الجديد

على هامش زيارة قيس سعيد لمصر .. لا نُصدّر ثورة ولا نستوردُ استبدادا

المهدي عبد الجواد

لم تمرّ زيارة الرئيس التونسي قيس سعيّد الى مصر بدعوة من رئيسها عبد الفتاح السيسي، دون اثارة الضجيج واللغط في تونس. فالنظام في مصر نقيض للنظام الموجود في تونس. فبين تجربة ديمقراطية سلمية تعيشها تونس “رغم تأزمها” و عودة “السلطة القهرية” في مصر فرق كبيرٌ، ومكنت زيارة الرئيس سعيّد المنتخب بحرية ونزاهة في تونس “المُشير” السيسي من اعتراف هو في أمسّ الحاجة اليه دوليا.

وإذا أضفنا الى ذلك تعمّق الأزمة السياسية الحاليّة في تونس، فإن الزيارة اتخذت تأويلات شتى لم تُجمع عليها النّخب السياسية التونسية، خاصة وان الرئيس سعيّد «منتخب من الشعب» ويُعبّر على إرادته الحُرّة.

لقد حرص الرئيس التونسي منذ مُدّة على “إحياء” بعض من “الارث الاستبدادي”، فقد عمل على “احتكار” تأويل الدستور ونصوصه، ولم يدّخر جهدا في التذكير بكونه “الشارح الاكبر” والاوحد للنصوص الدستورية، بل رفض حتى المُصادقة على قانون جديد للمحكمة الدستورية مختفيا وراء “تعلات” واهية، ليس وراءها الا رغبة في منع انتصاب “حكم دستوري” يضمن سلامة الممارسة الديمقراطية.

كما حرص الرئيس التونسي أكثر من مرّة على ذكر كونه “الرئيس الاوحد” وان النظام السياسي في تونس يقوم على “رئيس وحيد “منتخب، ولم يدخّر جهدا في محاولة فرض ارادته على رئيس الحكومة، الامر الذي بلغ درجة من التأزّم غير المسبوقة، في ما بات يُشبه القطيعة التامة بين رأسي السلطة التنفيذية.

وللتذكير فقد “ذكرت تسريبات” ان بعض الاوساط القريبة من الرئيس بكون اختيار السيد هشام المشيشي لرئاسة الحكومة تمّ على أساس كونه “رجل ثقة” سيُنفّذ “تعاليم القصر” خاصّة وان تشكيل حكومته تم في أغلبه في أروقة قرطاج وباختيار أوساط قريبة من رئيس الجمهورية.

وأضاف الرئيس سعيّد الى كل ذلك انخراطه المُعلن في احتقار البرلمان وكل الاحزاب والتشكيلات الحزبية والسياسية، ولم يتحدّث عنها الا باعتبارها منظومة شرّ وفساد وإفساد.

هذه العوامل الثلاث التي جعلت من “قيس سعيّد” مُعبّرا على “باطن استبدادي” تشير إلى رغبة في تعطيل المؤسسات برلمانا وحكومة، من خلال الحرص على تشكيل حكومة الرئيس من وزراء موالين للقصر، بل في عدم اخفاء رغبته في تغيير النظام السياسي نحو نظام رئاسي صرف، وهو أمر لا يعيد النظام الاستبدادي فحسب، بل يُعلنُ صراحة نهاية التجربة الديمقراطية وكل إنجازات الثورة التونسية الديمقراطية.

لقد ذكّر الرئيس قيس سعيّد في ساحة الشهداء وامام النّصب التذكاري بكون “تونس مريضة” من خلال رسم كاريكاتوري قديم، ونحن نتفق معه في كون تونس مريضة فعلا، لكنّ دواء مرضها لا يكمن في “الحنين” الى الاستبداد وتعطيل المؤسسات والدفع بها نحو الاحتراب الاهلي، بقدر ما يكون في مزيد العمل على تجويد العمل الديمقراطي و حوكمة الحياة السياسية وتطوير “منظوماتها”.

فالتجربة التونسية تمتاز بتأصّلها في تاريخ نضال طويل ضد الاستبداد، منذ القرن التاسع عشر، ناهيك ان تونس كانت سبّاقة الى إلغاء العبودية وسن عهد الآمان الذي ضمن حقوق الاقليات الدينية، وشرعت في عمليات اصلاح جوهرية لنُظمها التعليمية، زادتها دولة الاستقلال تعميقا، فحرّرت المرأة ونشرت التعليم.

وهي مسائل قلّ نظيرها في غيرها من البلدان العربية. حرية التي عمّدها عشرات المصلحين والشهداء والمُعتقلين من مختلف المدارس السياسية والمشارب الفكرية. إن التونسيين مُدركون ان مُداواة أزمة الديمقراطية تكمن في مزيد تعميق التجربة الديمقراطية، وأن الخلل الكامن في منظومة الاحزاب يمرّ عبر اصلاحها وليس عبر إلغائها، فالعمل الانساني تجريبيّ ينهض على الاصلاح بالتقييم والتجويد والتطوير، ولا نخال ان السيد قيس سعيّد له استعداد للمشاركة في ذلك، وهو الرافض لكل تحاور مع “غيره”.

من المُمكن ان الحلّ الذي تمّ إتباعه في مصر القائم على “البتر” مُناسب للمصريين وللدولة المصرية، وهو شأن داخلي سياديّ لا شأن لنا به. ولكنّه لا يُمكن ان يكون نموذجا مثاليا يُمكن استنساخه في تونس.

ومثلما رفضت الدولة التونسية الانخراط في “لعبة تصدير الثورات” فإنه ليس للتونسيين القبول بمن يُملي عليهم دروسا من أجل فضّ نزاعاتهم السياسية وأزماتهم المؤسساتية.

فتونس لا تُصدّر ثورة ولا تستوردُ إستبدادا.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP