الجديد

خطاب قيس للمشيشي .. “صادم” و “مخيف” !

منذر بالضيافي

الرسالة / “الكتاب” التي توجه بها أمس الاثنين،  الرئيس قيس سعيد، الى رئيس الحكومة هشام المشيشي، بعد ثلاثة اسابيع من منح البرلمان الثقة للتحوير الوزاري، ورفض الرئيس قبول الوزراء الجدد لأداء اليمين الدستوري أمامه، زادت في تعميق الأزمة السياسية، التي تعد “الأخطر” منذ جانفي 2011، أزمة نجم عنها تعطيل السير العادي لمرافق الدولة، وصاحبها جدل قانوي ودستوري، مداره اتهام الرئيس باختراق الدستور، قابله “تمترس”  برفض  الرئيس للتحوير بناء على عدم تطابقه مع الدستور، فضلا عن مؤاخذات أخرى، لعل أبرزها الاشارة الى وجود شبهات فساد حول بعض الوزراء الجدد.

في غياب التواصل المباشر بين رأسي السلطة التنفيذية، عمد رئيس الحكومة الى اتخاذ قرار من طرف واحد لتجاوز حالة “العطالة” الحكومية وفق تعبيره، تمثل في اعفاء وزراء وتعيين أخرين بالنيابة، وهو ما أعتبر بمثابة اعلان رسمي للقطيعة مع رئيس الجمهورية، الذي سارع بتوجيه “كتاب” حرص على اعطائه اخراجا “غريبا”، سواء من جهة الأحرف العربية (الخط الكوفي) الذي كتب به، أو عبر ارساله من قبل “صاحب البريد” في قصر قرطاج تحت اشراف المشرف على البروتوكول، مع التوصية الملحة على أن لا يعود الا بما يفيد أنه قد سلم الرسالة لصاحبها، ما يعبر عن “أزمة ثقة” بين الرجلين.

أثارت رسالة سعيد للمشيشي ردود أفعال جمعت بين “الصدمة” و “التخوف”، وهو ما جعلها تساهم في مزيد ارباك المشهد السياسي، عبر تأجيج منسوب الصراع بين مؤسسات الدولة، وكذلك الانقسام السياسي والمجتمعي، لتؤكد على ضعف الادارة السياسية للأزمة من قبل قرطاج، الناجمة عن افتقاد الرئيس قيس سعيد للتجربة والكفاءة السياسية، التي تعد شرطا اساسيا وضروريا لابتداع الحلول في زمن الأزمات، خصوصا من قبل رئيس الجمهورية، المسؤول الأول عن وحدة البلاد واستقرار ها و عن الأمن القومي والحامي للدستور.

وهو ما يؤكد مرة أخرى على أن الرجل ليس من طينة “السياسيين التقليديين”، وأنه قد استعاض عن هذا الضعف السياسي، بملاعبة خصومه من حقل يتقنه جيدا، ونعني الاطار القانوني والدستوري، في أزمة يجمع العام والخاص على كونها “سياسية بامتياز”، وبالتالي يجب أن تكون حلولها سياسية، لا شكلانية / قانونية، وهو ما يرفضه الرئيس ، أو يبدو على الأرجح أنه غير قادر على انتهاجه.

بالعودة للرسالة المثيرة للجدل، نشير الى أنها كانت “صادمة”  من جهة الشكل، الخط العربي الذي كتبت به، وارسالها عبر “مرسول” على طريقة الأفلام التاريخية، و تسريب فيديو عن الرئاسة يوثق لتلك “اللحظة”، في استعادة ل “فن التراسل” التقليدي، في زمن الاتصال الالكتروني وعصر الشبكة ومواقع التواصل الاجتماعي، التي تحولت الى سلطة في صناعة الرأي العام وتوجيهه والتأثير عليه، ولعل المقربين من قيس سعيد يدركون ذلك جيدا، وهم الذين استعانوا بالتكنولوجيا الحديثة في “حملتهم التفسيرية”، التي أوصلت مرشحهم لقصر قرطاج، وما زالوا يوظفونها للدفاع عنه، ومساندته في وجه خصومه ومعارضيه.

كشف شكل “الكتاب/ الرسالة” وطريقة ارساله، عن “اغتراب اتصالي” يعاني منه قصر قرطاج، وهو ليس بالأمر الجديد، خصوصا في ظل حالة الارتباك الاتصالي الذي تعرفه مؤسسة الرئاسة، والذي كشف في أكثر من مناسبة، وهو برأينا يعبر أيضا عن توجه وخيار ، قوامه رفض الرئيس سعيد التواصل مع الاعلام ومع النخبة والمجتمع، وفق الاشكال الاتصالية التقليدية والمتعارف عليها.

ولعل هذا ما يفسر افتقاد المؤسسة لناطق أو متحدث باسمها، وغياب الرئيس عن التخاطب مع الاعلام المحلي والدولي، فبعد أكثر من سنة ونصف السنة من وصوله لقرطاج، لم يلتق الرجل بأي اعلامي أو صحفي محلي، ولم يجر أي حوار صحفي في تونس، وهو أمر يبعث على الاستغراب، لكن ممكن يجد تفسيره في طبيعة الشخصية الأساسية لقيس السعيد، التي تميل للانطواء و الوحدة، ومن هنا نفهم طريقة ادارته لحوارات اختيار الشخصية الأقدر لرئاسة الحكومة، بعد أن عادت اليه المبادرة الدستورية، بعد فشل الحزب الأول في تصعيد حكومة (حركة النهضة).

أما ما يتعلق ب “التخوفات” التي عبر عنها الكثيرون مما ورد من رسائل ومضامين في “كتاب” قيس للمشيشي، وهي في تقديري مهمة و ترتقي – دون  مبالغة – الى تهديد لمكاسب دولة الاستقلال، فنجدها في علاقة بالنمط المجتمعي، ومدنية الدولة و الالتزام بالاحتكام للدستور في ادارة الخلافات السياسية، وعدم تطويعه ولي ذراعه في اتجاه تفسير خطي، لا يخدم غير صاحبه، بتعلة أن الرئيس هو من يحتكر تأويل الدستور ، في غياب المحكمة الدستورية.

برزت من خلال نص الرسالة ضعف حجة الرئيس القانونية والدستورية، في اعتراضه على التحوير الوزاري، اذ حضر البعد الاحتجاجي على الالتزام بروح الدستور، في علاقة بالتناصف في تركيبة التحوير ، وهو الذي عرف بعدم انتصاره للمساواة بين الجنسين، ولعل خطابه الشهير في 13 أوت ،خير دليل على ذلك.

كما أنه لم يقنع بدواعي رفضه حضور الوزراء الجدد لأداء اليمين، وظهر متناقضا بين القول بأن مهلة دعوتهم مفتوحة، وبين قوله بأنه ليس هناك حاجة في الذهاب للبرلمان لطلب الثقة عند التحوير ، وبالتالي سقوط شرط أداء اليمين، وهو ارتباك ظاهر ولا يستحق لمختص في القانون الدستوري للدلالة عليه، ولعل هذا ما يدعم حجة وصواب ما ذهب له العديد من فقهاء القانون الدستوري، من كون الرئيس قد خرق نص الدستور، وبالتالي اقترف “خطأ جسيم” له ما بعده.

كما لا يفوتنا الاشارة الى كون الشكل – كما المضمون  – في رسالة الرئيس، قد تضمن اسقاطات دينية صرفة في صراع سياسي، من شأنه أن يعيدنا للجدل حول الفصل بين الديني والسياسي، و العودة للتهديد بضرب أحد مكاسب الدولة التونسية الحديثة، ونعني هنا – طبعا – مدنية الدولة، يأتي هذا أيم قليلة بعد اتهام الرئيس بتوظيف المساجد في الصراع السياسي، من خلال القائه كلمة في مسجد في حي التضامن، واشتباكه مع أحد أنصار حركة “النهضة”، فضلا على أن خطابات الرئيس، حاملة لشحنات دينية لا غبار عليها، لا تكشف عن “تدين” أو “محافظة” فقط، بل قد تتعداها الى “مشروع سياسي”، نقدر أنه يصطف على يمين خطاب حركة “النهضة” الاخوانية.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP