الجديد

خالد شوكات يكتب عن: “تفكيك الظاهرة الإرهابية”

خالد شوكات

لكي نتمكّن من هزيمة الجماعات الإرهابية ومشروعها الداعشي المتربّص ببلدنا وأمتنا والانسانية جمعاء، علينا ان نكفّ عن الانسياق وراء ردود الافعال المتسرِّعة، وان لا نستجيب لنداءات أهوائنا السياسية والأيديولوجية الضيقة مثلما يفعل بعضنا، بما يمعن في اضعاف وحدتنا الوطنية وتعميق أزمة الانقسام لدينا والحد من قدرتنا في إسناد مؤسستينا العسكرية والأمنية البطلة، وهو أمر لا يمكن ان يخدم في النهاية الا صالح أعدائنا الإرهابيين والمتطرفين العنيفين ويساعدهم اكثر على تحقيق مآربهم الشريرة وغاياتهم الخبيثة.

إذاً علينا التزام الهدوء مهما كان مصابنا جللا وهو مصاب جلل فعلا، وردّ الأمر في فهم الظاهرة الى من هم مؤهلون علماً وخبرة فعلاً – لا ادعاء- للمساهمة في بناء استراتيجية دفاع ضد هذا المشروع الهدّام الذي لا يقتصر أثره دموي وتخريبي علينا فحسب، بل على الاسرة الدولية بأسرها، وهنا بعض الإشارات التي ارجو ان تكون موضوعية في تلمّس فهم سليم للظاهرة:

– أوّلاً:

الحرب على الارهاب خلافا لاعتقاد بعضنا، ليست حربا عسكرية او امنية فقط، فقادة المؤسستين انفسهم أكدوا ويؤكدون في مناسبات متتالية ان المعالجة العسكرية والأمنية وان كانت ذات أهمية لكنها ليست كافية أبداً، وانها معالجة متأخرة قياسا بمعالجات اخرى دينية وتربوية وفكرية واخلاقية وتنموية اقتصادية واجتماعية يجب ان تدرج في اي خطة لمكافحة الظاهرة من جذورها، لا الاكتفاء بتعقب اثارها.

– ثانيا:

لقد اثبتت جل الدراسات والابحاث المتخصصة ان الأنظمة السياسية التي كافحت الارهاب وما تزال، كنظام الرئيس بن علي سابقا او نظام السيسي حاليا، نجحت في ترحيل المشكلة وليس إيجاد حلول لها، وان الاحتجاج بها في تصفية خصم سياسي لا يتبنى العنف وسيلة زاد في تأجيج الظاهرة لا القضاء عليها.

– ثالثا:

اثبت خبراء الجماعات المتطرفة ان مواجهة الخطاب الديني المتطرف لا تنجح باعتماد خطاب معاكس “علماني متطرف” مثلا، بل بخطاب من ذات المرجعية الدينية يخالف التطرف الديني في تأويله المنحرف والعنيف ويقنع الشرائح والمجموعات المستهدفة، خصوصا الشباب منهم، بالحجة والبرهان على سماحة الاسلام ولاعنفيته وتشبثه بالحياة وتحريمه التخريب والفساد في الارض و سفك الدماء، وهو المنهج الذي اصبحت تعتمده حتى الدول العلمانية العريقة في الغرب، من خلال دعمها حركة الاسلام الحضاري والانساني والروحاني بين مواطنيها الذين يدينون بالإسلام.

– رابعا:

علينا الانتباه الى ان جميع المقاربات قد تَبَيَّنَ قصورها منفردة في تحليل الظاهرة، فالمسألة تتجاوز حدود الانحراف الديني والفكري وكذلك حدود الفقر والتهميش الاقتصادي والاجتماعي، فتجربة الدولة الداعشية خير مثال على تهافت كثير من النظريات المطروحة في فهم الظاهرة الإرهابية، حيث استقطبت تقريبا جميع انواع البشر ومن جميع الدول، ولم يقتصر الامر مثلا على الدول الفقيرة، بل لقد جاء الدواعش الى الموصل والرقة من اسلو واستكهولم وأمستردام وكوبنهاكن وهلسنكي حيث تقترب الارض من الجنة.

وقد استعصى ذلك على الفهم وحيّر الخبراء والمحللين. ناهيك عن تقاطع مصالح القوى الاقليمية والدولية وما يشار اليه من دور للاجهزة الاستخباراتية الكبرى في صناعة مثل هذه الظواهر الخطيرة والمدمرة.

– خامسا واخيرا:

علينا ان ننتبه الى ان مشروعنا الديمقراطي فاقد للبريق وان دولتنا الديمقراطية الفتّية عجزت عن إقناع كثير من مواطنيها، وفيّ ظل انهيار السرديات الكبرى التي تاخذ بألباب الشباب وعقولهم عادة، من شيوعية وقومية عربية واسلامية اخوانية وحتى وطنية تحررية، عاد هناك فراغ رهيب قادر على إرسال شبابنا و فتياتنا الى قوارب الموت، قوارب الحرقة او قوارب داعش.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP