الجديد

دفاعا على الديمقراطية …

المهدي عبد الجواد

تنعقد اليوم 30جويلية 20120، جلسة برلمانية هامة تتعلق بالتصويت على سحب الثقة من رئيس المجلس راشد الغنوشي، وسط خالة انقسام، بين فريقين كبيرين، يدفع الاول في اتجاه “عزله” والثاني في اتجاه تثبيته.

هي عملية استعادة عميقة للنزاع على السلطة منذ بدايات التاريخ، وللتاريخ الاسلامي مع الخلع حكايات. تتغلّف دائما بالقيم والمبادئ لكنها تظل في عمقها محاولات لافتكاك السلطة والشرعية تحقيقا لمصالح.

وتكمن أهمية هذه الجلسة في تمحورها حول “النظرة للإسلاميين” عموما وموقعهم من العملية السياسية، لان ظاهر الأمر هو تحوير على مستوى رأس البرلمان، وحقيقته هي تقبّل مشاركة الإسلاميين في الحكم من مواقع متقدمة في الدولة، فمازال الأمر محلّ تجاذب، إذ لا يتقبّل كثيرون ان تكون النهضة هي المُهيمنة على “الحُكم”، وهو ما تجلى في طريقة التعاطي معها اكثر من مرّة، زادته وجاهة مراكمة الحركة للأخطاء التقديرية، وتنامي منطق المعاندة وذهنية “الغنيمة” عند الكثير من قياداتها.

الغنوشي .. في رئاسة المجلس

لولا الغنوشي لما كان لجلسة اليوم معنى، فليس مهما رئيس المجلس بل رمزية وجود الغنوشي في المنصب او عزله منه. ونُقدّر ان القيمة الاعتبارية لرئاسة المجلس والاهتمام بها ودورها ووظائفها الإجرائية تستمدها من تواجد راشد الغنوشي بها وليس العكس.

فليس ثمة “مؤسسة رئاسة المجلس” ولا دور دستوري لها، ولكن الغنوشي وحضوره الاعتباري وثقل شخصيته التاريخي والوطني والإقليمي وعلاقاته الدولية ورئاسته للحزب الأول وتداخل كلّ ذلك مع المهام “الروتينية” والإدارية خلق كل هذا التشويش.

زاده وضوحا طريقة التعاطي مع الأحداث اليومية في المجلس، وتركيبة ديوان راشد الغنوشي. لقد جعل الغنوشي ديوانه ديوانا “حزبيا” بل عائليا. فرئيس الديوان يُلاحقُه تاريخ المجلس التأسيسي وما فيه من انقسام حاد وصراعات، وهو لا يمتلك صفات شخصية او مهارات تواصلية تفاوضية تسمح له ببناء جسور علاقات طبيعية مع النواب او الإعلاميين او الفاعلين، ولعله هو السبب الرئيس في جزء كبير مما يطال رئيس المجلس من نقد ومؤاخذات.

ان إزاحة الغنوشي من رئاسة المجلس لها تداعيات سياسية داخلية وحزبية وإقليمية ودولية لذلك. فهي لحظة لا تقل أهمية على ما حصل مع حكومة على العريض سنة 2013لكنها بطريقة مختلفة وديمقراطية، وهو أمر يحسب لتونس ولكل فاعليها السياسيين ويعيد بعض الاعتبار للمجلس الذي تم ترذيله. فالعملية تبقى في عُمقها ممارسة ديمقراطية لا تتجاوز عملية تصويت على منح/سحب الثقة، وهو امر يتكرّر دائما في اعرق الديمقراطيات.

معارك الشرعية والمشروعية والاعتراف

تتنزل جلسة اليوم بين تقاطعات كثيرة، وتنشدّ الى منطلقات مختلفة، وتغذيها نزعات ورغبات متباينة، فبين الحق في الممارسة الديمقراطية و تحويل هذا الحق إلى باب لاستهداف التجربة الديمقراطية برمتها فرق، و بين نوايا صادقة في تجويد العمل النيابي والحرص على الفصل بين الحزبي/البرلماني متجسدا في راشد الغنوشي، ومحاولة ترذيل هذه المؤسسة والأحزاب الممثلة فيها فرق آخر.

ثمة فرق ايضا بين الراغبين في تجديد المشروع الديمقراطي ودفع “الإسلام السياسي” الى مزيد التطبيع مع الديمقراطية وقيمها وتوسيع دوائر التشاركية في القرار، لمزيد بناء الثقة في التجربة والاستثناء التونسي، وبين الراغبين “خفية/علنا” في إعادة إنتاج السلوك الاستبدادي.

يتم الدفع دون وعي أحيانا في اتجاه التطرف، ولا يُقدّر الكثيرون مساوئ ومحاذير إلغاء كل إمكانيات التحاور، فقد تسربت الى عملية التصويت حول رئيس المجلس خطابات اقصائية تغذت بالحملة على الإسلاميين عموما وعلى رئيس حركة النهضة وقياداتهم ثانيا، وذلك أمر لا يليق بالديمقراطية ولا يُقيم الدليل على استبطان للقيم الديمقراطية. ان العجز على استيعاب الطرف “الإسلامي” الرئيسي الذي يحاول متخوفا ومترددا التطبيع مع الآخرين، أخطاء النهضة كثيرة وسياستها الإعلامية في إدارة مثل هذه الأزمات سيئة، لكن ذلك يتطلب مزيدا من التحاور لا القطيعة.

أحزاب ونواب وإعلاميون وسياسيون وصُنّاع رأي يقفون للتصدي للإسلاميين، يدعون مثلهم تماما الديمقراطية والمدنية ولم ينجز حزب منهم مؤتمرا، ويُراكمون التصريحات العنيفة وتلاحق بعضهم شبهات فساد. نحتاج الى من يدفع الإسلاميين إلى مراجعة أعمق، ولكن نفس المراجعات مطلوبة عند خصوم النهضة….فلا يمكن أن ترحم أحدا أن كانت خطاياك ثقيلة .

الرئيس .. حالة انتظار

الرئيس قيس الذي يستهدف الأحزاب والبرلمان، سيكون سعيدا فعلا، بتعمّق ازمة المجلس و”احتراب” كتله ونوابه واحزابه، فهو سيقود عمله الى الفشل، ويزيد في اقامة الحجة على سلامة موقفه الرافض للمنظومة الحزبية برمتها. فقد بنى الرئيس قيس سعيد سرديته على ترذيل الأحزاب والنّخب السياسية وهي تمنحُه هذه الحجة.

لقد اختار الرئيس  هشام المشيشي رئيسا للحكومة وهو من خارج الأحزاب، ونعتقد انه سيُكوّن فريقه بعيدا عنها او “يُضعفُ” دور وسلطة الأحزاب عليها، بما يعنيه من تحرير للحكومة من سلطة البرلمان الرقابية، وهذا الأمر سيُهمّش البرلمان ودوره وسيزيد في إضعاف الأحزاب الفاقدة أصلا للثقة.

التصويت على الغنوشي ظاهر وباطن. تتجمّع فيه كل العملية السياسية التي تعيشها تونس منذ الثورة. سيفقد راشد الغنوشي وحركته في حال نجاح سحب الثقة الدور المحوري الذي احتلوه بفضل الانتخابات منذ اكتوبر 20111، وسيُلقي بظلاله على مؤتمر الحركة الداخلي، وعلى تموقع تونس في المحاور الدولية.

أما اذا فشلت عملية سحب الثقة فان ذلك سيُكرّس هذا الدور، وما نتمناه فعلا ان يستخلص الفاعلون السياسيون الدرس. فعلى الشيخ راشد مراجعة تصرفاته وخاصة مراجعة تركيبة ديوانه الذي يُمكن ان يكون متنوعا ومختلفا معبرا حقيقة على التنوع في تركيبة المجلس، وعلى بقية الكُتل الانكباب على الرفع من القيمة الاعتبارية والتشريعية للمجلس باعتباره مُمثّل الإرادة الشعبية وضامن توازن بين المؤسسات.

وفي كل الحالات فان هذا التصويت هو أفضل الردود على من يستهدف التجربة الديمقراطية التونسية التي تزداد صلابة يوما بعد يوم.

 

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP