الجديد

لقاء سعيد بالطبوبي .. حتى تكون الخطوة الأولى في “الانقاذ

المهدي عبد الجواد

لم يلتق الرئيس قيس سعيد شخصيات سياسية، أو ممثلي المنظمات الوطنية منذ مدّة طويلة، ولم يترك فُرصة تمرّ دون ان يُقيم الحدود ويرسم الفروق بينه وبينهم. ولكن يبدو أن قيس سعيد اليوم في وضعية معقّدة وصعبة.

فقد بدت عزلته الدولية واضحة كشفها ترديده في مجلس الوزراء أكثر من مرة رفضه “للتدخل الخارجي” وهو علامة على حجم الضغوط التي يتعرض لها، خاصة بعد انتشار صور التعاطي الأمني العنيف مع متظاهري الجمعة 14 جانفي ( ذكرى الثورة).

لقد تجاهل الرئيس بشكل كلي اية إشارة لما حصل في شوارع العاصمة، ولم يُشر إلى “واقع الحريات” وهو الذي لم يدخر جهدا سابقا في الإشارة إلى إدانة التعامل العنيف مع المتظاهرين  زمن “الحكومات السابقة” لأنه يتكلم بصوت “الشعب الذي يريد”.

وهذا التجاهل هو في جوهره أقصى درجات الاهتمام، فقد كانت نتائج مظاهرات الجمعة “مخيفة” وعمّقت عزلة الرئيس داخليا وخارجيا.  وفي هذا السياق كان لقاء الرئيس بالأمين العام للاتحاد العام التونسي لشغل، بعد “جفوة” استمرت ستة اشهر، و وصلت حدّ التعريض والتجريح و”رمي المعنى”.

تمّ اللقاء، بطلب من رئيس الجمهورية نفسُهُ، وبقطع النظر على نتائج اللقاء المُعلنة فإن أهم ما فيه رسائله السياسية.

فالرئيس يروم فكّ عزلته الداخلية خاصة وهو مُقدم على وضع اقتصادي خطير، إذ يّنتظر تأخّرا كبيرا في صرف الأجور ، وبعض التسريبات غير الرسمية تكشف “عهودا” خطيرة وعدت بها حكومة سعيد صندوق النقد الدولي، فضلا على غلاء غير مسبوق في الأسعار وارتفاع التضخم.

وهنا يكون فتح باب التحاور مع اتحاد الشغل هو “أهون الشرور” لقيس سعيد الذي يرفض التعامل مع الجميع ويُعادي كل المنظمات والهيئات والجمعيات والأحزاب. وكل الأجسام الوسيطة .

أما بالنسبة للأمين العام للمنظمة الشغيلة، فانه نجح في أن ينتزع من رئيس الجمهورية إعترافا مهما بدوره ومكانته السياسية قبل الاجتماعية، وهو إعتراف مهم قبل مؤتمر الاتحاد الشهر القادم.

فالأهم اليوم للنقابيين وللأمين العام هو عقد المؤتمر منتصف شهر فيفري القادم دون مشاكل ودون “تشويش”، خاصة وأن بعض الأصوات المعارضة من داخل المنظمة ومن خارجها قد تستغل الوضع للتشويش على المؤتمر.

ورغم أن بعض التسريبات تمنح وزير الشؤون الاجتماعية وأمين عام حركة الشعب دور الوسيط الذي يسّر لقاء الرجلين، فإن “المصلحة الثنائية” المشتركة بينهما هي التي جعلت هذا اللقاء ممكنا، ومنحته أهميته.

وفي كل الحالات فإن قيس سعيد تراجع خطوة من شانها أن تخفّف عليه بعض “ضغوط” وعزلة داخلية، وتسمح له بإرسال إشارات تغيّر إيجابي في إدارته للشأن السياسي وخاصة علاقته مع مكونات المشهد السياسي والاجتماعي الوطني، وهو ما عبّر عنه صراحة بقبول الحوار مع الجميع “إلا من نهب المال العام”.

كما أن الأمين العام لاتحاد الشغل دخل اللقاء دون أن يتراجع قطّ على مواقفه او “خيارات الاتحاد” الوطنية، وهو الذي عبّر على رفضه للاستشارة الإلكترونية وعارض استئثار الرئيس بالسلطة، كما عبّر في أكثر من مناسبة على كون الحوار هو السبيل الوحيد للانقاذ الاقتصادي والإصلاح السياسي، ودعا لاحترام الحريات والبناء الديمقراطي.

لقد حصُل اللقاء الذي تأخر كثيرا في لحظة مفصلية، لقاء قد يسمح بمراجعة المرسوم 20 لحكومة الرئيس الذي قوبل برفض من قبل النقابيين، وقد يفتح باب التفاوض بين حكومة سعيد واتحاد الشغل في لحظة اجتماعية تحتاج تفاوضا في ظروف هادئة.

ورغم أن لقاء الرجلين قد يكون “لقاء تكتيكي” من أجل جرعات اكسيجين لهما ، فإنا نعتقد أنه في كل الحالات خطوة ايجابية تكسر الجليد، ولا يجب أن تكون “بيضة الديك” بل يجب أن تكون فاتحة لقاء وطني كبير غايته توفير شروط الانقاذ الوطني الشامل، تُشارك فيه كل القوى السياسية والفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين لصياغة عقد إجتماعي جديد على قاعدة الديمقراطية، بشكل يُحصّن دولة الحريات والمؤسسات.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP