الجديد

خالد شوكات يكتب ل “التونسيون” من المغرب: “الأحزاب المغربية..أزمة ثقة شعبية رغم عراقة التعددية”

 د.خالد شوكات

خلافا لتونس المستقلة سنة 1956 والتي أسقطت الملكية واعلنت الجمهورية سنة 1957، ثم ألغت التعددية الحزبية سنة 1959 تحت شعار الوحدة القومية، حافظت المغرب المستقلة في نفس العام على الملكية في اسرتها العلوية الشريفة، كما ابقت على نظام التعددية الحزبية بناء على ان الملك هو رمز وحدة البلاد وضامنها، وبهذا فان النظام السياسي المغربي التعددي يعتبر الأعرق من نوعه في المجال العربي والمغاربي، حيث حافظ المغاربة على هامش محروس للديمقراطية، اتسع نسبيا في عهد العاهل الحالي محمد السادس قياسا بوالده المرحوم الملك الحسن الثاني.

زائر المغرب العارف بأحوالها على مر العهود، بمقدوره أن يدرك أزمة المنظومة الحزبية المغربية الحالية من خلال تراجع الصحافة الحزبية قياسا بالصحافة المستقلة خلال السنوات الاخيرة، فقد كانت صحف مثل “العلم” الناطقة باسم حزب الاستقلال التي يعود تأسيسها الى سنة 1946، و”الاتحاد الاشتراكي” التي أسسها الحزب الذي يحمل الاسم نفسه سنة 1975، تتصدر مشهد الصحافة المغربية المكتوبة، لكنها اليوم تصدر بشكل رمزي امام صعود الجرائد المستقلة مثل “الصباح” و”المساء” و”الاخبار” وبشكل متواتر ابتداء من مطلع هذا القرن الواحد والعشرين،

مع الإشارة اللازمة الى ان أزمة الصحافة الورقية انسحبت على المغرب مثلما انسحبت على العالم بأسره في ظل التحول الهائل الى الصحافة الالكترونية، حيث تصنع مواقع مثل “هسبريس” و”اليوم 24″ الحدث وتحدث “الإثارة” مثلما تسقط في كثير من الأحيان في “التفاهة”، وهذه سمة من سمات العصر ربما، فالمغرب بلد مفتوح ومنفتح على العصر ولم يكن يوما بمنأى عن المتغيرات التي تعصف بالبشرية. في هذا السياق تبدو أزمة المنظومة الحزبية المغربية الراهنة مفهومة،

حيث تعاني الاحزاب السياسية في ارجاء المعمورة من نفس أزمة الثقة لدى شرائح شعبية واسعة، سواء من ناحية قدرتها على تأطير المواطنين واستقطابهم، او من ناحية تعبئتهم للمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، فقد انحدرت نسبة المشاركة في اخر انتخابات برلمانية جرت قبل نحو خمس سنوات الى حوالي الربع من قائمة المسجلين في القائمات الانتخابية، التي لا تمثل سوى نصف من يحق لهم الانتخاب تقريبا، وهي ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ الممارسة الانتخابية في المغرب التي انطلقت مباشرة بعد استقلال البلاد، تؤشر الى حقيقة الأزمة التي تعيشها الاحزاب المغربية على اختلافها وتظهر تعقيدها وعمقها.

أمينة ماء العينين القيادية الصاعدة في حزب العدالة والتنمية الحاكم وعضو البرلمان المغربي، جلبت لنفسها الكثير من المتاعب داخل حزبها وخارجه بآرائها النقدية لحزبها بشكل خاص وللمنظومة الحزبية بشكل عام، مشيرة الى أزمة الثقة الشعبية المتصاعدة والى المخاطر المحدقة جراء ذلك بالنظام الديمقراطي، وهو ما يقتضي بنظرها نقاشا مجتمعيا واسعا وبرنامجا إنقاذيا سريعا لا يمكن ان يتحقق الا بالانفتاح على الاراء النقدية والاستماع لأصوات الاجيال الشابّة ودفع المؤسسات الحزبية الى تجديد نفسها وتبني برامج جديدة ذات مصداقية،

وقد بدا لي ان توجه ماء العينين في طريقه الى ان يكون قناعة لدى كثير من القيادات الصاعدة في جل الاحزاب المغربية التي تشعر بوطأة الأزمة وتجلياتها التي تظهر خصوصا في كثرة النزاعات حول المناصب القيادية الاولى وتعدد الانشقاقات التي لا يكاد يسلم منها حزب في جميع التيارات السياسية الكبرى في البلاد. تاريخ الاحزاب المغربية يشير الى انها انطلقت بحزب كبير هو “حزب الاستقلال” الذي قاد منذ أواخر الأربعينيات معركة التحرر الوطني، لكنّهُ سيشهد انقساما بُعَيْدَ الاستقلال، حيث خرج تيار يساري من رحمه هو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أواخر الخمسينيات، سينقسم بدوره الى حزبين في السبعينيات اكبرهما هو الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحزب الذي سيقود المعارضة خصوصا خلال عقد الثمانينيّات والتحول الديمقراطي خلال عقد التسعينيات قبل ان يبدأ تدريجيا في الانهيار ابتداءا من مطلع هذا القرن مؤكدا أزمة التيار اليساري بشكل عام.

بالتوازي مع حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، عمل القصر منذ بداية الستينيات الى خلق ما عرف في تونس ايام الرئيس بن علي بالأحزاب الإدارية، حيث عمدت الملكية خلال جميع المراحل الى تشجيع مقربين منها الى صناعة مشاريع حزبية كان لها باستمرار دور تعديلي للمشهد السياسي، فخلال عقد الستينيات ظهرت الحركة الشعبية على يد المحجوبي احرضان صديق الملوك الثلاثة، وخلال عقد السبعينيات ظهر التجمع الوطني للأحرار الذي اسسه صهر الملك الحسن الثاني ورئيس البرلمان احمد عصمان، وفي مطلع القرن

وفي خضم ثورات الربيع العربي قيل ان الملك محمد السادس هو من دفع صديقه وزميله في الدراسة المستشار الملكي فؤاد عالي الهمّة الى تأسيس حزب الاصالة والمعاصرة الذي ستكون مهمته الاساسية مواجهة صعود الإسلاميين وتحقيق التوازن في الساحة السياسية. ومن باب الحقيقة التاريخية، فان احزاب المعارضة التقليدية كأحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والاستقلال والتقدم والاشتراكية (الحزب الشيوعي المغربي) الى جانب الاحزاب الملكية (الحركة الشعبية بفروعها، والتجمع الوطني للأحرار، واخيرا حزب الاصالة والمعاصرة) قد حافظ جميعهم على دور ما يقوى ويضعف الى حد الساعة بحسب الظروف المتبدّلة باستمرار، حتى ان التقديرات الحالية تشير الى ان حزب التجمع الوطني للأحرار تحت قيادة زعيمه الوزير الميلياردير عزيز اخنوش هو المرشح الابرز للفوز بالانتخابات البرلمانية المزمع عقدها في اكتوبر 2021، وقيادة الحكومة القادمة بديلا عن حزب العدالة والتنمية الاسلامي.

الثالث للمنظومة الحزبية المغربية هو الذي يمثله التيار الاسلامي وحزبه الرئيسي العدالة والتنمية، الذي قاد المشهد السياسي في سياق ائتلافي لطالما ميّز نظام الحكم المغربي، والذي سبق الحديث عنه في اول مقال ضمن هذه السلسلة، وعلى الرغم من النجاحات النسبية التي تحققت في عهده الممتد منذ 2012، يبدو انه سيدفع فاتورة الانتقادات التي وجهت لهذه المرحلة، وسيفقد قيادة الحكومة دون ان يفقد مكانته في الساحة، مؤكدا خاصية حرص القصر الملكي على تثبيتها طيلة ما يقارب السبعين عاما من الحكم المعاصر، وهو ان جميع الاحزاب يمكن ان تؤدي دورا مرحليا ثم تسلم القيادة لمن أتى دوره بعدها، ذلك ان الثابت الوحيد هو الملك، وما دونه متغيّر.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP