الجديد

في البرلمان: استقطاب  مغشوش .. ومخاوف من عودة الاستبداد

المهدي عبد الجواد

مرة أخرى يزداد مجلس نواب الشعب انجذابا للأسفل. و تزداد النخب البرلمانية ابتعادا على المهام الموكلة لها. فقد عاش التونسيون منذ صباح الأمس حتى فجر اليوم، مسلسلا سيئ الأبطال، ضعيف الخطاب مليئا بالمزايدات و التهجم “السوقي الألفاظ” دون احترام من النواب لمقامات بعضهم البعض، و لا اعتبار لحرمة رحاب مجلس نواب منتخب ديمقراطيا، استشهدت من أجله أجيال من المناضلين الوطنيين الصادقين منذ الفترة الاستعمارية، و تٱكلت جلود المناضلين الديمقراطيين لتحقيقه.

و قد تميز اليوم “البرلماني الطويل” بمبارزة حادة بين طرفين متناقضين، استعاد كل واحد منهما استحضار تاريخ أسود من الصراع الدموي، ميزته الاقصاء و السجن و المنافي و القمع و الحرمان و الدموع…و غياب الفضاء المناسب للتحاور و المساءلة التي ضمنها البرلمان.

ينسى البعض ممن هم في المجلس فضل الانتخابات الحرة و الديمقراطية و حرية التعبير عليهم، فيعملون على إنتاج كل ما هو نقيض لها. إنها لحظة اغتراب سياسية و تاريخية عجيبة.

في “مهازل” التاريخ

إن الصراع الحاد الذي تدفع إليه رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي في المجلس ضد حركة النهضة و رئيسها راشد الغنوشي، الذي هو رئيس مجلس النواب, يستحضر صراع الحركة الإسلامية مع نظام بن علي، الذي انطلق بداية التسعينات، و كان التبرير المثالي للنظام السابق، لغلق الفضاء العام و محاصرة الحريات و خنق الحياة السياسية و الجمعياتية في البلاد.

لقد دفعت تونس و نخبها التقدمية ثمنا باهضا لهذا الصراع ‘العبثي” بين بن علي و الاسلاميين، ثلاث وعشرون عاما من تأجيل الاستحقاق الديمقراطي بسبب الخوف من الاسلاميين.

و في اللحظة التي انكسر فيها جدار الخوف و انطلق القطار الديمقراطي متعثرا بطيئا ضعيف النتائج الاقتصادية هزيل الثمرات الاجتماعية، يعود بنا برلمان تونس الى هذا المربع القديم من الاحتقان العدمي القائم على فكرة الاقصاء التام و الاعدام السياسي و التنظيمي و حتى المادي “أن استطاع إليه سبيلا”.

تقود عبير موسي، نحو معركة عنيفة قائمة على الاقصاء و رفض الحوار تدفع الجميع إلى الاحتراق، قرابين ضرورية للحريق الشامل. و هو ما سيقضي على هويتها الحزبية و يقضي على كل خيارات سياسية أخرى ممكنة غير الاحتراب.

هذا الاستقطاب يخلو من كل مضمون سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي. تقوم فيه  عبير باستعادة رواية سرديات مألوفة حول الحركة الإسلامية، من جهة التسمية “الإخوانية” التذكير بوثيقة المنهج الأصولي و بالعلاقات التاريخية التي تصلها بتنظيمات الإخوان في العالم.

يقابله تذكير النهضاويين عبير بماضيها في جوقة بن علي و”الزغراطات” في احتفالات المناشدات و المنشدين له، ممن استفاد عينا و سلطانا. استقطاب مغشوش ليس فيه، من اهتمامات الناس شيئا.

النهضة .. الاصرار على الخطأ

قامت الحركة الإسلامية بمراجعات كثيرة، نظرية و تنظيمية منذ التسعينات. و تعمقت بعد الثورة. ترجمان ذلك مصالحاتها “المحتشمة” مع الذاكرة التونسية و محاولتها الانخراط في تاريخيتها الإصلاحية و العمل على إرساء المصالحة الشاملة و خاصة تقديم فكرة “الاسلام الديمقراطي” على “الجماعة الإسلامية” الذي تجلى في المؤتمر العاشر بالتنصيص على الفصل بين السياسي و الدعوي.

كل ذلك ينضاف اليه تراجع/اختفاء وجوه التطرف، سمح الحركة بتأطير/غطاء من الباجي قائد السبسي من العمل بهدوء و محاولة التغير ببطء. لكن غياب الباجي، و فقدان البلاد لحزب سياسي قادر على خلق التوازن، يمكن للنهضة التحاور معه بندية، و يمكنه الضغط عليها و اجبارها على الحذر في مواقفها و قراراتها أضر بالحركة. ف”السلطة المطلقة مفسدة مطلقة”.

لذلك راكمت النهضة أخطاء سياسية و حتى تنظيمية كثيرة. اولها خياراتها في تحالفاتها البرلمانية و تقديمها حبيب الجملي الشخصية المجهولة لرئاسة الحكومة. و احسبني غير مخطئ، اذا قلت ان النهضة تدفع ثمن هذا الخيار. خيار ظل يوقد نياران الموقد النهضاوي تحت رماد الهدوء.

و كان ترشيح “الشيخ” لرئاسة المجلس خطأ ثانيا إذ استغله خصوم الحركة إلى تعلة لجذب البرلمان و كامل التجربة الديمقراطية الى الاسفل و دفعها نحو الفشل. و لم يتأخر راشد الغنوشي كثيرا في تقديم الهدايا لعبير موسي، من اللبس في علاقاته الخارجية إلى زياراته الى تعيينات ديوانه.

و ختمت النهضة اخطاءها البارحة برفض التصويت على لائحة بروتوكولية، ترفض التدخل الأجنبي في البلاد و ترفض إقامة قواعد أجنبية على الأراضي التونسية، رفض غير مفهوم و من شأنه مزيد تأجيج الصراع الأيديولوجي و الهووي، الا اذا كانت حركة النهضة تدفع في اتجاه تأجيج هذا الاستقطاب الذي يزيد في توحيد صفوفها الداخلية أمام الخطاب العدائي الذي يستحضر ٱلة بن علي و تجربة الإسلاميين معها.

و هو أمر يضعف كل الإصلاحيين و يعطل نوايا الاصلاح ، أن وجدت في الحركة، و يدفع بخطاب التطرف إلى الواجهة.

ان هذا الصراع الحاد، البعيد على قضايا الناس و انتظارات التونسيين يدفع إلى مأزق حقيقي في عمل البرلمان اصل “الشرعية” و يضر بالديمقراطية و يهدد المؤسسات و يدفع نحو مزيد ترذيل العمل السياسي.

بل نعتقد أن هذا الاستقطاب سيقضي نهائيا على منسوب الثقة الهزيل اصلا في النخب السياسية و الأحزاب و العملية السياسية برمتها، و هو أرضية خصبة لتمدد الشعبوية و المغامرة  و باب مناسب لعودة الاستبداد.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP