الجديد

كورونا المجنون .. كورونا العاقل

المهدي عبد الجواد

منذ انطلاقه من اقليم يوهان بالصين، ينتشر فيروس كورونا المستجد في كل الاتجاهات،  يمسح الأرض و يخترق الحغرافيا و الحدود، لا فرق عنده بين البلدان و الأجناس و الأعراق و الديانات او اللغات.

يستهدف كل الأعمار كبيرها و صغيرها. ينفذ الكورونا إلى الناس بشكل يجعله حتميا كالموت تماما.

** كورونا المجنون

يتعدى كورونا بين الناس بطرائق مختلفة غير محدودة. قد يكون باللمس و التسليم، او التقبيل، و العُناق. بالعطاس او السعال، قد يلتقط الإنسان العدوى. هذه التفاعلات السلوكية التي يختص بها الإنسان كعلامة على إنسانيته و جوهر “كيانه الاجتماعي” صارت مساوية تماما للموت.

يجلس الأحبة معا، متباعدين، لا يتلامسون و لا يتخاطبون الا عبر الحواجز، لا يأكلون معا، و لا يتبادلون الأنخاب و لا الكؤوس، يشكون في بعضهم بعضا. لم يعد الآخر صديقا و حبيبا و “سكنا” بقدر ما صار عدوا و موتا و خطرا.

في الثياب يسكنُ كورونا. في عربات الحافلات، و على الكراسي في القطارات و المقاهي و الحانات، قد يكون مترصدا. في المفاتيح، و في لوالب الأبواب يُمكن ان يكون منتظرا فريسته.

في الأموال أوراقا كانت او نقودا ينتقل باللمس. المال الذي كانت الناس تعتبره سرّا للحياة و السعادة صار مساويا للموت.

كورونا المجنون، يتربص بنا في كل مكان. يتلهى بمشاعر الناجين. يجعل حياتهم رعبا شاملا. يسكن الهوس خيالاتهم، و يدفعهم إلى العزلة المادية و الروحية. انه يُصيب الناس بالجنون. ينقل اليهم جنونه. فيشكون في بعضهم البعض. و يتهافتون على التبضّع و الشراءات و الإقتناءات، إيثارا للذات و حرمانا لغيرهم من الناس. يخشون الموت جوعا و هم يهربون من الموت بالكورونا.

كورونا المجنون، يفتك بالإنسانية و يسدّ عليها كل مصادر راحتها و سكينتها. أُغلقت دور العبادة و اختفى الكهنة الهنود و البوذيون و المسلمون شيعة و سنة و اليهود و المسيحيون بكل كنائسهم. و تُرك الانسان الى وحدته الاولى خائفا مذعورا من الكورونا. توقفت الفنون في المسارح، و صمتت آلات الموسيقى على العزف، و توقف الرقص و اختفى اللاعبون و أطفئت شاشات السينما. و سيطرت الكأبة و الحُزن على العالم. طقوس الجنائز نفسها تغيرت، و لا يُودّع الناس أحبابهم الذين فقدوهم في غفلة منهم.

كورونا المجنون يفتك بالعالم و بكل الاشياء الجميلة التي راكمها الانسان طيلة آلاف السنين، يجعل العالم بجنونه عالما كئيبا حزينا، و الناس فيه مجانين.

** كورونا العاقل

لكورونا المجنون شقيق آخر يعيش معه و يُحايثُه. إنه كورونا العاقل. الصوت الخفيّ الذي يُريد أن يُعيد للإنسان إنسانيته. و يدفعه الى ان يمنح لحياته معنى في عالم التفاهة، و التافهين. كورونا يفرض على الانسانية اليوم التفكير من جديد في معنى وجودها و مقوماته.

انه تفكير في الوجود ذاته. المعرفة و التكنولوجيا و العلم هي التي ستمنح للانسان “ما بعد الكورونا” سُبُل الخلاص.

فبقدر ماكان الكورونا موتا مجنونا يقتلنا عشوائيا، فإن نظاما ما “يطلعُ” من هذه الفوضى. يفرض علينا ان نُعيد للعلماء هيبتهم، و منزلتهم، و قد صارت ثقافة “هزّ الوسط” هي الرائجة. يفرض علينا حُسن اختيار قياداتنا السياسية، و قد صار التافهون و التافهات أسياد مصيرنا.

كورونا العاقل هو كورونا العقل. سيتخفف العالم من أثقاله المادية و الرمزية. و سيكون بعد هذه الكارثة أقوى. و لكن القوة ستزداد تكثفا عند شعوب العلم و المعرفة و التقنيات الدقيقة.

بين الجنون و العقل، يتلهى الناس باحتساب الموتى و المصابين. و يخفُتُ تدريجيا صوت التفاهة و نداء المشعوذين، ليكون العلماء و الاطباء و الحكماء آلهة اللحظة الجديدة. لحظة الخلق للعصر الجديد.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP