الجديد

سؤال تلميذ .. لم ير حياتنا كما ننظر اليها و نعيشها !.

يقال عادة : ” الطفولة التي لا تُعاش، وحدها نعيشها أبداً ” . ان ماحدث لي اليوم أدمى قلبي . كم شعرت بالغبن ، بالعجز ، أمام سؤال حارق ، لتلميذ اسكنني ألمه و معاناته و خوفه على مستقبله الدراسي ، بل على مصيره و بقية حياته … سيّدتي ” لم لا توفر الدولة لنا امكانية التعلّم عن بعد ؟ ، لماذا تتركنا لنخاطر بحياتنا ؟ ” .

الا تدرك الدولة ان بقاء التلاميذ والطلبة في بيوتهم ، سيفرض واقعا و عمليّا ، حجرا صحيا جزئيا ، سيخفض من ضغط وسائل النقل ، سيمكن من الحدّ من انتشار الوباء، بحيث لن يحرم جزء كبير من السكان النشطين من اعمالهم ، خاصة عندما يخلد التلاميذ والطلبة الى بيوتهم مع توفير فرص و امكانية التعلّم لهم. كيف تعجز الدولة عن توفير الرّبط لمواطنيها بالشبكة العنكبوتية مجانا ، وعن توزيع اجهزة و لوحات ذكية خاصة لاولئك المحتاجين لها .

غير بعيد عنّا ، تحديدا في بلد شقيق مثل مصر وفّر هذه الخدمة لابنائه مجانا بل عمّمها ؟ ما قدر حاجتنا الى ديمقراطية غير قادرة على حمايتنا و ابعاد شبح الموت من امامنا ، بقدر ما تقتل الامل لدينا ؟ اصدقكم قولا : عجزت عن الاجابة … ماذا عساي اقول لهذا التلميذ ، كيف أجيبه ؟ هل أعلمه بالحقيقة المرّة ؟ هل أصارحه ؟ لتتضاعف مخاوفه أم اخدعه و ازرع في نفسه املا كاذبا آخر ؟ اليس من مهام المدرس ان يصدق تلاميذه و يزرع الطمانينة في قلوبهم ؟ هل أكذب عليه ؟ كما يكذب علينا ساسة هذا البلد ؟ هل من حقي أن أسرق منه املا وهو لا يزال في ربيع العمر ؟ هل يمكن أن أجانب الحقيقة في هذه السنّ وفِي هذه المرحلة من النضج ؟ لست انا من يصنع ذلك ؟ لا أقدر ! هل أقول له ؟ ان التربية والتعليم يا صغيري ليستا من اهتمام من يحكم البلاد اليوم ! .

الم تعلم ياصغيري ، أن صندوق النقد الدولي قد أعلن في تقرير رسمي أن أداء الإقتصاد المصري قد فاق كل التوقعات رغم تداعيات جائحة كورونا ، وهو الآن من أكثر و افضل إقتصادات العالم تعافيا و نموّا . بقدر ما نفرح للشعب المصري الشقيق الذي وجد رجالا أنقذوه ، بقدر حزننا لغياب الضمير في بلدي وانتشار اللصوص والمتاجرين بالوطن باسم الدين وغيره …

ان الشعب التونسي الذي يقال عنه ، انّه شعب متحضّر و مثقف أصبح يأكل القمح المسوس ويحرم من ثرواته بٱسم “ما تصح الصدقة كان ما يشبعوا إماليها” ..! كما اعلن رئيس البرلمان و زعيم النهضة الغنوشي . تدفن النفايات الإيطالية على أرض كانت مطمورة خيرات روما ، يرتع الفاسدون والمهربون والإرهابيون داخلها بكل حرية بٱسم حقوق الإنسان ..

تحولت مدخرات شعب و أمواله إلى غنيمة يتم تقاسمها بٱسم قوانين العدالة الانتقالية و العفو التشريعي العام ..! . وتنهب ثروات الناس بٱسم العدالة الإجتماعية و الحقوق الاقتصادية ، تخترق المؤسسات العسكرية والأمنية بٱسم التمكين و فتاوى جند الخلافة ،و تتحول المؤسسات الإعلامية إلى منابر لتبرير الارهاب و لتبييض الفساد وتمجيد الرداءة بٱسم حرية التعبير ، تزيف الإنتخابات وتسرق اصوات الناخبين وتباع وتشترى بالمال الأجنبي الفاسد بٱسم التحول الديمقراطي ، تدمر مكتسباته بٱسم اعادة التأسيس .

تصول و ترتع وتجول المخابرات الأجنبية في أرجاء البلاد ، يسفّر شبابه إلى بؤر الإرهاب بٱسم الدين والجهاد واقامة الخلافة ، وتتفكك مؤسساته بٱسم منطق المحسوبية و الجهوية و الاقطاعية ، وتنهار هيبة الدولة وشوكتها بٱسم الحكم المحلّي و اللامركزي ، وتتقاسم الاحزاب المناصب باسم الائئتلاف والتوافق ويحدث كل هذا السقوط والدمار تحت عنوان ” الديمقراطية “.

اعود لتلميذي بالسؤال : هل تعتقد بعد هذا ان الحكومة تفكر في تعلّمك عن بعد ؟ هل ان هذا النمط من التعلّم الذي غدا وسيلة معتمدة من وسائل التعليم التي شهدت تطوّرًا كبيرا في السنوات الأخيرة خاصة بعد انتشار جائحة الكورونا ممكن في ظلّ هذه الاوضاع في تونس ؟ لماذا التجأت الكثير من المدارس والجامعات في العالم لاستعمال تقنيات التعلّم عن بعد ؟ اليس حفاظا على سلامة التلاميذ والطلبة والمدرسين والاطار التربوي ؟ ماالذي ينقص بلادنا حتى تضمن السلامة لابنائنا في هذا الموسم الدراسي ؟ هل هو المال ؟ أم غياب الحوكمة و سوء التصرف ؟ لماذا لاتوفر الدولة للناشئة خدمة الانترنت و الحواسيب و لوحات ذكية ؟ اين المال ؟ اين الاولياء ؟ لماذا نزج بهم في منطقة الخطر ؟ لماذا لا يبادر حزب سياسي و يتولَى توفير هذه الخدمة الى وزارات التعليم ؟ لماذا لانرى ثروات و أموال هذه الاحزاب متدفقة الا عند الانتخابات ؟

الا يجدر بها لتلميع صورتها ان تفكر في هذه المسألة ؟ هل هنالك اجمل من هذه الفرصة بعد ان سقطت في وحل فساد السياسة ؟ يبقى الامل في تلاميذنا و اطفالنا الذين هم روح حياتنا ، وعطرها، هم البسمة البريئة، ورؤية الاشياء البسيطة السهلة الخالية من المشاكل، والهموم التي غرقنا فيها . لهذا ليس من خيار امامي الاّ ترك لنفسي مساحة خالية من شؤون السياسة و السياسيين . حيرة التلميذ و سؤاله هما اصلا ، عنوان نكبتنا في زمن هذه الحكومات التي تسلّطت على بلادنا .

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP