الجديد

محمد عبّو يفتح النّار على النهضة

                                                                         

شعبان العبيدي

خلال ظهوره الليلة في برنامج تلفازي على قناة خاصّة، ظهر الوزير الأوّل لدى رئيس الحكومة السابق للوظيفة العمومية والحوكمة ومحاربة الفساد الذي غادر الحكم على إثر استقالة مفروضة على حكومة الفخفاخ، في خطاب متشنّج وانفعالي لم يكد يخلو من اعتماد معجم الاستخفاف والإهانة والتجريح والسباب لكلّ خصومه وخصوم حكومة الفخفاخ من نواب وخاصّة حديثه عن حركة النهضة، وهو أسلوب لم نعهده في أسلوب الأمين العام للتيّار الديمقراطي الذي عرف بالاتّزان والحكمة والوضوح. ولكنّه بيّن اليوم بلا ما يدع مجالا للشك أنّه عبّر من خلال خطابه المتشنج والدّاعي في رسائله إلى إدخال البلاد في الفوضى نهاية طبقة سياسية ما بعد الثورة وفشلها سياسيا وإداريا، وسقوطها الأخلاقي في مستنقع السباب والردود الانفعالية.

النّهضة حركة انتقلت من النضال إلى الفساد

لم يتوان محمد عبّو وهو يردّ على الأسئلة الموجّهة له في أنّ يردّ كلّ مشاكل حكومته والقضايا التي اعترضتها في ردّها إلى بوتقة حزب سياسي محرّك للعبة السياسيّة وهو حزب حركة النهضة، الذي وسمه بكلّ قوّة ووسم رموزه دون استثناء بأنّهم محتالون سياسيون، ومفلسون قيميا، حين اعتبر أنّ بن عليّ حطمهم نفسيا وأخلاقيا، وخلق منهم جماعات من المتمعشين من الدّولة ورؤوس الأموال. بل عبّر في أكثر من مرّة بأنفهم جماعة من الفساد لا رجاء في إصلاحهم.

وبرّر خطابه العنيف هذا بمحاولاتهم المتكرّرة منذ 2011 في السيطرة على مفاصل الدّولة من خلال التسميات والتدخّلات والتعيينات، وأنّ الأسوأ في ذلك أنّهم لا يقدّمون لهذه المناصب إلاّ الأسوأ منهم. بالرّغم من كلّ ما يكيله عبّو للنهضة فهو كان شريكا ومحاورا ودخل معها في الحكم مرّتين، فكيف يأبى على نفسه وهو النّزيه أن يضع يده في أيدي من ينعتهم بهذه النعوت إلاّ أن يكون ذلك تحت إغراء الكرسيّ وامتيازاته.

تبدو حركة النهضة خلال هذه المرحلة السياسية حزبا فاعلا متحكما في كلّ شيء، فكلّ أزمة في حزب أو كتلة أو حكومة توضع على أكتافها. ابتداء من أزمة النداء ثم الخلاف بين الشاهد والمرحوم الباجي إلى معركتها مع الشاهد وأخيرا سقوط حكومة الفخفاخ  إلى أزمة الكتلة الديمقراطية الجديدة التي اتهم رئيسها المعزول في بيان له حركة النهضة بسعيها إلى قلب عملية التوافق فيها. فإذا كانت هذه الحقائق بهذا الحجم معناه أنّ النهضة لم تعد حزبا فحسب بل هي أخطبوط ذو أذرع عديدة متمدّد في كلّ مسالك العمل الحزبي والسياسي وهذا حسب رأيي ضرب من المغالة ومحاولة لتبرير الهفوات بإلقاء التهم على الخصم.

محمد عبّو يسقط في الابتذال والسباب

مثلما شدّد محمد عبّو على مظاهر هذا الفساد سواء في تأكيده على تبييض الأموال عبر القنوات التلفازية أو التمويل الحزبي والتحالف مع الرأسمال الفاسد. ونعتبر هذه التهم التي جاءت بعد خروج رئيس الحكومة السابق إلياس الفخفاخ وانتهاجه النهج نفسه في حملته على النهضة وعلى بعض رجال الأعمال مسألة خطيرة مادامت تضرب عمق الدّولة وتساهم في استشراء الفساد والمحسوبيّة وتهدّد الأمن الاجتماعي يتعامل معها القضاء والسّلطة التشريعية والتنفيذية بصمت. وإمّا أن يكون خطاب السيد محمد عبّو –والذي لا أتصّوره يقع في هستيريا الاختلاق – متحاملا على النهضة، يمارس عملا خطابيا شعبويا لتكسير آخر مجادف الحركة من خلال تقديم صورة لها يراها الحقيقية للشعب التونسي، وما هو في ذلك إلاّ عمل داخل في باب المزايدة السياسية والخطاب السياسي العقيم الغالب على الساحة، وهو قد أعلن اعتزاله للحياة السياسية.

ذهب محمد عبّو إلى أنّ قلب تونس أفضل من النهضة، وأن التحالف معه أجدى وأهون ولم يستبعد أن تكون رئيسة الدستوري الحر في نفس منزلة قلب تونس لو أنّها تخلّت عن تمجيد الديكتاتورية السابقة، وكأنّ السيد محمد عبّو لا يرى لها ممّا تأتيه ما يعطّل الحياة السياسية ولا يرى في دورها في الحياة البرلمانية مشكلا. ولذلك لا يتحرّج محمد عبّو وهو الوزير المعتمد لدى الفخفاخ في أنّه كان يتحكم في الكواليس وكان يقوم بأدوار في العزل والتسميات تحت مبدأ المصلحة وحده. ولم يخف دوره في عزل وزراء النهضة في تلك المرحلة من حكومة تسيير الأعمال رغم اعترافه بالدور الكبير الذي لعبه وزير التعليم العالي. ومن البيّن أنّ هذه العلاقة بين الرئيس ووزيره الأوّل جعلت محمد عبّو يتحكّم في أوراق اللّعبة ولو لم تكن مدّة الحكومة قصيرة مسجونة بسبب الوباء لكانت للأمين العام للتيار الديمقراطي صولات وجولات.

محمد عبّو وإيمانه بالتضامن الحكومي

في الوقت الذي بيّن فيه محمد عبّو تضامنه مع حكومته وحاول تبرير دفاعه عن رئيس الحكومة المقال تبريرا قانونيا، كان كلامه عن الشعب التونسي كلاما فيه مسّ أخلاقي واستعلاء في اتّهامه بالغباء والحمق سواء في انتخابه لهذا الطبقة السياسية أو في تصديقه لخطاب الساسة المحتالين، في الوقت الذي نزّه فيه نفسه وقدّمها على أنّه السياسي الفاضل الأفلاطوني الذي جاء في عصر غير العصر وناس غير الناس. لم يتوان الأمين العام للتيار الذي حاز على احترام كبير من التونسيين في اعتماد عبارات الاستصغار               والاستخفاف والنعوت القبيحة في حديثه عن النائب ياسين العياري، واعتبره مغامرا سياسيا يحترف الكذب والتشويه، جاهل بالحقائق، تدفعه لولبيات خفية.

وهو يحاول كلّ مرّة أن يظهر في صورة النائب المدافع عن مصالح الدولة والمتتبع لقضايا الفساد. واعتبر قرار الفخفاخ بفتح الحدود وعدم الالتزام بالإجراءات الضرورية خيارا بين أمرين: إمّا مواصلة الحجر وبالتالي تهديد مواطن رزق القطاع السياحي وهو ما كان يهدّد بتحرّكات اجتماعية وإمّا فتح الحدود وله نتائجه. ورغم أنّ ذلك الإجراء غير المقيّد باحترام القيود بصرامة هو سبب ما نعيشه اليوم من أزمة بالغة التعقيد بسبب الوباء وإضاعة فرصة إعداد خطّة استعجالية طبيّة متقدّمة تجنّب البلاد ما وقعت فيه اليوم فإنّ السيد عبّو لا يرى في ذلك خطأ. وإن كان النّاس يرونه كذلك فعلى الحكومة السابقة أن تتحمّل مسؤوليتها في ذلك.

إلى متى تبقى تهمة الفساد وسيلة اللعبة السياسية والجدل العقيم؟ هل أنّ ما أوصل الدولة اليوم إلى هذا الوضع البائس منحصر في الفساد وحده؟ وإلى متى تبقى كلّ الحكومات التي تعاقبت تلوك هذا الملف وتستعيده دون أن تخرج منه نهائيا بالحسم فيه؟ عموما لم يكشف عبّو للتونسيين إلاّ عن مزيد من تعفن الحياة السياسية، ولم يفلح في استعطافهم لأنّه في قلب ورطة الحكم والفساد السياسي الذي كان سببا في خراب الدّولة وتفاقم الأزمة.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP