الجديد

دونالد ترامب .. بين غواية السّلطة وانحراف السياسة

محمد بشير ساسي

منذ تنصيب دونالد ترامب الرئيس الخامس والأربعين في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكيّة في 20 يناير 2017، سريعا ما أغوته السّلطة بين أروقة البيت الأبيض ظنّا منه أنّها شبيهة بذلك العالم الذّي قدِم منه، عالم “البزنس والبورصات والصّفقات الكبرى..

انتخبه الأميركيّون اعتقادا منهم بأنه “رجل أعمال” يليق بمقام “كرسي الرئيس” والسياسي القادر على إدارة بلد بحجم الولايات المتحدة بكل حكمة واتّزان، لكنّ القضايا الحارقة والملفّات المعقّدة آخرها جائحة كورونا كشفت كلّها حجم الإنحرافات التي ارتكبها ترامب في حقّه وفي حق فريقه الحكومي، وهي في الواقع تعكس عمق الخلافات داخل الإدارة حول كيفية التعامل مع الرهانات الداخلية ومع السياسة الخارجية وطريقة التعاطي مع الأزمات الدولية.

ومع اقتراب نهاية ولايته الأولى يتندّر الأمريكيون وغيرهم بإنجازات ترامب “العظيمة” التي تدور في فلك “تغريدات تويتر” ليلا نهارا والتي خصّص جزءا كبيرا منها للإعلان عن الإقالات والاستقالات لقائمة طويلة من المسؤولين في إدارته..!! حتى أنّ أحدهم كتب مستهزئا: أصبح السؤال الذي يتردد في واشنطن مع كل تغريدة للرئيس.. من هو المسؤول التالي الذي سيستقيل أو يُقال؟

آخر ضحيّة مسلسل ترامب كان المفتش العام لوزارة الخارجية ستيف لينيك الذي يحقّق في شكاوى تفيد بأن وزير الخارجية مايك بومبيو استغل شخصا عيّنته السلطة السياسية، ليقوم بمهام شخصية له ولزوجته وفق رواية مساعد أحد النواب في الكونغرس.

يرى مراقبون أن حجّة ترامب بأنه لم يعد يثق في قدرة المفتش العام على آداء مهامه، دون أن يذكر سببا لذلك، تخفي من وراءها قرارات انتقامية ضد كلّ مسؤول تسوّل له نفسه العمل ضد مصالح الرئيس والمقربين منه في الإدارة الأمريكية، وهم بمثابة حقول الألغام التي يُمنع الاقتراب منها أو تجاوز حدودها الإقالة التي وُصفت بغير المسبوقة، حرّكت عددا من الأعضاء الديمقراطيون بمجلس النواب الأميركي لفتح تحقيق في القرار الذي أثار الاستياء من حيث التوقيت والدوافع السياسية، لتوجَّهَ أصابع الاتهام صوب الرئيس بتصعيد حربه على أي رقابة على إدارته من خلال تدمير المناصب الحسّاسة.

والواقع أن حملة ترامب في استهداف المفتشين العامين، بدأت الشهر الماضي حين طرد المفتش العام لمجتمع المخابرات مايكل أتكينسون لدوره في شكوى المبلغين عن المخالفات التي أدت إلى مساءلة ترامب في الكونغرس، ثم أنهى خدمة غلين فاين المفتش العام بالإنابة في وزارة الدفاع، وهي خطوة جردت فاين من منصبه رئيسا للجنة المساءلة حول الاستجابة للأوبئة.

وخلال إحاطة قدمها البيت الأبيض مؤخرا بشأن وباء كورونا، شكك ترامب في استقلالية المفتش العام لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية بشأن تقرير قال إنه كان هناك نقص في الإمدادات والاختبارات في المستشفيات. كما ستبقى رئاسة ترامب كذلك شاهدة على إقالة ممّن صُنّفوا بالشهود “الأعداء” وهما العقيد ألكساندر فيندمان، وهو خبير بارز في الشأن الأوكراني بمجلس الأمن القومي، وجوردون سوندلاند، سفير الولايات المتحدة في الاتحاد الأوروبي، وكلاهما شهد ضد طريقة تعامل الرئيس في قضية أوكرانيا التي أشعلت شرارة تحقيقات العزل، ما أدى بالسياسيين وقدامى الصحفيين إلى مقارنة ذلك بما أقدم عليه الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون حين أقال ثلاثة من كبار المسؤولين كانوا يحققون في دوره في عملية اقتحام مقر اللجنة الوطنية الديمقراطية عام 1972 في مجمع ووترغيت، وما أعقب ذلك من تستر عليها.

وربما لن ينسى المهتمون بالشأن السياسي الأمريكي الطريقة التي رُحّل بها كثير من المسؤولين مع شعور كبير بالإهانة بسبب التراشق بالنعوت غير اللائقة مثل الذي حصل مع وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون الذي وصفه ترامب “بالغبي والكسول”، وذلك رداً على كلام قال فيه أن الرئيس “غير منضبط، لا يقرأ ولا يهتم بالتفاصيل.

كما طُرحت أكثر من علامة استفهام حول تعاقب ثلاثة أشخاص على منصب مستشار شؤون الأمن القومي في أقل من سنتين، وكذلك ثلاثة رؤساء لمكتب الاتصالات في البيت الأبيض في المدة نفسها بالاضافة إلى الجدل الذي أُثير حول منصب مدير جهاز الاستخبارات قبل أن يستنجد ترامب بحليفه ريتشارد غرينيل السفير السابق في ألمانيا وهو من ألد خصوم إيران، حيث أعتُبر تعيينه مسيّسا بدرجة كبيرة وتكتيكيا من قبل الرئيس، في خطوة شجعت المحافظين الحريصين على قيادة جديدة للمخابرات التي ابتليت بسلسلة من الفضائح..

خلاصة القول، فإن تغيير الوجوه والمسؤولين والخطط  في أي إدارة ليس بالشيء الغريب في قاموس الأعراف السياسية كما يفسره مختصون، وعادة ما يحصل بسبب خلافات حول السياسات أو الصلاحيات أو تحت ضغط ظروف ومستجدات تستوجب التجديد، لكن ذلك لا يبرر الطريقة التي اتبعتها إدارة ترامب، وهي التي جنحت في الواقع نحو الاضطراب غير المسبوق ربطه مراقبون بوجود “أزمة حكم”، تعود في جذورها إلى مقاربة الرئيس الشعبوية في الداخل، والقومية – الفوقية تجاه الخارج.

-*إعلامي تونسي

 

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP