الجديد

في ذكراها الحادية عشرة .. الحصاد المر للثورة التونسية  

منذر بالضيافي

في الذكري الحادية عشرة للثورة ( 14 جانفي 2011/ 14 جانفي 2022)، اليوم الجمعة 14 جانفي 2022، شهدت الشوارع المحيطة بشارع الحبيب بورقيبة، مظاهرات متفرقة لمجموعات صغيرة، من مشارب واتجاهات سياسية مختلفة.

في المقابل عمدت السلطات الى احكام غلق تام لشارع بورقيبة، عبر حضور مكثف لتشكيلات أمنية عديدة، الى جانب وضع حواجز وتكثيف عمليات التثبت، وهي التي كانت أعلنت في السابق عن منع التجمعات لأسباب صحية، في ظل ارتفاع عدد الاصابات بوباء الكورونا، قرار قوبل برفض وتشكيك من قبل المعارضين للرئيس قيس سعيد.

أبرز الملاحظات على أحداث اليوم، يمكن تلخيصها في أن المعارضة لسلطة الرئيس سعيد، مشتتة ومنقسمة ويغلب عليها الطابع الحقوقي، في محاولة منها توجيه كل جهودها الى التشهير الخارجي بالنظام، مستغلة في ذلك ما تعتبره تجاوزات في حرية الرأي والتعبير والتظاهر، وغياب رؤية في ادارة وتسيير البلاد.

سواء من جهة مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي أصبحت تنذر بالأسوأ، أو ما يتعلق بطول وغموض “خارطة الطريق السياسية” التي أعلن عنها الرئيس سعيد، التي هي وفق تقديرات المعارضة، الغاية منها لا تتجاوز التخطيط لوضع وتنزيل مشروعه السياسي في الواقع، عبر توظيف مقدرات وأجهزة الدولة، على غرار ما هو جاري مع الاستفتاء الالكتروني، الذي انطلق بصفة متعثرة.

تحركات المعارضة، زيادة على تشتتها فإنها بلا حاضنة شعبية، هذه المعارضة التي يتم تحميلها وزر فشل العشرية الأخيرة، وخاصة فصيلها الرئيسي ونعني هنا حركة “النهضة”، التي تعاني من تصاعد عزلتها السياسية والمجتمعية وداخل أوساط النخب.

كما أن ما يعاب على المعارضة أيضا، هو افتقادها لبديل ولبرامج واضحة، وأنه يغلب عليها الطابع الاحتجاجي، وجل أحزابها تعيش مشاكل هيكلية، وتفتقد للتسيير الديمقراطي الذي تطالب به.

أما من جهة السلطة الحاكمة، التي تقوم حول الرئيس قيس سعيد، الذي اصبح بيده كل السلطات بعد اجراءات 25 جويلية الفارط، فان أداؤها يتسم بالارتباك في الادارة والتسيير، وفي تقديم الحلول للمشاكل المعقدة، التي ورثها عن حكام العشرية الأخيرة.

وفي ظل غياب الحلول لمواجهة الوضع المتأزم، فانه يعاب على السلطات خاصة من قبل معارضيه الجنوح أكثر ما يلزم الى الحل الأمني، على غرار ما حصل اليوم في مواجهة تحركات المعارضة.

ويعد الرهان على التوجه نحو الحل الامني “مقامرة” غير محسوبة العواقب، اذ أنه يعني ارتهان السلطة للأجهزة، وبالتالى تثبيت الاتهامات التي توجهها لها المعارضة، فضلا عن استنزاف المؤسسة الأمنية، مثلما حصل خلال الفترة الأخيرة حكم الرئيس الاسبق زين العابدين بن علي أو الانتقادات التي وجهت لحكومة الترويكا زمن تولي علي العريض لوزارة الداخلية أو أثناء حكومة المشيشي.

في ظل هذا المشهد الحالي، الذي تغلب عليه حالة توازن ضعف، بين المعارضة والسلطة الحاكمة، وهو ما يجعل الحسم سيكون بيد الفئات الغاضبة، خصوصا اذا استمر الانهيار الاقتصادي ومزيد تفقير شرائح واسعة من المجتمع، حينها ستكون الأوضاع الاجتماعية “خميرة” لاتساع الحراك الاحتجاجي، الذي لا يمكن الاستمرار في الاقتصار على مواجهته امنيا فقط.

بالمحصلة فان السلطة اليوم تجد نفسها مرتبكة ومعزولة سياسيا، بسبب خيارها عدم التواصل مع الجميع، وهو ما يفسر التجائها الى الاحتماء بالحواجز الأمنيّة، في مواجهة  معارضة ضعيفة، تعاني من تركة فشل ثقيلة وبلا قيادة موحدة، والأهم معزولة مجتمعيا وشعبيا، وهي التي فشلت اليوم فشلا ذريعا، في الحشد والتعبئة وجنحت لشعارات تحميل المسؤولية للسلطة عن فشلها الجماهيري الذي ترده الى “المحاصرة الأمنية”.

في ذكراها الحادية عشرة ، يتأكد الحصاد المر للثورة التونسية، ويبرز أن المشكل ليس في الديموقراطية، التي تبقى من افضل النظم التي انتجتها الانسانية ليوم الناس هذا، و لا في شكل النظام السياسي رئاسي او برلماني، فلكل نظام حسناته وسيئاته، بل ان المشكل يكمن في النخب التونسية، التي تصدرت المشهد ما بعد الثورة، واعادت انتاج الفشل بأكثر سوداوية ومرارة من السابق.

ولعل ما نعيشه اليوم،  بعد 25 جويلية 2021، هو اساسا وفي المقام الاول نتيجة لهذا الفشل المركب، الذي تتقاسم وزره جل مكونات الطبقة السياسية، على تنوع اتجاهاتها وايديولوجياتها مع ان المسؤولية الأكبر، و دون جدال وبكل موضوعية، هي للحركة الاسلامية ممثلة في حزب “حركة النهضة”.

هذا الحزب، الذي كان حاضرا وبقوة في جل الحكومات وفي مشهد الحكم طيلة كامل العشرية،  والذي اختار الانتصار لأولوية “التمكين” لمشروعه، على المساهمة المؤثرة في بناء ديموقراطية، كانت كل الظروف – في الداخل كما في الخارج – مناسبة لنحت تجربة ديمقراطية في مناخ يشهد ما أصبح يعرف “بالاستعصاء الديمقراطي”.

قبل عشرية مضت، كنا نحلم بانتقال ديمقراطي، يفرض الحريات ويؤسس للعدالة الاجتماعية، وينهي التهميش بين الجهات، وكانت هذه مطالب السواد الاعظم ، من المنتفضين من الشباب المهمش في الداخل ، وفي احياء الصفيح حول المدن الكبرى.

للأسف لم يتحقق هذا وحتى ” المنجز السياسي” ( انتخابات دورية وتداول سلمي على السلطة) افرغ من محتواه و تحول الى ” ترف” عند النخب الجديدة، التي تبين – وبكل تلويناتها- انها مهلوسة بالسلطة لا بخدمة الناس.

هذا ” المكسب” السياسي اصبح مهددا ولن يصمد كثيرا، امام خيبة الامل الشعبية الكبيرة ، وامام الانتشار اللافت والمحير للفساد، الذي تحول الى رياضة وطنية. فاليوم نعيش انتقال بلا حاضنة شعبية تدعمه وتسنده. فالحماسة فترت لدى اوسع شرائح التونسيين، والحصاد مر ، والحلم تحول الى كابوس مزعج، والقادم سيكون مخيفا.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP