الجديد

قيس سعيد والأحزاب: من “تسونامي” الانتخابات الى صراع “الشرعية والمشروعية” /1 من 2/

منذر بالضيافي

تواجه تونس، مخاض انتقال سياسي صعب، فبعد اكثر من تسعة سنوات من ثورة 14 جانفي 2011، لم توفق النخبة السياسية بكل اتجاهاتها، الى تجاوز الاسباب التي قامت عليها الانتفاضة على نظام بن علي، والاطاحة بنظام تسلطي ، مثل سقوطه بسرعة اقرار بعجز الدولة الوطنية ( دولة الاستقلال) ، عن تامين حاجيات وانتظارات مواطنيها، ودخولها في ازمة وانسداد افق عجل بإسقاط النظام الذي كان يديرها، عبر حراك شعبي كشف عن “هشاشة” تلك الدولة “القوية” و “المهابة”،  و الضاربة في ارث دولة مركزية متجذر.في التاريخ وفي الممارسة السياسية والادارية/ البيروقراطية.

اليوم، تمر الثورة وتحديدا ما يسمى بالانتقال الديمقراطي بلحظة “فارقة”، في صيرورتها ومصيرها معا، خاصة مع انتشار حالة من اليأس، بسبب ضعف المنجز الاقتصادي والاجتماعي، وهيمنة “السياسة السياسوية” التي اقتصرت الانتقال السياسي في الصراع حول السلطة، واستشراء مظاهر الفساد الذي نخر المجتمع والدولة، ليتم حصر “الديمقراطية” في بعد شكلي – الانتخابات – ، ومع شيوع المال الفاسد وهيمنة مراكز النفوذ، بدأنا نلمس ونعيش تقهقر في هذا الانتقال الديمقراطي، نحو ما أصبح يطلق عليه – وان باستحياء – “الديمقراطية الفاسدة”.

من هنا بدأ “المكسب السياسي”  الذي جاءت به الثورة، يواجه صعوبات ما جعل المشهد مرشح لحصول سيناريو “انتكاسة” ممكنة، بعد ان غاب كل ” منجز” اقتصادي واجتماعي، بل ان مظاهر التفاوت الاجتماعي ازدادت اتساعا، وبرزت للسطح اكثر مما قبل الثورة، مع تفاقم ظاهرة الفقر والحاجة، التي هي مصاحبة لانتشار البطالة، ومزيد تهميش فئات واسعة من المجتمع، والتي تمثل كلها أرضية “خصبة” لتصاعد الحراك الاحتجاجي، الذي قد ينذر بالتحول الى انفجار اجتماعي.

ويتوقع ان يتسع هذا “الفتق”، مع انجلاء جائحة وباء كورونا، التي ستخلف ازمة اقتصادية غير مسبوقة، اذ يتوقع ان يصبح معدل النمو سلبي بين 4 و 5 بالمائة وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، يزامن ذلك مع تواصل العجز عن ابتكار الحلول سواء في علاقة بالوضع المستجد بسبب الوباء، او في علاقة بما قبله، وهنا نلاحظ ان كل الحكومات التي جاءت بعد الثورة، لم تعمل  على اجراء حتى بعض التعديلات الطفيفة على منوال التنمية الذي دفنته الثورة، ما يجعل منها حكومات اقرب الى التواصل منها للقطيعة مع خيارات دولة الاستقلال.

لعل هذا ما يفسر اتساع الهوة بين هذه النخب الحاكمة، وبين عامة الناس ليصل الوضع الى ما يشبه القطيعة. وقد كشفت انتخابات 2019 خاصة الرئاسية عن هذا الوضع الجديد، من خلال معاقبة الناخبين لرموز وقيادات واحزاب النخبة السياسية، التي تصدرت المشهد الما بعد ثوري، بما في ذلك التيار الاسلامي ممثلا في حركة النهضة، الذي كشف الحراك المجتمعي على نهاية “خرافة” عدم هزيمة تيار الاسلام السياسي في استحقاق انتخابي ديمقراطي، تقلصت الكتلة التي منحت أصواتها بين 2011 و 2019 من مليون و 400 ألف الى أقل من 500 الف.

ترجم هذا التراجع، من خلال تقلص عدد النواب في البرلمان، و فشل مرشحهم للرئاسيات (الشيخ مورو) الذي لم يصل للدور الثاني، واضطرارهم ومن باب “التقية السياسية” الى ركوب “موجة” قيس سعيد ، ودعمه في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، دعم سرعان ما سنجد أنه بصدد التبدد  في كل يوم، نظرا للتباينات الكبيرة والعميقة بين الطرفين، ليتحول الى صراع مفتوح تبدو كل الاسلحة جائزة و ” حلال” فيه،  خاصة من قبل الاسلاميين وانصارهم، في حين يبقي قيس سعيد في وضع “مريح”، وباق على مميزات “الغموض” الذي صاحبه منذ  بروزه فيث الحياة السياسية.

كما أن حال بقية العائلة السياسية ليس أفضل من وضعية التيار الاسلامي، بل هو أسوأ بكثير، فالتيار اليساري لا نكاد نعثر له على تمثيلية لا في المؤسسات ولا في المشهد السياسي والاعلامي، بعد الانهيار الكبير ل “الجبهة الشعبية”، وذات الوضعية تنسحب على ما يسمى ب “العائلة الوطنية”  ولعل مثال حزب “نداء تونس” خير مثال ودليل، فهذا الحزب الذي أوصل في 2014 زعيمه الراحل الباجي قايد السبسي الى قصر قرطاج، وحصد 86 نائبا في البرلمان، نجد أنه تفكك و”أصبح خبر بعد علم” كما يقال، و حتى “الكيانات” الحزبية، التي “فرخت” من “النداء” كان مصيرها الأفول وبسرعة متناهية، واخرها حزب “تحيا تونس” الذي برغم ولادته في أحضان السلطة، واستفاد من ريعها فانه بلا وزن يذكر، ورئيسه يوسف الشاهد خسر كل المعارك التي خاضها وآخرها الانتخابات الرئاسية، وخرج من السلطة.

تراجع الأحزاب السياسية في الاستحقاقات الانتخابية وضمور شعبيتها فضلا عن تنامي صراعاتها الداخلية، كشف عن حالة القطيعة بين هذه الاحزاب (التي تعيش أزمات هيكلية ولا تسير بطريقة ديمقراطية)  وكذلك النخب المرتبطة بها وخاصة قطاع كبير من الاعلام، وبما أن “الطبيعة تأبى الفراغ” مثلما يقول المثل الشعبي، فان الفراغ سمح للتيارات ” الشعبوية” باكتساح الساحة، ليحصل يوم اعلان النتائج ما اتفقنا على تسميته ب “التسونامي”، من خلال وصول رئيس من جماعة “الشعوبيين” لقصر قرطاج، و من خارج “السيستام” ، وايضا تصدر حزب هو ايضا يمكن تصنيفه ب ” الشعبوي” ( قلب تونس) للمركز الثاني في عدد النواب في البرلمان.

لكن، برغم هذه النتائج الانتخابية “المذلة” لأحزاب “السيستام” ورموزه،  فإنها استمرت في الاشتغال بنفس المنهج والسياسات والمقاربات في التعاطي مع ادارة البلاد ، وكأن شيئا لم يقع، بل الاكثر من ذلك انها تصر على الهروب للأمام، ولا تريد اجراء مراجعات ونقد ذاتي لأسباب ودواعي “خيبتها”، وفي المقابل تسعى ل “شيطنة” كل من يوجه لها النقد، وخاصة اذا جاء هذا النقد من “غريمها”، وليس الا الرئيس قيس سعيد، الذي لم يفوت فرصة منذ وصوله لقرطاج، عن توجيه سهامه للطبقة السياسية ولأدائها السياسي في البرلمان وفي الحكومة، والتي قال أنها تعيش حالة من “البؤس السياسي” وهو برأي محق في ما ذهب اليه، بالنظر لتقييم أدائها خاصة في البرلمان، و الذي كان مدخلا نفذ من خلاله الرئيس سعيد، لإثارة العلاقة بين ثنائية “الشرعية” و المشروعية”، ليدخل بذلك حالة من “الرعب” و” الهلع” في صفوفها.

المقال المقبل:

قيس سعيد والأحزاب: أخطأ و أصاب .. فما هي الخطوة المقبلة؟ /1 من 2/

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP