الجديد

عدنان منصر يكتب عن: الاحتجاجات و “الحكومة وفراشها و وسادتها”

كتب السياسي والأكاديمي عدنان منصر تدوينة مطولة نشرها على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) عن: الاحتجاجات و “الحكومة وفراشها ووسادتها”.. في ما يلي نص التدوينة:

هل القول أن هذه الحكومة، بفراشها ووسادتها، لن تكون قادرة على الاستجابة لمطالب المحتجين هو قول مغامر أو مبالغ؟ أعتقد أنه التصنيف الأدنى لما يقع. تابعت كلمات رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس الحكومة، وتابعت كذلك مداخلة وزير الدفاع في المجلس اليوم، وزدت قناعة بأنه لا حلول، ولا قدرة على الفهم، ولا استعداد للفهم بتاتا. فيما عدا رئيس الجمهورية، فإن كل الآخرين كانوا مخيبين للآمال… بل أقول أنه لم تكن فيهم آمال أصلا قبل أن يتكلموا.

في حين ينتظر “محللو” الوسادة أن يسمعوا أو أن يقرؤوا “شعارات” تساعدهم في فهم ما يحصل، ويهددون بعدم الاعتراف بالاحتجاجات طالما لم يتم ذلك، وأنه “ليست هناك ثورة على الديمقراطية”، يستمر الوضع في الإفلات من الجميع. الحقيقة أن تهافت خطاب “الوسادة” يجعلها ليست “خالية” من العقل فقط، بل من العقل والضمير.

وجود مراهقين يكسرون ويحرقون، لا يعني أن الاحتجاجات غير شرعية. هو يعني أنها خطيرة، ولكن هل بإمكان أحد من موتوري الحكومة ووسادتها أن يرى ذلك؟ هل بإمكانهم أن يفهموا أخيرا أن الوضع برمته مهدد، وأن مواقعهم ليست إلا تفصيلا تافها في هذا الوضع؟ ما معنى أنه “لا ثورة ضد الديمقراطية”؟ أصلا، هل نتفق جميعا أن ما يحدث هو “ديمقراطية” من النوع الذي لا يمكن ولا يجوز أن يثور عليها أحد؟

لنحاول، بعيدا عن تعاسة محللي الوسادة المذعورين، أن ننظر لديمقراطيتنا العتيدة من زاوية هؤلاء “المراهقين”. مالذي تعنيه بالنسبة إليهم؟ ما هو المكسب الواقعي من ديمقراطية لا تطعم خبزا ولا يرى الناس نتيجتها في أطباقهم، وفي أسقف بيوتهم، وفي محافظ أطفالهم؟ ما هي قدرة الناس على تحمل ديمقراطية أضحت مجرد تقنية لتحيل واسع المدى، وأقصر السبل للثروة، واللصوصية، والإفلات من العقاب؟ هذه في الحد الأدنى زاوية نظر أولئك “المخربين” الذين لا يحملون شعارات يستطيع محللو الوسادة قراءتها.

إذا لم تر “الوسادة الخالية” كل ذلك، وتعتقد أنها سترى شعارات بالأزرق والأحمر، فإن الأمر يتعلق بعمى لن يزول قريبا. إن “كره الديمقراطية” بما هي تلك الصفات، قد أدى حتى إلى إعراض “المراهقين” عن استعمال ما تسمح به من حقوق، تلك التي “يكفلها الدستور”، من تظاهر سلمي في الشوارع الرئيسية للمدن، من رفع العرائض، من بناء الشعارات الموزنة والمقفاة… إلخ. نعم، حتى ما ينتظره الجهابذة من شعارات “ستساعدهم على فهم ما يحدث” لن يحصلوا عليه. القطيعة كلية، وشاملة، وباتة.

لماذا تعجز الحكومة ووسادتها عن فهم ما يحصل؟ لأن الحكومة ووسادتها غير قادرتين على الاستجابة للاحتجاجات. لماذا هما غير قادرتان على إنجاز شيء؟ لأن المنظومة التي تعبران عنها هي منظومة في خدمة الأغنياء، وغير قادرة على أن تتحول إلى منظومة حكم إجتماعية. في انتظار ذلك فإن ما يهمهم هو تهديد الناس “بتنفيذ القانون”، “باعتقال المخربين”، بتسليط أشد العقوبات عليهم. غريب أن يأتي ذلك ممن عانى القمع لأقل من المطالب الحالية للناس. محزن أن ينتهي “ثوار الحكم” إلى هذه النهاية المخزية.

هذه الدولة لم تعد تلزم هؤلاء “المخربين” في شيء. هذا هو الأمر. لا يجدون أنفسهم فيها، ولا يرون منها سوى هراواتها. لا يرون في البرلمان اليوم سوى تجمع للمحتالين، ولا يرون في الحكومة سوى إدارة للتصرف في إنعدام العدالة. أما الديمقراطية فقد أضحت الغطاء الشرعي لكل هذه الكوارث ولكل البؤس الذي يكمن تحتها.

بإمكان أبناء الوسادة أن يواصلوا إنكارهم وحمقهم. هم تفصيل بسيط فيما يستهدفه “المخربون”، ولا أحد من هؤلاء يلقي إليهم بالا أصلا. هم يستهدفون دولة توقفت عن القيام بواجباتها، دولة تعود بخطى حثيثة إلى وضعية المزرعة. قد تنشأ عما يحدث فوضى عارمة، اليوم غدا أو بعد عام. التوقيت تفصيل صغير. ما هو متأكد أن الناس لفظت هذه الدولة وأن الدولة تحتاج اليوم جهدا أكبر من أجل استعادة ثقة “المخربين”… ما هو أكثر تأكدا أنها لن تستطيع أبدا إنجاز ذلك بهذه الوسادة، أحزابا ومجلسا وحكومة…

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP