الجديد

في الذكرى العاشرة للثورة .. هل بمقدورنا إعادة ترتيب الأولويات الوطنية؟

خالد شوكات

ثلاث لوحات من مشهدنا السياسي الراهن، تثبت ونحن نحتفل بالذكرى العاشرة لانتصار الثورة، أننا بعيدون عن المطلوب (عن الخزمة مثلما يقول المثل الشعبي) فيما يتصل بترتيب أولوياتنا الوطنية، سواء أولويات المدى المنظور، أو المدى المتوسط، أو الأولويات الاستراتيجية. اللوحة الاولى تخص الحوار الوطني الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل، ووافقت رئاسة الجمهورية على رعايته بشروط تكاد تفرغه من محتواه.

حيث بدا هذا الحوار وكأنه ولد ميّتا، فالحوار عادة ما يكون مجديا ومطلوبا اذا كان حوار الخصوم والاعداء، اذ يجنب البلاد حينها ما هو أسوأ تماما كما جنبها حوار 2013 بعد لقاء الشيخين الشهير في باريس الانزلاق نحو الاحتراب الأهلي، مسهلا توصل التونسيين الى صياغة دستور جديد وانقاذ مسار الانتقال الديمقراطي.

أما حوار الاصدقاء والمتشابهين هذا فلا معنى له، لأن هؤلاء لا يحتاجون الى حوار أصلا، فهم -كما يفترض- متفقون على التشخيص أقلّه، وأما اتفاقهم على الحل ان تحقق فلن يتمكنوا من تنفيذه لأن العرقلة ستأتي حينها من أولئك الذين تم استثناؤهم من الحوار.

أما اللوحة الحزينة الثانية فهي تلك التي ما تزال عبير موسي مصرّة على رسمها، فتشبثها المرضي بمنهج الاقصاء وإصرارها على رفع شعاراتها الفاشية الاقصائية، وجرّها الحياة البرلمانية الى مربعات العدائية الشديدة بين مكوناتها بدل توسيع مجال القدرة على صناعة التوافقات الضرورية لإخراج البلاد من مأزقها، وإحياؤها للقضايا الخلافية من قبيل الإصرار على إسقاط رئاسة البرلمان الحالية عِوَض التسابق إلى مناقشة مئات مشاريع القوانين التي تنتظر من المؤسسة التشريعية النظر فيها،

كل ذلك يُقوِّي شعور التونسيين بخيبة الأمل ويمعن في تعميق الأزمة المتفاقمة أصلا، ويغرق الديمقراطية الناشئة أكثر في مستنقع التفاهة الحزبية والرداءة السياسية، إلى حد تجعل المتابع يعتقد بأن ذاك هو مخطط هذه السيدة الأصلي، وأن انخراطها في السياق الديمقراطي الذي جاءت به الثورة واستغلالها البشع للحريات التي فرضها، ليس له من هدف سوى القضاء على الديمقراطية بوسائلها، مثلما فعلت الحركات الفاشية في كل زمان ومكان تقريبا، تتسلل من نوافذ الانتخابات لخلع أبواب النظام الديمقراطي.

اللوحة الثالثة ترسمها – ويا للأسف- النائبة سامية عبّو وبعض زملائها في الكتلة الديمقراطية، ممن يصرّ على السير في طريق “المزايدات” السياسية المسيئة والمضعفة لمؤسسات النظام الديمقراطي، اذ ما معنى “الإضراب عن الطعام” زمن الديمقراطية، ولماذا لم يعمد الى ذلك زمن التسلط والديكتاتورية، حين كان المعارض السياسي حقا والمضطهد المسجون والمعتقل لا يجد من وسيلة لديه للضغط وتحقيق الحد الأدنى من مطالبه في الكرامة والحرّية سوى الإقبال طوعاً على الموت.

قال احد السجناء السياسيين السابقين “ان إضراب الجوع يكون ممكنا عندما تستوي الحياة مع العدم، ويفقد العيش كل معنى”، ولا يظنن أحد أن السيدة عبّو ورفاقها قد استوى عندهم الموت بالحياة إلى درجة تسوِّغ لهم ممارسة الإضراب عن الطعام، اللهم الا اذا كان المقصود نوعا من “الشو” و”الإثارة” فيصبح الامر ساعتها خطيرا للغاية، ففي البلد الديمقراطي الوحيد في العالم العربي يحتج حكامه على حكامه باضراب جوع، فماذا ترك هؤلاء للمضطهدين العرب القابعين في سجون الديكتاتوريات شرقا وغربا، إنّه عبث ما بعده عبث.

إذا عادت النخب الوطنية الى الجادة، والتزمت بالأولويات الحقيقية لبلادنا، وابتعدت عن اجواء المزايدات الفارغة و”الشو” الكاذب وعقلية التفاهة والرداءة، فإن الأولويات ستكون مختلفة تماما، وهي ان نبحث عن توافق سياسي وبرلماني عريض ينتج قانونا انتخابيا جديدا قادر على إفراز أغلبية حاكمة ذات برنامج اصلاحي ورؤية إنقاذية وحكومة قوية مستقرّةٌ، نعود من خلالها بتونس الى طريق التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي والإقلاع الحضاري، وتونس قادرة على ذلك.

لو تمكنّا من اخراج السفينة الوطنية من وحل هذا المستنقع الآسن ودفعها نحو بحر المستقبل الواعد وشواطئ الحضارة الزاهية، لكي نجاري بذلك الأمم الصاعدة التي تشغل أيدي أبنائها بالطاعة حتى لا تشتغل بالمعاصي، معاصي الفاشية والشعبوية والطهورية الزائفة.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP