الجديد

عالم الاجتماع رضا بوكراع يكتب عن: “قيس سعيد و أزمة الديمقراطية التمثيلية في العالم”   

رضا بوكراع

يمثّل تحرّك الخامس والعشرين من يوليو، والثاني والعشرين من شهر أيلول 2021 في نظري الحدث نفسه. ولكن يمكننا أن نتساءل: وما هو الحدث؟ إنّه قطيعة في استمرارية على المستوى الآنــــي وعلى المستوى التّاريخي. بمعنى آخر، إنّ الحدث ما هو إلاّ قطيعة تنشأ في إطار بنية متماسكة مستمـرّة الحركة، والّتي هي جهاز أو منظومة وقع تشكيلها لاستبعاد حدوث أيّ حدث طارئ.

وانطلاقا ممّا تقدّم بيانه يمكننا القول إنّ الحدث هو حادث أو عملية انحدار أو صعود في الكـــــــــون حيث ساد الجوهر على حساب الوجود، واستمرارية الجوهر الثابت على حساب تغيير الظّاهــرة. وكذلك هيمنة التزامن (البنية أو الهيكل) على حساب التّاريخية (التّاريخ)

لكنّ الحدث المدويّ الّذي قاده قيس سعيد لم يؤثر على التصوّر التونسي المتجسّد في ديمقــــــراطيتها التّمثيلية الوليدة التي ينخرها التعفّن، بل أثر بالمثل على التّصور الغــــربي المعاصر الذي تجسّده ديمقراطيته التمثيلية المتعثرة.

لقد هزّت حركة قيس سعيد القويّة كوكب الدّيمقراطية، الذي يشمل كلاً من العالم الليبــــــرالي المتدهور والدّيمقراطية التونسية، التي كانت على شفا الهاوية

لكن الحدث المزلزل يعري ما يخفيه الدّيمقراطية التمثيلية من قوى خفية تقوّض الدّيمقـــراطية التمثيلية الغربية من الدّاخل. إنّه يكشف عن ارتباط وتضامن هذه القوى القائمة في الدّيمقـــراطية الغربية والدّيمقراطية التونسية

وهكذا نلاحظ أنّه نفس اللّوبي الذي يضغط في الشّبكات الاجتماعية لإعادة تلميع صــــورة الإخـــوان المسلمين التّونسيين، ويستنجد بالكونجرس الأمريكي لدعم الدّيمقراطية التي أسّسها هـؤلاء الإخوان المسلمون وحلفاؤهم الموضوعيون، والتي أدت إلى كارثة صحيّة واقتصادية واجتماعية.

ولا شكّ أنّ هذا المـوقف يكشف عن أزمة الحزب الديمقراطي الأمريكي واختراقه من قبل جمـاعات الضغط المؤيدة للإخوان المسلمين والتي أثبتت أنّها معادية للقيم العالمية والعلمانية للدّيمقـراطية التّي حشدتها في خدمة التنمية وليس في خدمة نفسها، والتي توجّه أجندتها أكثر نحو إقامة دولة إسرائيل وتغيير خـــــــريطة العالم العربي من خلال الإسلاموية أكثـــر من إقامة الديمقراطية في الدّول الفقيرة.

تستخدم مجموعات الضغط هذه التي الظرف الدّيمقراطي لفرض نموذج ديمقراطية تمثيلية مــأزومة حتى لو كانت تخفي الفساد والمساومات، والتنكّر لمطالب الشّعب، وهو نموذج متواجد في سيــــاق الاتحاد الأوروبي الذي تأثرت أيديولوجيته الدّيمقراطية سلبًا بحركة قيس سعيد مثلما تأثّرت سابقا بقرار السّلطات البولندية الّتي اعتبرت قانون الاتّحاد الأوروبي غير متوافق مع القانون الوطني البولندي

لقد تعرّض الاتّحاد الأوروبي في كلتا الحالتين للهجوم ليس فقط قانــونيًا ولكن سياسيًــــــــــــــا ضدّ القيم الدّيمقراطية التي يتبنّاها

أمّا بالنّسبة إلى تونس الّتي تقع خارج دائرة الاتّحاد الأوروبي ولكنّها تستفيد من مساعـــــداته، كما تستفيد منه اليونان المنظمّة إليه بمساعدات مالية كبيرة. فإنّ الأمر الزّجري الضّروري المفـــــــروض عليها هو تطبيق النّموذج الدّيمقــــراطيّ الأوروبي حتى لــــو تبيّن أنّه لا يتماشى مع خصــــوصيات واختلافات المجتمعات الّتي يتوجّهون إليها، وحتى إن أدّى النّموذج المفروض إلى كـــــــــــارثة متعدّدة الأوجــــــه.

إذا حلّت الكارثة، فليس حدوثها بالنّسبة إلى الغرب بسبب المؤسّسات الدّيمقراطية ولكن بسبب الحكّام كما لو أن المؤسسات يمكن أن تعمل بشكل مستقلّ عن رجال الدّولة وثقافتهم.

نحن ندرك أنّ الغربيين يتظاهرون بتجاهل أنّ نموذج التّمثيل الدّيمقراطي يمرّ بأزمة وأنّه على الـــــرّغم من أزمته تلك، فإنّهم مصمّمون على تصديره كما هو، ويشترطون تقديم المساعدة على تطبيقه بشكل رسميّ. وقد أدّى ذلك إلى تفاقم أزمة الدّيمقراطية في العالم الغربي الليبرالي ومنع تحقيقها في البلدان التي تطمح للوصول إلى الدّيمقراطية المثلى.

بهذا نتبيّن أنّ النّموذج الدّيمقراطي معرّض لخطر الانحراف، وبدلاً من أن يكون في خدمة النّــــاس في جميع أنحاء العالم، إذا به يتحوّل إلى شكل جديد من أشكال الهيمنة وكبح جماح التّنمية في البلدان الفقيرة نظرا لكونه يوطّد سلطة طبقة سياسية فاسدة، وهو يمثّل كذلك عقبة أمام البلدان المتقدّمة في استجـــابتها لتحديّات تغيـّـــــر المناخ ومخاطر الأوبئة.

إنّ الأشكال التي تنبثق عن أزمة الدّيمقراطية لا تزال أشكالاً ديمقراطية، ولا تزال تدعي أنّها ديمقراطية. وهي غالبًا ما تكون أشكالًا راديكالية من الدّيمقراطية. من ذلك أنّه في فترة ما بين الحـــربين العالميتين، وُلدت أزمة الدّيمقراطية الفاشية الإيطالية والألمانية والشّمولية السّوفيتية

كما أدّت معارضة جماهير الفقراء في أمريكا اللاتينية لأوليغارشية الأغنياء في ظلّ غياب الطبقات وخاصّة الطبقات الوسطى إلى ظهور شعبوية تدّعي أيضًا أنّها ديمقراطية حقيقية.

ماذا ستفرز أزمة الدّيمقراطية في الغرب مع تفقير الطبقات الوسطى إضافة إلى تراجــــــع حركة التّصنيع واستفحال البطالة وعودة الدّين إلى الواجهة وتراجع سيادة القانون والقانون الدّولي؟ وما هــــــو الشّكـــــل الدّيمقراطي الذي سيولّد راديكالية الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين؟ كان هنـاك بالفعـــــــل ترمب     وبولسونارو(البرازيل) مودي(الهند) دوتيرتي (الفلبّين). فماذا سيكون مستقبل الدّيمقـراطية في القرن الحادي والعشرين؟ هل ستكون شعبوية ديمقراطيّة؟

أمّا في تونس، فإنّ تفقير الشّعب مقابل أوليغارشية متحكّمة في الثّروة، والّتي شرّعتها الدّيمقــــراطية الفاسدة ووجدت دعما من الدّيمقراطيات الغربية، وجدت نفسها أخيرا في أزمة وانحدار. وهذا الــــوضع هو الّي أدّى إلى ظهور قيس سعيد وصعوده. فأيّ شكل ديمقراطي سيختار؟

ليس لنا إلاّ أن ننتظر ماذا سيحمل لنا المستقبـل. فلا أحد يستطيع أن يتــــوقّع المستقبل سيخبرنا لا أحد يستطيع أن يتوقع ما سيحدث، فالمصفوفة الدّيمقراطية متعدّدة.  ونحن دخلنا منطقة غير متــــوقعة من المجهول، هي منطقة الحدث والنّكبة: سيكون هناك سقوط أو صعود. فالدّيمقراطية في الدّول الفقيرة مثلها مثـــــــــل البطل الأسطوري إيكاروس، الذي فقد أجنحته الشّمعية أثناء تحليقه نحـــــــــــو الشمس بعد أن تساقطت وتحوّلت.

ترجمة: شعبان العبيدي

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP