الجديد

شورى النهضة .. دون مفاجآت

خديجة زروق

اتنهت أشغال الدورة السادسة و الأربعين لمجلس شورى حركة النهضة اشغالها، التي احتضنتها على امتداد يومين مدينة الحمامات ، دون مفاجآت تذكر و دون توجه إلى مواقف حاسمة و قاطعة، في هذا الإتجاه أو ذاك رغم أن حرارة المناخ السياسي، تغري بالسير في نهج “التصعيد “.

و لكن يبدو أن لمجلس شورى حركة النهضة رأيا آخر، و هو الذي أصبح في السنوات الأخيرة من المواعيد التي تحظى باهتمام المتابعين للشأن السياسي، و الفاعلين فيه و ذلك بالنظر إلى وزن حركة النهضة و دورها في الخارطة السياسية، بوصفها من الحركات الوازنة التي تساهم في صنع ” المطر و الطقس الجميل ” حسب العبارة الفرنسية الشهيرة.

قد تكون الرغبة في ” الجنوح ” إلى التهدئة، و تجنب التصعيد مردها إلى جانب الرغبة في الظهور بمظهر ” حكيم الساحة “، القادر على التحكم في أعصابه، والشعور بأن السياق الوطني و الإقليمي لا يخدم الحركة كثيرا ، إذ افقدها الكثير من أوراق الضغط و جانبا كبيرا من وزنها الإنتخابي، حتى و إن ظلت الحركة السياسية الأولى في البلاد.

فقد أصبحت حركة النهضة دون حلفاء سياسيين تقريبا، و لم يبق لها حاليا إلا التعامل مع حركة “ائتلاف الكرامة “، التي لا يمكن نصنيفها كحركة “حسنة السمعة ” في المشهد السياسي، علاوة على أن تحركاتها الأخيرة و خاصة تلك المتعلقة بلائحة إعتذار فرنسا عن الحقبة الإستعمارية، قد احرجت حركة النهضة مع ” الصديق ” الفرنسي، و جعلتها تشعر أن الائتلاف يلعب على أرضية جانبا من قواعدها، التي يغريها مثل هذا الخطاب و التي قد تتسل و تغادرها تماما، كما فعل جانب من القواعد التي خيرت التصويت لقيس سعيد في الإنتخابات الرئاسية .

و من هذه الزاوية و بعد رسالة التهديد و الوعيد التي اطلقها نورالدين الطبوبي اليوم من صفاقس، اختار مجلس شورى حركة النهضة أن يهتم أساسا بالموقف من حكومة إلياس الفخفاخ، و بالإعداد للمؤتمر الحادي عشر للحركة الذي طال انتظاره .

ففي ما يتعلق بالموقف من الفخفاخ و حكومته، لم يكن من المنتظر منطقيا توقع موقف آخر كسحب الثقة أو دعم الرجل، إذ يتعين على الجميع إنتظار نتائج ما ستسفر عنه أعمال لجان التحقيق و في طليعتها لجنة التحقيق البرلمانية، لاتخاذ موقف نهائي من رئيس حكومة لا تحمله حركة النهضة في قلبها، كما يقال و قد يعيد لها رحيله جانبا من أوراق اللعبة السياسية، خاصة و أن إمكانية تعزيز ” الحزام السياسي للحكومة “، التي ترغب فيها حركة النهضة بشدة قد أصبحت أمرا شبه مستحيل، إن ظل إلياس الفخفاخ رئيسا للحكومة بعد مشروع لائحة سحب الثقة الذي سعت حركة قلب تونس و ائتلاف الكرامة لجمع امضاءات أعضاء مجلس نواب الشعب له.

النقطة الثانية و الهامة التي ناقشها مجلس شورى حركة النهضة، هي الإعداد للمؤتمر الوطني الحادي عشر للحركة. و تتأتى أهمية هذا الموعد من تداخل جملة من المعطيات. ذلك أن هذا المؤتمر هو ثاني مؤتمر تنجزه الحركة في تونس و في العلن، و هو أول مؤتمر مهم بالمعنى السياسي لأن المؤتمر العاشر الذي انعقد سنة 2016 كان احتفاليا بالأساس.

و ليس رهان الموقف من مواصلة راشد الغنوشي الاضطلاع بمهام رئاسة الحركة هو الرهان الأكبر للمؤتمر القادم لحركة النهضة. ذلك أن الانتقال من وضعية الحركة المحظورة و المستهدفة إلى وضعية الحركة التي لم تغب منذ 2011 عن صدارة المشهد السياسي قد فرض رهانات أخرى، و دفع إلى مواقع الإنتماء و القيادة أجيال جديدة لم تعد سردية الاضطهاد و الملاحقة الأمنية تمثل بالنسبة لها “تاريخا “،  لا ينتج معنى كبيرا للمستقبل خاصة و أن المشاركة السياسية، في مواقع القرار قد أوجدت فئة من ” المستفيدين “، و لو بالحد الأدنى من “غنيمة ” السلطة، و لم يعد ” الجيل القرآني الفريد “، إلا جزءا من ماضي الحركة،  خاصة و أن أغلب الرواد و المؤسسين قد غادروا الحياة الدنيا، أو صفوف الحركة و لم يبق منهم إلا راشد الغنوشي، الذي يمتلك ثقلا معنويا و سياسيا و تنظيميا لافتا.

و لكن “سيف ” النظام الداخلي للحركة يدفعه في إطار تكريس التداول على المسؤوليات للمغادرة. و هنا أيضا ارجأ مجلس الشورى الأمر للمؤتمر الوطني الحادي عشر للحركة الذي سيكون مدعوا لأن يختار بين الإبقاء على النظام الداخلي للحركة، كما هو أو تنقيحه بما يسمح لراشد الغنوشي بخلافة نفسه على رأس الحركة، التي أسسها منذ مطلع سبعيات القرن الماضي ، و تزعمها و لم يبتعد عن رئاستها إلا سنوات قصيرة لا تكاد تدرك أو تعد.

و لا شك أن عدة عوامل ستلعب دورا في وجهة الحسم في هذه المسألة،  و من أهمها كواليس الإعداد للمؤتمر لأن المؤتمر هو سيد نفسه، و من سيكون الأكثر تأثيرا على نواب المؤتمر، سيفرض كلمته و أيضا قدرة الدافعين في إتجاه فرض التداول على البقاء صفا واحدا ، و على تجنب الحسابات و الأوهام الذاتية ، علاوة على أن عاملا آخر سيلعب دوره و يرتبط بالثقافة السياسية السائدة في تونس.

ذلك أن التداول على المسؤوليات لم يتحول إلى “قيمة مقدسة “، و هو ما يعني إمكانية تجاوز شرط التداول علاوة على وجود “خصائص ” ترتبط بالثقافة السياسية للحركات الإسلامية .

ذلك أن الفكر السائد فيها هو بالأساس فكر أبوي لا يتحمس لقاعدة ” قتل الأب “، بل ينحو إلى تقديره و تبجيله و توقيره ، و هو أيضا فكر يعتبر أنه لا بد من رفع شعار” الوحدة المقدسة ” أمام كل ” استهداف خارجي “.

و قد يستفيد راشد الغنوشي، في هذا المستوى من ” المحاصرة اللصيقة “، التي يفرضها عليه بعض خصومه و خاصة عبير موسي ليتحول بقاؤه على رأس الحركة بعد انتهاء أشغال المؤتمر الحادي عشر إلى شكل من أشكال التضامن،  و التأكيد على تماسك الحركة و التزامها بالاخلاقيات والمبادئ التي تأسست عليها.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP