الجديد

عودة على واقعة باردو .. انتصرت النهضة وانهزم الغنوشي

خديجة زروق

الخميس 30 جويلية 2020، لم يكن يوما عاديا في تاريخ مجلس نواب الشعب و ” الديمقراطية التونسية الناشئة “، لأن الأمر تجاوز حدثا مستجدا يتمثل في عملية سحب الثقة من رئيس المجلس، إلى عملية تتقاطع فيها رهانات سياسية كبرى، على المستوى الوطني مع تداعيات و لو محدودة على المستوى الإقليمي، بعد أن أضحى جليا أن لأهم القوى السياسية التونسية “داعمين ” اقليميين و دوليين.

من هذه الزاوية الزاوية فإن فشل لائحة سحب الثقة هو إنتصار سياسي واضح لحركة النهضة و “حفظ لماء وجه زعيمها “راشد الغنوشي ، و محاولة التقليل التي يقوم بها البعض من وقع الهزيمة لا يمكن أن تقنع من تابع عن كثب عملية الشحن التي سبقت جلسة الخميس، و لا أيضا الرغبة في تقديم هدية عيد الأضحى لكل خصوم الغنوشي السياسيين و على رأسهم الخصم المستجد قيس سعيد.

في تقديري فإن الإصرار على عرض لائحة سحب الثقة من راشد الغنوشي، في هذا الظرف بالذات قد كان من أهم أسباب فشلها، إذ أنها اتت في أعقاب السنة البرلمانية، مع ما يعنيه ذلك من تسرب الارهاق و عدم الإهتمام و هو ما يمكن أن يمنح عذرا لمن إختار  عدم حضور الجلسة العامة.

هذه اللائحة سبقتها منذ شهر و بضعة أيام جلسة مساءلة حول أخطاء راشد الغنوشي في تسيير مجلس نواب الشعب و هو ما يعني أن موضوعها لم يعد ذي بال خاصة و قد قدم راشد الغنوشي نقده الذاتي و لم يرتكب منذ تلك الفترة أخطاء أخرى.

بسقوط لائحة سحب الثقة من مرشد النهضة، يتبين لنا دون عناء أن الإصرار الطفولي على استهداف راشد الغنوشي شخصيا و على البحث عن النجومية ” الفايسبوكية ” و على نيل إعجاب ” جماهير ” لا تفقه كثيرا في السياسة مكن  راشد الغنوشي من إنتصار معنوي هو في أشد الحاجة إليه.

والأهم فقد استعاد “الشيخ” رمزيته داخل حركة النهضة كرمزها الأساسي الذي التف حوله أشد خصومه داخلها لحمايته و الدفاع عنه.

لا شك أن هشام المشيشي سيعيد بعد جلسة اليوم النظر في بعض حساباته لأن ” التحالف البرلماني ” المتشكل حول حركة النهضة قد ظهر أكثر تماسكا و فاعلية من التحالف الذي تشكل ضدها.

و لا شك أيضا أن حزب “قلب تونس” ورئيسه نبيل القروي  قد لعب دورا مرجحا في نتيجة التصويت و هو ما يؤكد أن هذا الحزب يبقى لحد الآن و رغم القراءات السطحية رقما مؤثرا في المشهد البرلماني والسياسي، لابد من التعاطي معه بجدية في قادم “الجولات”.

وبعيدا عن القراءات السطحية واحتراف “الشتم” فان موقف حزب “قلب تونس” يجب النظر اليه ضمن الارتباط السياسي والعاطفي للقروي بالارث السياسي للباجي قايد السبسي – الذي كان مقربا منه – وايضا  ارتباطا فكريا بالخط الذي يؤمن صلب المدرسة الدستورية بالمصالحة مع التيار الإسلامي، وفي المحافظة على الاستقرار السياسي، القائم على احترام الدستور، بما لا يسمح بتغول اي سلطة من السلطات.

كما يستحضر جيدا  نبيل القروي “خيانات الحداثيين ” داخل مجلس نواب الشعب إذ سبق لهم أن تركوه في ” التسلل ” لما سايرهم في ما لوحوا له به من ان إسقاط حكومة الحبيب الجملي هو مدخل تشكيل جبهة برلمانية حداثية .

و لا شك أن فشل عملية سحب الثقة من راشد الغنوشي تعود إلى عدة عوامل من أهمها ضعف منسوب الثقة بين الأطراف التي دعت ل، و تباين حساباتها و أن جلسة الخميس قد أفرزت خاسرين أساسيين و هما ” التيار الديمقراطي ” الذي يبدو أن قيادته قد اختارت طريقا لا يجد قبولا لدى قطاعات واسعه من قواعد الحزب.

أما الخاسر الثاني فهو   الحزب الدستوري الحر الذي تخوض رئيسته عبير موسي حربا يتداخل فيها الشخصي  بالسياسي ضد راشد الغنوشي.

و إذا كان من حق رئيس حركة النهضة و أبناء حركة النهضة أن “يحتفلوا ” بما تحقق يوم الخميس خاصة و أن بقاء «شيخهم” رئيسا لمجلس نواب الشعب يمثل شكلا من أشكال المصالحة بينه وبين مؤسسات الدولة.

لكن مع ذلك فان جمهور النهضة قبل قياداتها مدعوون الى القيام إصلاحات حقيقية في إدارة مجلس نواب الشعب تمهيدا لابعاد “الشيخ” بطريقة تحفظ “رمزيته” وهو الذي أصبح غير قادرا على الاستمرار في رئاسة قبة قصر باردو.

لقد انتصرت النهضة في حماية مرشدها من سقوط “مذل”، لكن انهزم راشد الغنوشي في التحول الى رمز قيادي وطني ، على غرار ما حصل مع الباجي قايد السبسي، الذي انهزم حزبه ( نداء تونس)،  لكن انتصر مؤسسه،  وتحول الى “ايقونة” لدى عموم التونسيين، في حياته وبعد مماته.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP