الجديد

في ذكراها العاشرة .. الثورة التونسية في حالة “حجر شامل” !

منذر بالضيافي

تحيي تونس اليوم الخميس 14 جانفي 2021 الذكرى العاشرة لثورة 14 جانفي/ يناير 2011، في مشهد تغلب عليه مظاهر القلق بسبب الأزمة الشاملة والمعقدة التي دخلت البلاد في أتونها، إن السمة الغالبة على المشهد التونسي بعد 10 سنوات من الثورة، هي وجود حالة قلق تكاد تكون عامة وشاملة، أحزاب قلقة، مسجد قلق، منظمات قلقة. يتغذى هذا القلق من غياب رؤية واضحة لإدارة البلاد، ومواجهة مشاكلها التي أصبحت مستعصية، وتهدد وحدة المجتمع واستمرار كيان الدولة التي ضعفت مؤسساتها وبدت كما لو أنها أقرب الى “التفكك”.

ونلاحظ أيضا  أن هناك شعورا عاما بالإحباط لدى الكثير من التونسيين في ذكرى الثورة، بسبب انعدام الكفاءة لدى الطبقة السياسية، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الداخل، كما تسبب أيضا -على المستوى الدبلوماسي- في بروز كل مظاهر وعلامات العزلة الدولية، في غياب سياسة خارجية ودبلوماسية نشطة، كانت من العلامات المضيئة في تاريخ بلادنا.

تعيش تونس انهيار اقتصادي غير مسبوق، وتململ اجتماعي ينذر بالانفجار، وتصاعد الصراع بين مؤسسات السلطة، خاصة بين قصر الرئاسة بقرطاج و قصر باردو ( مجلس نواب الشعب) الذي يرأسه زعيم “النهضة” الاسلامية، وهو صراع يختزل في من تكون له الغلبة على مفاصل السلطة، وليس صراع حول البرامج لانقاذ بلد مكلوم وشعب حائر، يحدث هذا في ظل تمدد وباء الكورونا (الكوفيد -19)، وتأكد عجز “الادارة السياسية الحاكمة” عن إيقاف انتشاره ولا حتى وضع خطة واضحة لمواجهته، برز ذلك من خلال قرارات مرتبكة، لعل اخرها اقرار “الحجر الصحي الشامل” بأربعة أيام، في تزامن مع احياء الذكرى العاشرة للثورة، التي تعيش “حالة حجر” شامل، لا افق قريب للخروج منه.

في ذكراها العاشرة، غابت كل مظاهر الاحتفاء بالثورة، حتى في مواقع التواصل الاجتماعي ( خاصة فيسبوك)، التي لعبت دورا حاسما في قيامها قبل عشرة سنوات، وهو ما يكشف عن خيبة أمل كبيرة لدى عموم التونسيين، برغم تواصل مكابرة من النخب السياسية، خاصة تلك المستفيدة من الوضع الجديد، بأنه وبرغم كل شيء فان “بعد الثورة خير” ( هاشتاغ يوزع باحتشام ومن قبل أقلية).

تمر تونس، بلحظة فارقة من تاريخها الحديث، عنوانها الخوف من المستقبل ومن القادم، وهي التي كانت قبل عشر سنوات تحلم بالأفضل، وبتحقيق ما قامت عليه انتفاضة شباب الداخل المهمش والمحروم، من عدالة اجتماعية وتوزيع عادل للثروة والحق في التنمية والتشغيل والكرامة، حل مقابل هذه “الأحلام الورية” الخوف من انزلاق الأوضاع نحو حالة من عدم الاستقرار، على غرار ما حصل في بعض دول “الربيع العربي” على غرار سوريا وليبيا، إذ إن هناك إجماعاً داخل تونس وخارجها، على أن الاستقرار الحالي هشّ.

وحتى بعض المكاسب السياسية التي تحققت، مثل دورية الانتخابات والتداول السلمي على السلطة، فإنها اصبحت مهددة بسبب فشل التيارات التي حكمت بعد الثورة، والذي كان من نتائجه المباشرة  تصاعد قوى سياسية محسوبة على النظام القديم (الحزب الدستوري الحر)، لا تؤمن بالثورة وتريد “القصاص” من “رموزها”، من الذين تصدروها طيلة عشرية كاملة، ونعني هنا التيار الاسلامي ذي المرجعية الاخوانية، ممثلا في حركة “النهضة”.

حركة “النهضة”، التي مثلت “التيار” الذي هيمن على الحياة السياسية، طيلة سنوات الثورة العشرة، والتي كانت متواجدة في كل الحكومات، فضلا عن تسللها الى أجهزة الدولة، في الأمن والقضاء والادارة، وتمكنها من خلق “زبونية” مرتبطة بها وكذلك “بورجوازية مالية” تابعة لها وفي خدمتها، يرى الكثيرون أنها مورطة في الفساد وذات ارتباطات مشبوهة، قريبة من تلك التي كانت تابعة لأصهار وعائلة الرئيس زين العابدين الذي قامت عليه الثورة. ولعل هذا ما جعل الكثيرين يجمعون على أن التيار الاسلامي فشل سياسيا وسقط أخلاقيا، ولعل هذا ما يفسر تراجع شعبية هذا التيار، مثلما تؤكد ذلك نتائج الاستحقاقات الانتخابية، حيث مر من مليون ونصف ناخب سنة 2011 الى حولي 400 ألف ناخب في سنة 2019.

يشير غياب البعد الاحتفالي عشية هذا الحدث الهام، الذي تجاوزت تداعياته تونس وأدخل كامل المنطقة العربية في حراك ثوري، يعود إلى حصول خيبة في الشارع التونسي.

خيبة أمل من آمال وانتظارات علقها على الثورة لتغيير واقعه، الذي يجمع المراقبون على أنه ازداد سوءا، مرده الفشل الذريع في الجانبين الاقتصادي والاجتماعي، فالحكومات التي تداولت على الحكم بعد الثورة لم يكن لها برامج وتصورات خاصة في ما يتعلق بوضع منوال تنمية جديد، وهذا ما يفسر انزلاق البلاد نحو أزمة اقتصادية كان لها انعكاس اجتماعي سلبي، تمثل في عودة الحراك الاحتجاجي.

يعيش الشارع التونسي اليوم حالة يأس وإحباط أو انكسار لدى قطاع كبير من التونسيين، ما دفع الكثير منهم إلى التشكيك في الثورة أصلا معتبرين أنها “مغامرة” قامت بها قوى خارجية، ولم تكن تعبر عن مطلب مجتمعي داخلي.

في المقابل هناك من يزال يتمسك بأن ما حصل ثورة، وأن الحراك الثوري سوف يستمر حتى تحقيق وعوده.

فبعد 10 سنوات، بقيت الآمال معلقة، كما تراجع حتى الحق في الحلم، لكن مع ذلك فإن هناك وعياً صامداً بأنه لا يجب الانسياق وراء دعوات تروج لشيطنة التغيير والحنين إلى إعادة إنتاج ما قبل الثورة.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن التحولات الكبرى في تاريخ الشعوب لا تتحقق بقرار بل هي مسار وصيرورة.

وبرأيهم فإن المهم هو الإبقاء على روح الثورة، من خلال اليقظة المستمرة لكل ما من شأنه أن يساعد على الردة إلى الوراء، معتبرين أن التأسيس مهمة شاقة وليس في مأمن من الانتكاسات، التي تقودها قوى ترفض التغيير وتعاديه، لأنه في النقيض مع مصالحها.

في هذا الإطار، يرى أصحاب هذا الرأي أنه  وبرغم الانتكاسات والتراجعات فإن مسار الثورة التونسية لا يزال محافظا على الحد الأدنى الثوري، وهو معطى مستمد من التجربة التاريخية للثورات. فالثورة الفرنسية مثلا عرفت الصراعات السياسية والأيديولوجية، وفترات من المد والجزر انتهت بالانتصار لفرنسا الجديدة .

طذاك سيكون حال الثورة التونسية، برغم ضعف منجزها الاقتصادي والاجتماعي، وهشاشة بنائها السياسي لا ينكر أحدا أنها غيرت المنطقة العربية الإسلامية، ويتوقع أن يستمر تأثير ما حصل في تونس باتجاه مزيد تكريس الحرية والديمقراطية وتحرير الطاقات من المحيط الى الخليج العربي، وهو مسار انطلق ولا يمكن أن يتوقف.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP