الجديد

في ذكرى رحيله الأولى .. سلمى اللومي تدعو رفاق “سي الباجي” الى احياء ملحمته .. “نداء جديد” من أجل تونس

سلمي اللومي الرقيق

غالبا ما تفرض ” الكتابة الاحتفالية ” صعوبات إضافية على من يريد التفاعل مع المناسبات المرتبطة بأحداث وطنية أو دولية أو بشخصيات تركت بصمتها في مجال اشتغالها. و لا شك أن الصعوبة تزداد حين يتعلق الأمر بشخصية في حجم و حضور و إسهام المرحوم الباجي قايد السبسي الذي نتأهب لاحياء مرور سنة على وفاته، يوم السبت 25 جويلية الجاري، وبهذه المناسبة نخصص في موقع “التونسيون”، ملف حول الرئيس الراحل والزعيم الوطني، والرجل الذي ارتبط اسمه عضويا بمسار الانتقال الديمقراطي، الذي انطلق بعد ثورة 14 جانفي 2011، وننشر في ما يلي مقال لأحد أبرز رفاق الرئيس الراحل سلمى اللومي، التي شاركته في تأسيس نداء تونس وتولت مهام رئاسة ديوانه في قصر قرطاج.

في مثل هذا اليوم من السنة الفارطة، غادرنا الزّعيم الكبير الباجي قايد السّبسي رحمة الله عليه، الخميس 25 جويلية 2019، في الذّكرى الثّانية والستّين لإعلان الجمهورية، غادرنا أوّل رئيس تونسي منتخب ديمقراطيا.

في هذه المناسبة، نستحضر ميزات “سي الباجي” الشخصية، ميزات نُقدّر أن بلادنا اليوم في أشد الحاجة اليها، في سياق وطني واقليمي مضطرب، تتشابه عناصره كثيرا مع ظروف عودته  للشأن العام بعد الثورة.

كان الباجي شخصية فريدة، ومُميّزة،و سيرته تدفعُنا لاستخلاص الدروس منها، فقد خلد “سي الباجي”  اسمه حيا وميتا، وليس أقلّها رمزية وفاته في عيد الجمهورية التي سيرتبط بها، فتاريخه هو تاريخها….

وكأنّ القدر أراد أن يكرم الرّجل، الذي قضى حياته في خدمة الجمهورية، خاصة في المرحلة الأخيرة من حياته، من خلال “ادخار” نفسه لإنجاح الانتقال الديمقراطي، ما بعد ثورة 14 جانفي 2011، هذا المسار الذي بقى وفيا، له حتى وهو على فراش الموت، فلم يسمح بالتلاعب به.

رغم تقدّمه في السنّ فقد كان في الموعد، حاضرا لخدمة الوطن، وفي موعد مع التّاريخ، عاد من بعيد ليضع تجربته ورأس ماله الرمزي في خدمة تونس، وهذه المرّة في خدمة الانتقال نحو الدّيمقراطية، وهي القضية التي دافع عليها منذ زمن حكم الرّئيس الحبيب بورقيبة.

فهذا الرجل الاستثنائي، كان مُساهما في تأسيس الجمهورية الأولى والثانية، وكان فاعلا ومؤثّرا في اللحظتين، غادرنا ومسار الانتقال الدّيمقراطي مُتعثّر، هذا المسار الذي كان الرجل أحد أبرز الفاعلين فيه، بل لا أبالغ بالقول بأنّ المسار ارتبط به منذ مارس 2011 الى يوم مغادرته الحياة، في الخامس والعشرين من شهر جويلية 2019.

بعد الثورة، عاد كوزير أوّل بصلاحيات رئيس حكومة، طُلب منه قيادة البلاد نحو أول انتخابات تعددية حرة ونزيهة للتأسيس للجمهورية الثانية، قام بذلك وكان يخطط لاستكمال المشروع الوطني الذي بدأه بورقيبة.

أحيا الرجل المشروع البورقيبي، الذي تعطّل لأكثر من ربع قرن، ولعل هذا ما جعل الكثيرين وأنا منهم، يعتبرون مسار الانتقال الدّيمقراطي، هو بمثابة استكمال لمشروع بورقيبة.

أيّا كان تقييمنا لحصيلة حكم الرّئيس الرّاحل الباجي قايد السّبسي، التي هي مهمّة نتركها للباحثين والمؤرّخين، فإنّ الرّجل استطاع النّفاذ الى قلوب التّونسيين وعقولهم، وحصد شعبية الزّعيم الوطني الكبير، وهو ما تجلّى خاصّة في الجنازة الوطنية والشّعبية، التي شيّع بها الشّعب التّونسي “البجبوج” (على حد علمي لم أعثر على تسمية يمتدح فيها شعب رئيسه مثلما فعل التونسيون مع الرئيس الباجي قايد السبسي).

ونحن نحيي الذكرى الأولى لرحيله، فان أول المحتاجين اليه هي الاحزاب المنتمية لما يُسمى بالعائلة الوسطية، هؤلاء هم اليوم في أشد الاحتياج للباجي قايد السبسي، حتى يُذكرهم بثوابت المشروع الوطني، الذي ما زال يحتاج اليهم، وهو ما قام هو به من خلال تأسيس نداء تونس، الذي تحول في زمن قياسي الى حامل للواء الدولة والوطنية والمدافع على نمطها المجتمعي.

من هنا فان مسؤوليتنا اليوم كبيرة، في بناء حزب وطني كبير، يعيد التوازن للحياة السياسية، ولنا في تجربة قيادة الرئيس الراحل لحزب نداء تونس، خير مثال ومنهج وما ذلك بعزيز على نساء ورجال عاصروا الرجل، واستفادوا من تجربته ونقدر أنهم اليوم قادرون، على اعادة تلك الملحمة لو التزموا بشيء من التواضع ونكران الذات والايمان بحقيقة المخاطر التي تهدد بلادنا.

الى جانب البعد الوطني، فان الرئيس الراحل  كان ايضا علامة مُميّزة في مستوى السياسة الخارجية. فقد  كان شخصية عالمية الاشعاع، تجلّى ذلك  في الدّعوات التي تلقاها والزيارات التي قام بها إلى أهم عواصم العالم فضلا عن مشاركاته المكثفة في القمم والندوات الاقليمية والدولية والعربية.

لم يكتف رحمه الله خلال مشاركاته في الخارج بالجوانب البروتوكولية بل حرص على نقل تطلّعات الشّعب التّونسي، وعبّر بوضوح عن مواقفه من أهم القضايا الاقليمية والعربية والدولية.

وكان محلّ حفاوة وتبجيل في كل مشاركاته بل كان مُقدّما على الجميع، وزادت تجربته وملكاته التواصلية وروح المرح والدعابة لديه في جعله خير سند للتجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي،

هذه المسيرة التي توجت في عهده بنوبل للسلام، لفائدة الرباعي الراعي للحوار الوطني، الذي أنقذ البلاد والعباد والمسار من الانزلاق نحو الفوضى، وما كان لنوبل  أن تتحقق  لولا سي الباجي ووعيه بضرورة الحوار، وأن تونس للجميع دون اقصاء فضلا عن ايمانه الراسخ بأن تونس قادرة على نحت أنموذج لتجربة ديمقراطية، نقدر أنها تواجه اليوم العديد من الصعوبات التي لا نبالغ بكونها تهدد استمرارية التجربة الديمقراطية.

نفتقد اليوم الباجي قايد السبسي، رجل الدولة والسياسي الحكيم، الذي تحول منذ وفاته في 25 جويلية 2019 إلى رمز للجمهورية الثانية وتونس الديمقراطية. وهو ما عبرت عنه مشاعر الجماهير خلال جنازته، في ذلك اليوم التاريخي، صار فيه سي الباجي رمزا لفكرة التجمّيع  حول رمز وطني يعلو فوق الجميع، زعيم وطني يرتفع عاليا فوق صراعات السياسيين،

بعد سنة من وفاته،  تحول الرئيس الراحل الى “رمز” يفتقده الجميع.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP