الجديد

خالد شوكات يكتب عن “عن حياة سياسية محكومة بالأمزجة والأهواء والأحقاد”

خالد شوكات

نجحت الديمقراطية في الغرب وفي اليابان وكوريا الجنوبية، عندما انتصرت العقلانية، فانتصرت هذه الاخيرة لمبدأ سيادة القانون. حتّى الاخلاق التي تضبط سلوك المواطنين مصدرها العقل، فغالبية هذه المجتمعات ليست “علمانية” فقط بل “لا دينية” أيضا، فقرابة سبعين بالمائة من الهولنديين مثلاً لا يؤمنون بالله، والثلاثون بالمائة الباقية يدينون بكل حرِية بجميع الأديان الموجودة على كوكب الارض، سماوية وإنسانية، ومع ذلك أخلاقهم العامة مثيرة للانتباه جديرة بالاحترام.

في دراسة تجرى سنويا عن أكثر الشعوب في العالم التزاما بالقواعد الاسلامية في الاخلاق، كالصدق والامانة وعدم الغيبة والنميمة والنظافة والعدل وغيرها، أظهرت النتائج شعوبا غير مسلمة في الصدارة وجاءت الشعوب الاسلامية في ذيل الترتيب، اي انها الاقل التزاما بهذه القواعد التي دون التقيّد بها يظهر الفساد في البرّ والبحر ويستحيل الاجتماع البشري على نحو مثمر ويصبح التقدم والتحضر غاية لا تدرك. عشت في الغرب قرابة عشرين عاما، ولم أكن يوما مبهورا بالجانب المادي في الحضارة الغربية، بل أبهرت بالجانب المعنوي والاخلاقي السائد.

أتيحت لي فرصة دراسة الحياة السياسية هناك عن قرب، وحضرت لسنوات جلسات برلمانية وأخرى على مستوى المجالس البلدية. التقيت وصادقت وحاورت مئات السياسيين من مختلف التيارات الفكرية والاحزاب والتنظيمات، من اليسار الراديكالي الى اليمين المتطرّف، مرورا بالأحزاب المسيحية المحافظة والاحزاب الاشتراكية الديمقراطية، وما وجدت الا تقديسا لحرية الاختلاف واحتراما للآراء والأفكار والبرامج المتباينة. لم ألحظ يوما شخصنة او تجريحا او استهزاء او خوضا في الأعراض الخاصة. الفضاء السياسي نظيف مما يجرح الاذن كالفضاء العام، اي الشوارع والساحات العامة، فالحرص على نظافة الشارع يصاحبه حرص على نظافة اللسان والفكر والسلوك وايمان بأن الوطن يسع الجميع.

نحن نتحدّث كثيرا عن الوطنية والوطن خلافا للغربيين، ولكننا لا نتورّع عن توسيخ شوارعنا بإلقاء القاذورات أينما جاء، ونتحدّث كثيرا عن الديمقراطية ولكننا لا نتورّع عن إلقاء القاذورات اللفظية في وجوه بعضنا صباحاً مساء، حتى في هذا الشهر المقدس الذي يفترض ان تصوم فيه ألسنتنا عن الكلام المشين لا نجد غضاضة في مواصلة الاستجابة لطباعنا غير السوّية و الاستسلام لأهوائنا في النيل من حرمات الآخرين.

هل يصوغ العقل سلوكنا السياسي، أم أهواؤنا وامزجتنا وانطباعاتنا الموغلة في الشخصنة والاحقاد الذاتية وتصفية الحسابات الأيديولوجية الضيّقة التي تعود في جذورها الى عقود خلت، هي التي تفعل ذلك. لماذا لا نمنح الآخرين نفس الحقوق التي نمنحها لأنفسنا، فنعامل الآخرين مهما كانوا مختلفين عنّا بالأدب والاحترام الذي نود من الآخرين أن يعاملونا به. كيف يمكن ان نتقدّم ونتحضّر اذا لم نحترم المؤسسات المنتخبة، التي يطالب بعضنا بحلّها لمجرّد اننا لسنا فيها، او لان فلانا او علّاناً ممن يشغل بعض مقاعدنا لا يعجبنا أو يختلف معنا في الفكر والموقف والرأي، واذا ما استسلمنا لهذا المنطق الفوضوي فهل سيكون بمقدورنا إقامة نظام له مؤسسات وقواعد قانونية ثابتة تسيّرنا.

إن المنطق الذي نحتكم اليه في توصيف بعضنا البعض، هذا المنطق القائم على التخوين والتكفير، هذا المنطق الذي لا يقوم على اعتراف متبادل بالحق في الوجود والتعبير، هذا المنطق الذي يعزز انقسام المجتمع الى معسكرات حاقدة وكارهة لبعضها البعض وكافرة بالعمل المشترك، منطق لا يتفق برأيي مع احتياجات وشروط حياة ديمقراطية سليمة تتفق على حد أدنى من القواعد الاخلاقية، وتراعي مصالح بلادنا العليا. المسألة الاخلاقية ليست مسألة هامشية، ومجموعة القيم والمبادئ التي قمنا بدسترة الكثير منها لا يجب ان تظلّ مجرد حبر على ورق

تتحمل النخب السياسية والإعلامية والثقافية قدرا كبيرا من المسؤولية في هذا المجال، وعليها ان تكون قدوة في الالتزام بها من منطلق ايمان عميق بأننا دون ذلك سنقود وطننا وبلادنا نحو الهلاك، مصداقا لقول أمير الشعراء احمد شوقي “إنما الامم الاخلاق ما بقيت فان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا”. ان الاستهانة بالجوانب المعنوية والأخلاقية النابعة من مؤيدات عقلانية، ستفضي حتما الى تعميق الأزمة السياسية والاقتصادية، وقد تدفع نحو سيناريوهات مخيفة لا يتمناها تونسي لبلاده، ولهذا علينا جميعاً ان نقرع أجراس الحكمة وان نعود بالفضاء العام الى الجادّة وان نكفّ عن خوض هذه المعارك التي سيكون الرابح فيها خاسرا، وان نجعل الحكم في الحياة السياسية الموضوعية والمصلحة العامة والاخلاق الانسانية الرفيعة.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP