجائحة Ebola كانت من العوامل التي حققت شيئا ما نتائج مرضيّة في افريقيا.

ويمكن أن نفسّر نجاح التّجربة التونسيّة في مجابهة الكورونا للأسباب التّالية :

1- الدّور الفاعل للدّولة المركزيّة التي عبأت المراكز الفرعيّة المحليّة والجهويّة للمراقبة والتقصّي والوقاية.

2- بروز فاعل موحّد له مسؤوليّة القرار والإنجاز تجسّم في حكومة مسؤولة بعيدة عن تجاذبات الأحزاب السياسيّة تعتمد على جهاز صحّي موحّد هو المرصد القومي.

3- اتّخاذ إجراءات مبكّرة كالحجر الصحّي الشامل وغلق الحدود وتقصّي الحالات الوافدة ومتابعة الحالات المحليّة المنتشرة أفقيّا ومنع الجولان.

4- التفاعل الإيجابي للمجتمع المدني مع التّعليمات الصحيّة للمؤسّسة الصحيّة.

5- أهميّة الفئة العمريّة الشبابيّة في تركيبة الهرم الدّيمغرافي التّونسي.

6- أهميّة تواجد الفئات المهمّشة في الرّيف وضعف الكثافة السكانيّة نسبيّا في المدن وضعف درجة اتّصالها بفاعلين العولمة.

7- توفير موارد ماليّة للشرائح الاجتماعيّة التي تضرّرت من النتائج السلبيّة للحجر الصحّي.

أمام جائحة عالميّة كالكورونا التي جابهتها الإنسانيّة بدون لقاح وبدون علاج وقع الاعتماد على استراتيجيات متعدّدة يمكن حصرها في ثلاثة نماذج : النموذج التسلّطي (الصين)، النموذج النيوليبرالي (السويد)، والنموذج الكوري.

 

1) النموذج النيوليبرالي :

استراتيجيّة رهان المناعة الجماعيّة الذي اعتمدته السويد والتي يتمثّل في عدم تنفيذ الحجر الصحّي واتّخاذ إجراءات وقائيّة جماعيّة محدودة وترك مسؤوليّة الوقاية إلى سلوك الأفراد واعتماد ثقافة جماعيّة متجذّرة في المجتمع وهذه الاستراتيجيّة ترمي إلى عدم إيقاف عمليّة الإنتاج.

 

2) النموذج التسلّطي :

إستراتيجيّة الحجر الصحّي الشامل الذي اعتمدتها الصين متأخّرة في مجابهة الفيروس متكتمة عليه رافضة ولو لحين لتواجده في ربوعها وهذا التأخّر والتكتم هو الذي فرض عليها الحلّ الجذري المتمثّل في الحجر الصحّي الشامل المتمثّل في عزل الأفراد ومتابعتهم وإيقاف النّشاط الاقتصادي وتعبئة موارد المنظومة الاستشفائيّة.

وهذه إستراتيجيّة الحجر الصحّي وإيقاف الاقتصاد اعتمدت في البلاد المتقدّمة والتي تأخّرت في مجابهة الكرونة بجليّة وأدّت إلى الانقسامات الدّيمقراطيّة الايديولوجيّة بين أفرادها.

 

3) النموذج الكوري :

إستراتيجيّة الوقاية من الفيروس اعتمادا على يقظة استباقيّة أداتها مؤسسات صحيّة وقائيّة وقدرة كبيرة على التقصّي الاختباري ومتابعة لصيقة لسلوك الأفراد في المجتمع وسرعة حصر بؤر الوباء النّاشئة في جميع أنحاء البلاد وتتبّعها وحصر مساحة انتشارها وإعداد التجهيزات اللاّزمة للوقاية من كمّامات وأدوات الاختبارات وتكوين فرق متنقّلة تختبر يوميّا آلاف المواطنين.

هذا مع انعدام الحجر الصحّي والشامل وترك الحدود مفتوحة وعدم تعطيل الاقتصاد تلك هي تجربة كوريا الجنوبيّة وتايوان وسنغفورة وHong Kong.

ويمكن اعتبار التجربة التونسيّة مزيجا من النّموذج الكوري الذي تميّز بإجراءات مبكّرة وبدور فعّال لمؤسّسة رصديّة ورقابيّة موحّدة والنّموذج الصيني السّلطوي حيث اعتمدت إجراءات زجريّة قاسية كالحجر الصحّي الشامل ومنع الجولان.

فالإنسانيّة أمام جائحة الكرونة والجائحات المستقبليّة تجد نفسها تجابه خيارات متناقصة : اُلوقاية الصحيّة من ناحية والابقاء على اشتغال الاقتصاد من ناحيّة أخرى وهما خياران متناقضان في حالة انعدام العلاج واللّقاح.

والتحدّي المستقبلي للإنسانيّة تتمثّل في كيفيّة إعادة تنظيم اقتصادها وإعادة هيكلة مجتمعها في علاقته مع الأفراد المكوّنة له استعدادا للجوائح القادمة.

ولا شكّ أنّ التغيّر المستقبلي في منظومة الاقتصاد العالمي سيكون المرور من اقتصاد ربحي إلى اقتصاد حياتي وسيجعل مالك اللّقاح هو مالك السّلطة في المستوى القومي وفي المستوى العالمي.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP