الجديد

في ذكراها العاشرة: الثورة التونسية تحت .. رغم تشاؤمكم  “بعد الثورة خير”

شعبان العبيدي

يمرّ عيد الثورة في ذكراها العاشرة وقد حجرت عليه الحكومة بحجر صحيّ قصيـــر أثار تأويلات عدّة، منها قطع الطريق على أيّة تحرّكات أو تظاهرات قد تعمّق أزمة الحكومة والوضــــع السياسي. وكأنّها قد حكمت على هذه الذّكرى أن تمرّ مرور الكرام. وبعيدا عن كلّ التّأويلات، وتماشيا مع حســــــن النيّـة في محاولة محاصرة الوضع الوبائي المخيف بتفاقم عدد الإصابات والموتى، يبـــدو أنّ التونسيين قد ابتلعتهم الخيبات المتوالية وتأزم الوضع الاجتماعي والمعيشي والسياسي مما بعث فيهم ضربا من اليأس والخيبة، ولم تبق إلاّ جراح أهالي الشهداء وجرحى الثورة وشباب الثورة الذين كانوا طلائعها بين السابع عشر من ديسمبر والرابع عشر من جانفي بعد أن سرقت منهم ثورتهم وتُركوا على هامش مجـــــــريات الأحداث يستعيدون في مرارة شعارات رفعوها لم تر النّور في تحقيقها أو تحقيق جزء منها.

من المنطقي أن تهتم وسائل الإعلام الوطنية والعربية والدولية بعيد الثورة التونسية، وتقدّم قراءات لهذا الحدث النوعي ومالاته بعد مرور عشر سنوات، وما تحقق من مطالب الثورة وما لم يتحقّق. لكنّ المتابع للمشهد الإعلامي التونسي خاصّة يرى أنّ غالبية المتدخّلين في قراءة مآل الثورة ونتائجها من إعلاميين ومحلّلين وأحيانا جامعيين ممن داوموا على تكرار أفعال تثبيط العزائم أنّهم جميعا ينظرون إلى الثورة من زاوية داكنة سوداوية ونظرة تشاؤمية قاتمة، يمكن أن نردّ أسبابها إلى عاملين:

أولهما أنّ فئة من هؤلاء – من أبناء المنظومة القديمة وممن استفادوا من النّظام الســـــابق- مازالوا إلى اليوم يردّدون قراءات بعيدة كلّ البعد عن حقيقة أزمة المجتمع التونسي السياسية والاجتماعية، ويصرّون على الظهور في مظهر المدافع عن مدنية الدّولة واتّهام الآخر الخصم السياسي ممثلا في حركة النهضة بأنّها عدوّ المجتمع وخطرا على مدنيته، وأنّه لا حقّ لهؤلاء بالتواجد في المجتمع والحصول على شرعية قانونية في التنظم السياسي والمشاركة في الحياة السياسية، خاصّة عندما تصدر هذه التغــــــريدات عمن تعوّد حمل لواء التصدّي للفئة الباغية على شاكلة المعارك الفرقية التاريخية، أو على ألسنة أبـــاء الدّرس الفلسفي وما يسكنهم من صنم أيديولوجي و تحجّر فكريّ في اختزال أزمة السنـــوات العشـــر في المشهد السياسي وإنتاجاته، وتحميل المسؤولية لطرف سياسي دون غيره. بالرّغم من أنّ هؤلاء وطيفا كبيرا منهم  ولم تكن لهم علاقة بالفعل الثورى، بل حاولوا في مراحلها الأولى تقزيمها واعتبــــارها ضربا من التآمر على الدّولة من طرف أطراف هم اليوم جزء من الحكـــم ومن طـــرف الدّاعم الخارجــــي لهم وخاصّة الولايات المتحدة ودعمها للإسلام السياسي، خاصّة بعد صدور كتاب هيلاري كلينتون، وما انتشر حوله من إشاعات.

كان من المفروض على كّـــلّ المتدخّلين في الشــــــأن السياسي والإعلامي خاصّة أن يكون عيد الثورة العاشر، وهو يمرّ دون احتفالات ولا مظاهرات أن يعيدوا قراءة المشـــهد طيلة السنوات التي مرّت وّأن يعملوا على تفكيك أسباب الأزمة التي دفعت البلاد اليوم إلى حافّة الهاوية، وأن تكون القراءة موضوعية شاملة لا تغفل طرفا أو عناصر تحت تعلّة الولاء أو الحصانة القيمية. فإذا نحن حاولنا الوقوف عند هذه الأسباب نجدها متمحورة في أربعة عوامل:

** عنصر ما قبلي وهو أنّ الثورة حدثت على واقع مأزوم سياسيا واجتماعيا وكانت البلاد فيه في ظل أزمة سياسية خانقة، هذا إضافة إلى ما استشرى في المجتمع ومؤسسات الدولة من عمالة لعائلة زوجة الرئيس و ما كشفته الوقائع من نهب وسرقات وتحويل للأموال العمــــــومية لصالح عائلات نافذة، منها ما امتلك مؤسسات عمومية للدولة ببعض الفرنكات، والغريب أنّ هذه العائلات مازالت إلى اليوم تنعم بالملك العام وأموال المجموعة. وبالتالي لم تترك الدّولة العصبوية وليس الدّولة المدنية التي أسقطتها الثـــورة وراءها إلاّ خرابا سياسيا واقتصاديا وضياعا اجتماعيا وتهميشا للتعليم والصحّة والجيش.

** العامل الثاني هو المرحلة الثورية الّتي كان فيها الحراك الثوري مهدّدا بالاختراق أو الانزياح عن بعده السلمي، وفي ظلّ ترقّب الجميع ومنها منظمات المجتمع المدني، وتصاعد الجـــدال في الفضاء العمومي بين التيار السلفي الذي فاجأ الجميع وبين بقية المكونات السياسية، تمّ الانتقال الشــــــرعيّ للسلطة حسب الدستور القديم، وهو مخرج قانوني لم يكن له بديل – وإن كان البعض يرى فيه يومها بداية اغتيال الثورة والانقلاب عليها واستعادة استيعابها ضمن المنظومة القديمة- ولكن لم يكن هناك مخرج آخر أو طرح بعد أن انساقت كلّ الأطراف السياسية والاجتماعية في اتّجاه تأييد هذا القرار.

وكانت هذه المرحلة بقيادة فؤاد المبزع ومحمد الغنوشي ثم الباجي قائد السبسي مرحلة خطيرة ومفصلية، اتّخذت فيها قرارات وإجراءات سيكون لها انعكاس سلبي وهام على البلاد وعلى تأزم الوضع السياسي خاصّة قضية العفو العامّ الشامل، والذي سيمهد لتكوّن أولى حلقات الإرهاب والجماعات الإرهابية التي وجـــدت في جوّ الفوضى وضعف الإدارة الأمنية التي بدأت تعود إلى الحياة التنظيمية بطريقة ضعيفة مشــــوبة بالخوف وعدم التدخـــل بل أحيانا ممزوجة بضرب من التّشفي.

وطبيعي أنّ هذا الوضع الذي عمّــــق الأزمة السياسية. خاصّــة مع انتخاب المجلس التأسيسي وكتابة الدستور وما ظهر في أروقته من صــراعات فكرية وأيديولوجية حول الهوية والعقيدة والدولة والحريات، قد حوّل وجهة الثورة عن مطالبهــــا، وقد غذّى في المقابل الصراع الذي كان يقوده العقائديون المصابون بمتلازمة واحدية الرؤية إلى صراع اجتمـــاعي استقطابي ستؤدي على المدى القريب إلى اغتيالات سياسية لم تعرفها البلاد وكانت قاصمة للظهـــر وسببــــا لمزيد العداء والتفكك المجتمعي.

** العامل الثالث نتساءل فيه عن دور منظمات المجتمع المدني أين هي من هذا الوضع؟ ومــــــاذا قدّمت لحماية الثورة؟ وهل كانت فعلا منظمات شرعية مناضلة في عهد الديكتاتورية أم كانت مجرّد أجهزة من ورق يحتمي بها النظام ليلمّع صورته؟ وبعيدا عن منطق السباب والاستنقاص والمزج بين القائمين على هذه المنظمات وبينها كمؤسسات. لا أحد من التونسيين كان راضيا على ما كان يجري من دخـــول هذه المنظمات في المعركة السياسية واصطفافها إلى جانب خدمة أجندة بعينها مع غياب الحكمة والــــرؤية البعيدة للمحافظة على وحدة المجتمع وتوجيه الرأي العام نحو خدمة أهداف الثورة.

بالعكـــس غابت هذه الرؤى الحكيمة وتسارعت المنظمات وخاصّة النقابات إلى الدفع نحو مطلبية مجحفة ما كان للحكـــومات المتعاقبة وقتها إلاّ أن تستجيب تحت الضغط ولو على حساب واقع الدولة المادي. وإن كان لهذه النقابات الحقّ في الدّفاع عن مطالبها ولكن التوقيت الثوري كان يتطلب تضحيات من أجل الفقــــراء والمهمشيــن والعاطلين من أصحاب الشهائد. ومع هذه التحركات التي هزّت البلاد وتداخلها مع التحـــركات السياسية لإسقاط حكومتي النهضة وخاصّة تحرّك باردو الذي جمع البرجـــــــوازية البلديــــة بالانتهازية السياسية والمنظمات الاجتماعية التي يدير دفّتها اليسار كانت البلاد تسير أكثر فأكثر نحـــو مزيـد من الانهيـــــار والفوضى. ولم تراجع كلّ الأطراف مواقفها ولا قامت بعملية نقد ذاتي لفهم ما أضعنـــاه على أنفسنا من فرص للإقلاع وما كنّا يمكن أن نتجنّبه من أحداث ومخاطر.

** أمّا العامل الرّابع والأهم فهو موزّع بين طرفين ويخصّ بالأساس المراحل الانتخابية التي مـــرت بها البلاد وأنتجت في كلّ مرّة مشهدا تمثيليا مذرّرا، وكان المخرج كلّ مرّة هو التحالف بين كتل نيابية ذات أغلبية نسبية سواء في الترويكا الأولى أو الترويكا الثانية مع المرحوم الباجي قائد السبسي أو التــــرويكا الحالية، مشهد لم يمكّن حزبا واضحا أو تكتلا فكريا من أن يحكم ويتحمّل مسؤوليته كاملة، بل بتننا نعيش تغييرا للحكومات أكثر من تغيير الأثواب، بشكل لم تكن معه حكومة قادرة على إنجاز مشروع إصلاحي أو الدّخول في عملية تغيير كليّ على كلّ المستويات في ظلّ ملاحقتها بشعار الفشل والفاشلين.

ولعلّه من المفيد الإشارة إلى أنّ الحكومة الوحيدة التي استطاعت الاستمرار لمدة ما يقــــــارب ثلاث سنـــوات هي حكومة الشاهد، واستطاعت نسبيا أن تحقّق ضربا من الانفراج. وأمّا الطرف الثاني في هذه المعادلة فهو المجتمع ومشاركته في الانتخابات التي كانت كارثية، بسبب غلبة اليأس وغياب الوعي وعمل الإعلام على إحباط العزائم وترذيل كلّ الأطراف السياسية.

وهو ما يدعو إعلام والسياسيين والمنظمات إلى القيام بدورها في توعية المجتمع والتواصل معه لاستعادة قيم العمل والتآخي والوقوف ضدّ الجريمة ومساعدة الدولة على محاربة أشكالها المختلفة، وحمايته من سرقة أصواته. لأنّ ترسيخ الدّيمقراطية الفعليـــة التي تتجاوز البحث عن الكسب وما يملأ البطون هو الإيمان بقيمة الحريّة وحمايتها وحماية الوطن التضحية في سبيله.

بهذا نقول لكلّ الذين يحاولون نشر خطاب اليأس والنقمة على الثورة وتحويلها إلى بلاء حلّ بالتـــونسيين إنّ هذا الخطاب في تثبيط العزائم وشحن النّاس بالكره والعداء لن تكون له إلاّ نتائج سلبية. وأنّ المشهــد السياسي الذي تعيشه بلادنا وخاصّة في البرلمان هو مشهد عـــــاديّ ومثمر رغم عــــلاّته، وأنّ الطبقــة السياسية رغم ما دخل عليها من لصوص وانتهازيين يمكنها بما فيها من رجـــــالات ومناضلين شــرفاء وأصحاب رؤى وكفاءات أن تلتقي حول مصلحة الوطن وتعمل على إخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية أساسا.

وتبقى الثورة التونسية علامة فارقة في تاريخنا الحديث، يردّد معه كلّ من عانى من ويلات الاستبــــداد، وكلّ من شرّد ومنع من حقوقه وأهينت عائلته وأبناءه، وكلّ من كان يبتلع ريقه من الغصّة بسبب الضيم والحيف، وكلّ من شيّع شهيدا شابا بالتهليل، وكلّ مؤمن بقيمة الحــــريّة وفضائلها “بعد الثورة أحســــن رغم المصاعب والألآم”.

بعد الثورة ، المجتمع يبحث عن ذاته ويريد أن يشكّـــــل واقعا بالضرورة أجمــل، واقعا يسوده حلم بناء ديمقراطية على أسس صحيحة، تحقّق فيها العدالة الممكنة ليس بمنطـــــق مثالـــي، وتختفي معها كلّ أشكال تقسيم المجتمع الجهوية والقبلية تحت عدالة القانون، واقع تستعيد فيه مؤسســـات الدّولة التعليمية والصحيّة والأمنية والاقتصادية عافيتــــــها من النّهب والسرقة والاحتيال والمحســـوبية التي مازالت كالأمراض السارية تنخرها وتنغّص على الثـــــــــورة جني أبنائها من الشباب ثمارها.

وهو واقع يرسّخ قيمة الانتماء للوطن وترابه وواجب التضحية في سبيله والعمل على رفعته وتحرّره تحرّرا تاما، وهذا مجهود وعمل مجتمعي مشترك، موضوع على أكتاف الجميع. وذلك لن يتمّ إلاّ بنقد ذاتي من الجميع وإدراك الطريق السويّ للخلاص ولكن بعيدا عن الشعبوية المقيتة التي هي في حدّ ذاتها سبب كبير من أسباب أزمتنا اليوم.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP