الجديد

قلب تونس .. و ” فن التحكم ” في “التوازنات السياسية”

هشام الحاجي

أصبحت حركة ” قلب تونس ” منذ فشل لائحة سحب الثقة الشهيرة من راشد الغنوشي في مرمى الاستهداف السياسي و ” القصف الإعلامي و الاتصالي “، من أحزاب و وسائل إعلام و مواقع تواصل إجتماعي، التقت جميعها في ” تحميل ” قلب تونس و نبيل القروي وحزبه مسؤولية هذا الفشل، الذي كانت لأصحابه رهانات تتجاوز على ما يبدو المستوى الوطني لتكون لها تداعياتها الإقليمية، و هو أمر أصبح واضحا منذ 14 جانفي 2011 ، إذ أضحى الارتباط الإقليمي، لأهم الأحزاب السياسية أمرا معلوما، و تحول إلى ما يشبه الأمر المقبول والذي نحن بصدد “التطبيع” معه.

لا شك أنه يمكن قراءة الحملة التي تستهدف حزب ” قلب تونس ” ، من عدة مستويات خاصة و أن الساحة السياسية لم تخل منذ سنوات من مظاهر التجاذب السياسي، علاوة على أن “قلب تونس”، قد تخلى بعد الإنتخابات مباشرة عن أهم مرتكزات خطابه الإنتخابي، الذي قام على تأكيد قطيعة نهائية مع حركة النهضة،  لينخرط في سياسات تقوم أكثر على تقدير الوضع، و البحث عن موازين القوى و المراهنة عليها. .

يمكن أن يكون هذا التحول مدعاة لمساءلة قلب تونس، و لوضع بعض التحفظات، و لكن هل أن منتقدي قلب تونس و نبيل القروي هم أكثر تمسكا بأخلاقيات العمل منه ؟.

لا يمكن الجزم بالإجابة بنعم، خاصة و أن حزب قلب تونس، قد كان حين صوت ضد منح الثقة لحكومة الحبيب الجملي، ضحية ” تعهدات ” لم يقع احترامها، مفادها أن يكون إسقاط حكومة النهضة هو الخطوة الأولى لبناء تحالف سياسي صلب داخل مجلس نواب الشعب، و خارجه لكنه اتفاق لم يعمر طويلا، وتم الانقلاب عليه بعد أقل من يومين،  و هو ما يعني أن “قلب تونس”  قد وقع التلاعب به، و استغلال تمسكه المبدئي بالسعي لخلق توازن سياسي مع حركة النهضة و في العمل السياسي و في الحياة بشكل عام.

يمكن الوقوع في سوء تقدير مسألة مرة واحدة لأن تكرار نفس الخطأ يتحول إلى غباء، و هو ما أدركه حزب  “قلب تونس”،  الذي أصبح  يدرك أن أصدقاء الظاهر لا ينظرون إليه نظرة الجد ، خاصة و أن هؤلاء أكدوا هذه ” المخاوف “، من خلال الخطاب الاستعلائي الذي يخاطبون به نواب “قلب تونس” و رئيسها، و من خلال محاولة “القضم” المستمرة التي تعرضت لها كتلة الحزب، و التي افقدتها بعض نوابها لكنها لم تنجح لحد الآن في الالتفاف على نتائج الإنتخابات التشريعية و الرئاسية.

إذ حلت حركة قلب تونس في المرتبة الثانية، و خاض نبيل القروي غمار الدور الثاني من الإنتخابات الرئاسية ، و كان رصيد الأصوات التي تحصل عليها أكبر،  بما لا يقارن من تلك التي تحصل عليها بعض محركي خيوط اللعبة في كواليس مجلس نواب الشعب، كعبير موسي و محمد عبو و يوسف الشاهد.

و رغم ما يمكن أن يكون قد طرأ من تغيير في المزاج الشعبي، يظل حزب ” قلب تونس”، ضمن الثالوث الذي يحظى بأكثر نوايا تصويت حسب نتائج آخر استطلاعات الرأي إلى جانب حركة النهضة و الحزب الدستوري الحر .

و من علامات ” الاستخفاف ” بنبيل القروي و حزبه،  تلويح الذين عملوا على استبعاد راشد الغنوشي من رئاسة مجلس نواب الشعب ب”جزرة ” تعويضه بسميرة الشواشي و هو عرض لا يمكن لمتابع بسيط للمشهد السياسي أن يصدقه.

ان حزب “قلب تونس” لم يقع تشريكه  في مسار الإعداد للائحة سحب الثقة، و تجاوزت عبير موسي في مخاطبتها لنبيل القروي كل درجات الاستفزاز و التعالي، لذلك كانت اجابة الحزب عدم الانصياع  لما تلقاه من ” أوامر ” ، بما يحفظ كرامة قيادته و نوابه و بما ينسجم مع قراءته للمشهد السياسي، و لما اعتبره  الحزب تخوفا من مزيد تعطيل المؤسسات.

أكد “قلب تونس” أنه يبقى لحد الآن رقما مؤثرا في المشهد السياسي، ما دام قد تمكن في ظرف وجيز من إسقاط حكومة، و لائحة سحب ثقة من رئيس مجلس نواب الشعب، و لعب دورا في التعجيل  بإقالة إلياس الفخفاخ، من خلال لجنة التحقيق البرلمانية التي ترأسها ، و هو ما يعني أن الواقعية التي يمارسها لحد الآن قد أعطت ثمارها…فهل يواصل التحكم في هذا التمشي؟

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP