الجديد

علم الاجتماع و حركات الاسلام السياسي: عودة المقدس وتحوله لحراك احتجاجي .. المثال التونسي 3 من 4/

منذر بالضيافي*

اهتم الباحثين في علم الاجتماع  في تونس،  سواء في اطار قسم علم الاجتماع بالجامعة التونسية، أو في مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، مبكرا بظاهرة الإسلام السياسي، وذلك منذ نهاية سبعينات القرن الماضي، تاريخ بداية تشكل أوظهور “الجماعة الاسلامية”، التي تحولت الى “الاتجاه الاسلامي” (الثمانينات)، ثم حركة “النهضة” (منتصف التسعينات)، والتي عرفت تحولات كبيرة، من جماعة دعوية (عودة المقدس) الى حركة سياسية تقوم على “أدلجة” الدين (الاسلام الاحتجاجي/النضالي).

 

2/ الصراع حول الهوية .. الصراع حول الدين

وهنا لابد من العودة الى تناول العلاقة المتوترة لدولة الاستقلال مع الشأن والمسألة الدينية عموما، وهي من أهم وابرز الأسئلة التي  طرحت على الدولة الوطنية بعد الاستقلال، لا في تونس فقط بل في العالم العربي والاسلامي بكل أقطاره.

وهو ما تطرق له أستاذ علم الاجتماع في الجامع التونسي المنصف وناس في بحث معمق تناول موضوع : “الدين والدولة في تونس : 1956 – 1987” ، الذي اشار فيه الى أن المسالة الدينية أو الشأن الديني وضعت في “قلب العمل المؤسس والسياسي للدولة التونسية بعد الاستقلال”. /10/

كما يؤكد وناس على أنه ودون مبالغة، فان المسألة الدينية طرحت بنفس الحاحية بناء مؤسسات الدولة الحديثة وخيار التنمية. الى الحد المجازفة بالقول أن المسألة الدينية، تم التعامل معها بمثابة الايديولوجيا السياسية للحزب الحاكم في عهدي الرئيس المؤسس للدولة الحبيب بورقيبة وأيضا الرئيس الذي جاء بعده زين العابدين بن علي. /11/

وفي هذا السياق تم تكليف أساتذة وخبراء وجامعيين بالاهتمام بالموضوع واعداد دراسات للحزب والدولة، والتأكيد في الخطاب السياسي والاعلامي على أن “الدولة هي حامية الدين والشأن الديني”، فالدين كان – ولا يزال – مكون رئيسي ل “شرعية” الدولة و الحكم. وبالتالي “فان الدولة سعت الى احتكار التكلم باسم الدين وحمايته، وتوظيف الدين سياسيا، ودخلت في صراع مع الحركات التي عملت أو أرادت منازعتها على احتكار الدين أو التكلم باسمه” /12/

وكان عالم الاجتماع المصري، سعد الدين ابراهيم، قد تطرق في ورقة بحثية الى “الصراع حول الهوية وحول الدين” في العالم العربي. والذي تطرق فيه الى “مصادر الشرعية في أنظمة الحكم العربية”. اذ أن مفهوم “الشرعية”، مفهوم أساسي في العلوم الاجتماعية، أول ما نجده في أدبيات ابن خلدون، وأساسا مع عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر ، الذي يعد من رواد علم الاجتماع الديني. /13/

3/ أزمة النظام .. أزمة المعارضة اليسارية، وظهور الاسلام السياسي

 

يعتبر عبد القادر الزغل، أن ظاهرة “عودة المقدس” ركزت على استهداف فئة الشباب وانتشرت في صفوف الشباب المدرسي والجامعي، وذلك خلال نهاية الستينات من القرن الماضي، بعد فشل النمط التنموي وبداية ظهور مؤشرات الأزمة الاجتماعية والايديولوجية للنظام.

وقد تقاطعت هذه الأزمة المركبة الاجتماعية والاقتصادية، مع فترة المراهقة والاندفاع لدى الشباب، فضلا عما صاحب تلك الفترة من تصاعد الخوف لدي هذه الفئة الشبابية، خوف على المستقبل. ضمن هذا الفراغ وجد العرض الايديولوجي الجديد (الاسلام السياسي) الفرصة سانحة ومناسبة للتمدد والانتشار، وهو ما عجزت عن سده التيارات اليسارية والماركسية.

عرض ايديولوجي جديد، طرح سؤالين أساسيين، هما:

1/ مشكل أزمة الهوية الثقافية لدى الشباب وفي المجتمع

2/ أزمة المنوال التنموي، الذي تمظهر من خلال غياب المساواة والعدالة الاجتماعية

بين الزغل، أن اليسار الماركسي لم يكن قادرا على الاجابة عن السؤال الأول، ووحدها التعبيرية الدينية الجديدة للإسلام، كانت قادرة على تقديم جواب عن السؤالين، الذين طرحا بقوة لدى الشباب التلمذي للعائلات البرجوازية وأيضا للطبقات الشعبية.

كما عرفت تلك الفترة ظهور وتنامي في أعداد المحجبات – الذي كان يعني حينها ولا يزال رمزا سياسيا أكثر منه واجب ديني – ما كشف عن وجود تمزق وحيرة  تشق المجتمع التونسي آنذاك. في هذا المناخ بدأت تنتشر العادات والتقاليد وأيضا مظاهر التدين، كما خرج بعض أساتذة الزيتونة “جهرا” للدفاع عن الأخلاق والنظام الاجتماعي، ولقد كان التصور العام لهذه العودة للمقدس تغلب عليه الرؤية السلفية.

لكن، الجديد واللافت للانتباه، أن العودة الحقيقية للإسلام، برزت وتجلت في الوسط الشعبي، على خلاف الوسط الريفي، الذي يعطي مكانة ودورا للأولياء، وكل ما من شأنه أن يلعب دور الواسطة بين العبد والله. هؤلاء وان كانوا يهتمون بالانهيار الأخلاقي والقيمي، الا أن الجديد تمثل أيضا في اهتمامهم بالعدالة الاجتماعية وغياب الحريات الديمقراطية.

فمثلما كان العلماء والأعيان يهتمون بالماضي، فان هؤلاء الشباب الذي تبنى الايديولوجية الجديدة، يهتم بالحاضر وبالمستقبل، مستقبلهم الخاص تحديدا. و مثل وجودهم في المبيتات المدرسية والجامعية، بعيدا عن أسرهم مناسبة للبحث عن مجموعات انتماء، للخروج من العزلة.

ولم تكن هناك مؤسسات قادرة على استيعابهم حينها الا المساجد، وبرزت في تلك الفترة وخاصة في العاصمة والمدن الكبرى، حلقات درس في المساجد، نشطت بعيدا عن مراقبة السلطة والمجتمع، ومثلت تلك الحلقات أطر لبروز ونشأة الحركة الاسلامية في تونس، ما يبين بوضوح أن الطلب الايديولوجي سبق العرض الايديولوجي، الذي كما أشرنا أنه وبرغم مظاهر التنوع في الخطاب الا أن الفكر السلفي هو الذي كان مهيمنا.

وأوضح عبد القادر الزغل أنه و في البدايات، كان هذا الخطاب لا يهتم بالسياسة بل بالسلوك العام في العائلة وفي المدرسة، وكان يركز على ضرورة عودة المرأة للبيت. وهو خطاب يعادي التيارات اليسارية والماركسية، ويعتبرهم العدو الأول، ويمجد العلماء. لكن، سيشهد هذا الاخطاب تحولا كبيرا مع نهاية السبعينات، ليصبح مهتما بالجانب الاجتماعي، والعدالة الاجتماعية، وتزامن ذلك مع انتصار الثورة الخمينية في ايران. /14/

وبداية من ذلك التاريخ، أصبح الخطاب ايديولوجي ذا صبغة احتجاجية، مثلما سنتطرق اليه في الجزء الثاني من هذه الورقة، من خلال رصد لما أطلق عليه عالم الاجتماع التونسي عبد الباقي الهرماسي: “الاسلام الاحتجاجي”، الذي تبلور خاصة داخل الحرم الجامعي، الذي كان يعد معقلا للتيارات اليسارية الماركسية.

 

ثانيا: من جماعة دعوية الى حركة احتجاجية مسيسة

مثلما اشرنا في الجزء الاول من هذه الورقة، فان الباحث عبد القادر الزغل، هو اول من دشن الاهتمام السوسيولوجي في الجامعة التونسية، بظاهرة الاسلام السياسي، التي اعتبرها بمثابة “عودة للمقدس”.

عودة سنلاحظ أنها فتحت لاحقا المجال أمام المشتغلين في حقل علم الاجتماع لتناول الظاهرة والقضايا المرتبطة بها، خاصة مع تحولها الى تيار احتجاجي، نجم عنه التسريع بتصادمها مع النظام السياسي.

وفي هذا السياق برزت عدة أعمال هامة لعل أبرزها لعبد اللطيف الهرماسي، الذي أعد سنة 1983 بحثا جامعيا في اطار شهادة الكفاءة بالبحث، تحت عنوان: “الحركة التمامية في تونس”، نشره في سنة 1985 تحت عنوان جديد، هو : “الحركة الاسلامية في تونس .. اليسار الاشتراكي، الاسلام والحركة الاسلامية”.

كما يعد أيضا الدكتور عبد الباقي الهرماسي، أحد أبرز الباحثين في حقل علم الاجتماع الديني، وفي دراسة ظاهرة الاسلام السياسي في تونس، نشر في نهاية الثمانينات دراسة هامة، حول “الاسلام الاحتجاجي في تونس”.

وان حرص عبد القادر الزغل ومثلما بينا في الجزء الأول من هذه الورقة على البحث في أسباب ودواعي “عودة المقدس” أي بروز ظاهرة الحركة الاسلامية في تونس الذي مثل عرض سياسي استفاد من حالة الفراغ الذي نجم عن أزمة النظام السياسي وعجز التيار اليساري الماركسي عن سد الفراغ الأيديولوجي. وخلص الى تطور اهتمامات الخطاب الاسلامي من البعد الأخلاقي والقيمي الى الاهتمام بالمسألة الاجتماعية والسياسية، وهو ما سيركز عليه أساسا عبد الباقي الهرماسي، في دراسته حول “الاسلام الاحتجاجي في تونس”، وهو عمل ميداني هو الأول حول الظاهرة.

 

1/ من الاسلام الدعوي .. الى الاسلام النضالي

نلاحظ أن الهرماسي يعود أيضا لذكر نفس الأسباب التي أتى عليها عبد القادر الزغل والتي يرى كلاهما أنها كانت وراء بروز الحركة الاسلامية، والتي تتمثل في “مهاجمة النخبة التحديثية للإسلام المؤسساتي في شكل علني، وتفكيك هياكله التحتية باسم اصلاح منهجي للوضع الاجتماعي والثقافي”.

ويتابع الهرماسي، بأن “هذا المشروع الذي ارتكز على تصميم القيادة السياسية والذي أسهم فيه معظم أصحاب الشهادات الحديثة، قد ترافق بموقف بالغ السلبية ومهين ازاء الاسلام التقليدي”.

في مستهل بحثه تطرق عبد الباقي الهرماسي الى أسباب الاهتمام بدراسة حركات الاسلام الساسي، مشيرا الى “تعدد الدراسات حول الاسلام المناضل في أيامنا هذه. وذلك لأسباب متنوعة: فراغ ايديولوجي … اعتبارات جيو- استراتيجية للقوى العظمى … مخاوف حكومات العالم الثالث …”. ويلتقي الهرماسي مع ما ذهب اليه الزغل من عودة اهتمام العلوم الانسانية والاجتماعية ب “علم الثقافة التقليدية والشعبية، ثقافة الشيوخ وآيات الله، الذي اعتبرناه قبر نهائيا، والذي يعود اليوم على الساحة تحدوه روح الثأر”./15/

وفي هذا السياق يذهب الهرماسي الى ضرورة القطع مع ” مواصلة النظر الى الاسلام كجوهر فوق تاريخي بالتعريف، يمنعنا من التمييز بين الاسلام l’islamوالالتزام الاسلامي  l’islamisme، أي بين ديانة وبين مسار أدلجة هذه الديانة. لقد حزمنا أنفسنا منهجيا على محورة التحليل حول ما تختص به الحركة الاسلامية، كحركة اجتماعية تستمد منطقها وأسباب نموها من تطور المجتمع التونسي، أكثر منه حول ما تمتلكه من نقاط التقاء مع الحركات الشبيهة بها في أنحاء العالم”. /16/

يرجع الهرماسي ظهور الحركة كردة فعل على تهميش واقصاء الدين من الفضاء العام والمؤسساتي.

ولكنه مع ذلك لا يعتبر ذلك السبب الوحيد لعودة ظاهرة التدين، بل انه يردها أيضا الى ما يسميه ب “الالتزام الاسلامي”، على تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، فضلا على الأوضاع العربية، التي خلفتها أزمة هزيمة 1967، كلها عوامل ساعدت على “انتشار موجة التدين التي ظهرت في البلاد”. /17/

بالعودة لمكونات القاعدة الاجتماعية للحركة الاسلامية، يتبين أنها في غالبيتها من الوسط الشبابي ( التلمذي والطلابي).. فمن خلال بحث استطلاعي ميداني قام الدكتور عبد الباقي الهرماسي برصد مجموعة من الخصائص المميزة للحركة الاسلامية:

 

*** قوة الدعوة في الوسط الريفي، واساسا في القرى حيث يساعد فضاؤها على تمتين الدعاية

*** كثافة عدد الاسلاميين في الكليات العلمية، وانخفاض عددهم نسبيا في كليات الآداب والعلوم الاجتماعية والانسانية

*** المشاركة الواسعة للنساء، وهي مفارقة ثنائية، اذ أننا في اللحظة نفسها نشهد غيابا للمشاركة النسائية عموما في الحياة الثقافية للبلاد، وكذلك رواجا لفكرة أن الايديولوجية الاسلامية مناقضة لحقوق المرأة.

لمزيد السعي لفهم الظاهرة يقول عبد الباقي الهرماسي أنها “قلبت رأسا على عقب الخريطة السياسية والايديولوجية للبلاد، يجب أن نكون لأنفسنا صورة أكثر دقة عن قاعدتها الجهوية والاجتماعية والاقتصادية”.

*** على المستوى الجهوي، هناك تركز للانتشار في العاصمة تونس، وهذا طبيعي بالنظر للثقل السياسي والديمغرافي وكذلك الثقافي “لمدينة لها منزلة دولة”، وفق تعبير الهرماسي. تأتي بعد العاصمة، جهة الساحل، تليها الجنوب والوسط وأخيرا الشمال الغربي.

أما من حيث الانتماء الاجتماعي للمناضلين الاسلاميين، فان غالبيتهم ينحدرون من الطبقة الوسطى .

كما استطاعت الحركة ومثلما بينا في طيات هذه الورقة ان تكسب قلوب الشباب الذي بدأ يشعر بأن توقف الحراك المجتمعي بسبب أزمة الدولة وخياراتها الاجتماعية والاقتصادية سيكون هو أول من يدفع ضريبته لذلك نجده ارتمى في أحضان هذا العرض الأيديولوجي الجديد وهم في غالبيتهم من الشباب الذين ينتمون الى العائلات الفقيرة ومحدودة الدخل من الذين تفاعلوا مع خطاب الحركة الموجه لاستقطاب فئة “المستضعفين” (الفقراء والمعدمين).

ويقول عبد الباقي الهرماسي معلقا على ذلك أنه “اذا كانت النزعة الاسلامية تقدم نفسها صوتا للمستضعفين، فإنها لا تعني بذلك التدليل على أنها تمثل مجموعات معينة من الشعب، لأنها تريد نفسها ضمير الأمة بتمامها، في حركيتها المستمرة، ولذلك فان الحركة لا تتحيز الى المستضعفين الا في مجتمع لم يتحول بعد تماما الى “اسلامي”، ولذلك فهو يفرز فوارق اجتماعية وصراعات طبقية، وذلك تأسيا بالرسول الذي يروى أنه كان يفضل صحبه الفقراء”. /18/

 2/ الاسلام السياسي .. حركة طائفية

 

ولعل الامر اللافت للانتباه هو النزعة “الطائفية” لدي المنتمين ل “الجماعة”، اذ أن “الانتماء الى الحركة الاسلامية يعني تسجيل مسافة فاصلة عن الرؤية الرسمية للواقع، وانتهاج رؤية اسلامية للأشياء  (…) في عملية بحث متواصلة وملحة التماسا لمنظور مغاير وحقيقة مغايرة، أي التماسا لل “بديل” /19/   .

وبالتالي نزعة لخلق مجتمع موازي، وعلى هامش الحراك السياسي والثقافي الرسمي، وهنا يبرز ذلك من خلال “التربية الحركية” للمنتسبين، و “في هذا الصدد، ومن بين الكتاب الذين هم أكثر رواجا لدى الاسلاميين، نجد محمد باقر الصدر وعلي شريعتي وسيد قطب”.

وهو اختيار موجه وله دلالاته وخلفياته “فبالنسبة الى الطلبة الذين يبحثون عن قيادة ايديلوجية، فانهم يجدون مبتغاهم في محمد باقر الصدر ( عراقي- شيعي)  و علي شريعتي ( الذي يطلق عليه معلم الثورة الايرانية) اللذين يرشدان الى المنهج الذي ينبغي انتهاجه في مواجهة التيارات الكبرى للفكر المعاصر. أما سيد قطب (أحد كبار منظري المدرسة الاخوانية) فانه يفتح الطريق الى نزعة مناضلة ومشهودة في تاريخ الاسلام السياسي، وهي نزعة الصرامة والأصولية والتمرد، ضد كل نظام حكم ليس اسلاميا على نحو ملائم” /20/.

يبرز مما تقدم التنوع في مصادر التكوين لدى الحركة الاسلامية في تونس، التي نهل مؤيدوها بين الخمينية التي كانت محل انبهار لحظة قيام الثورة الايرانية وما بعدها،  وأيضا المدرسة الاخوانية في خطها “الاحتجاجي” والرافض للمجتمع والناعت له بالجاهلي، وفي الواقع فان الرافدين “الاخواني والخميني) يكملان بعضهما البعض ولا يتناقضان.

كما سيبرز وقع وتأثير هذا التكوين في تحولات الحركة الاسلامية في تونس من جماعة دعوية الى حركة احتجاجية/ مناضلة  تخطط لافتكاك الحكم، “ويكاد الاسلاميون يعتبرون الاسلام المناضل حصيلة فكر هؤلاء الثلاثة، فقد أقاموا أسسه النظرية، ومن أجله قضى كل منهم نحبه شهيدا”.   /21/

أحدثت الثورة الايرانية (1979) زلزالا، في تصورات الجماعة الاسلامية في تونس ورؤيتها للتغير وخاصة علاقتها بالشأن العام في بعديه الاجتماعي والسياسي. فلقد “نبهت الثورة الايرانية بدورها، طموح الاسلاميين الجارف، وشحذت فهمهم لممارسة الحكم. فشهوة الحكم الكلياني الموجودة دائما في شكل ضمني في نزعة الالتزام الاسلامي المعاصر قد تحققت أخيرا، ولم تعد الطوبى مقبولة فقط واقعيا بل غدت ممكنة أيضا. فالثورة الايرانية قد أثرت على الحركة الاسلامية كما زلزلت أيضا الوطن العربي بل والعالم أجمع”./22 / .

ومنذ قيام الثورة الايرانية، “عرفت الحركة نتيجة لذلك تحولا فعليا، سواء على مستوى المفاهيم أو على مستوى التعبيري، اذ بدلا عن الاسلام الجوهر – اللاتاريخي جاء الاسلام الثوري، وعوضا عن الدفاع عن الثقافة الهامشية للنخبة حل اسلام شعبوي و كلياني متحيز للمستضعفين وذو فحوى اجتماعي عميق، ومعاد للامبريالية”. / 23/

في ظل هذا المناخ الأيديولوجي الجديد، يقول عبد الباقي الهرماسي ومن خلال استناده الى دراسة ميدانية وفق عينة عشوائية فان عدد المنتسبين الجدد للحركة ارتفع بنسبة تفوق السبعين بالمائة ( بين 1976- 1980) أي بعد انتفاضة الخبز في تونس (1978)  وبعد قيام الثورة الايرانية (1979)، وبداية رصد لبداية التحول من “شبه طائفة الى حركة سياسية”، وفق قول الهرماسي.

وقد عمل عبد الباقي الهرمسي على تجنب اعادة انتاج التفسير والتحليل السائد الذي يحشر كل الحركات الاسلامية ضمن التيار الاخواني أو التعاطي معها كما لو أنها “تجل لجوهر فوق – تاريخي” ويتابع “لقد كان هدفنا أن نقيم سوسيولوجيا ما نعتبره حركة اجتماعية، حركة لا تستمد معقوليتها الا من كونها استجابة لمجتمع يعيش التحولات”.

وأشار الهرماسي الى نهج اسلاميي تونس في المراهنة على التغيير عبر الديمقراطية، مشيرا الى تراجع تكوين البدايات الراديكالي لصالح خطاب سياسي أكثر واقعية في تأكيد على خصوصية الاسلامية التونسية.

لكن هذا لم يجعله يسير الى  ضعف ارتباط الكثير من المنتسبين للحركة بالدولة التونسية مع التأكيد على وجود فئة هامة “قطعوا مع الدولة والواقع القومي، ويشبهون صورة المناضل من نمط “التكفير والهجرة”.

يتبع …

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP