الجديد

مسيرة النهضة .. “الشارع” يعمق الأزمة .. و”النهضة” تبحث عن “تسوية”

منذر بالضيافي

تعددت الأصوات و الجهات، الداعية لضرورة الحوار، للخروج من الأزمة السياسية، لكن لا من مجيب وكأننا مثل الفلاح الذي يحرث أرضا بورا، وتم الاستعاضة عن ذلك بالاستعراض في الشارع، وهو ما سيزيد – في تقديرنا –  في تأخير الحل فقط، و في مزيد تعقيد الأزمة، وجعلها غير قابلة للتسوية على المدى المنظور.

فبرغم الوعي بأن ما يجري وصل درجة “العبث”، وأنه أربك مؤسسات الدولة، وأرهق الاقتصاد، واصبح ينذر بتحويل تونس، الى دولة مفلسة وفاشلة، كما فتح الباب على مصرعيه للتدخل الأجنبي، من خلال تعدد تحركات سفراء الدول الكبرى، ووصل الأمر حد “استدعائهم” للفصل بين الفرقاء، في مشهد أعاد للأذهان السياق الذي تسلل منه الاستعمار الفرنسي، لبلادنا في 1881.

ومع ذلك، فان الطبقة السياسية خاصة الحاكمة، ممثلة في ما أصبح يسمى ب “الرئاسات الثلاث”، اختارت الهروب الى الأمام، من خلال “تعنت” الرئيس قيس سعيد، و رفضه قبول التحوير الوزاري الأخير.

أو من خلال اصرار رئيس البرلمان ورئيس حزب ” حركة النهضة” راشد الغنوشي، على لعب دور “الحاكم” للبلاد، من بوابة البرلمان، وبالتالي تم فسح المجال واسعا لصراع الصلاحيات.

وهنا اختار راشد الغنوشي الاحتكام للشارع، في مسعى منه لفرض “تسوية” سياسية على قصر قرطاج، واعادة “التموقع” في السلطة، التي لا يبدو أن الاسلاميين  مستعدين للتفريط فيها هذه المرة، على خلاف ما حصل سنة 2013.

تحت عنوان: ” دعم الشرعية و المؤسسات”، اختار الاسلاميون النزول للشارع، للدفاع عن “الديمقراطية” المستهدفة من “شعبوية” الرئيس قيس سعيد، و “فاشية” زعيمة “الحزب الدستوري الحر” عبير موسي.

وكان النفير العام داخل الصف الاسلامي، عبر التعبئة والتحشيد، وهنا عادت الحركة الى خطابها التعبوي التقليدي (الديني)، سواء من خلال احياء المفردات الدعوية، أو عبر اللجوء لوجوه محسوبة على “التيار الدعوي” (مثل “الشيخ اللوز)، وجوه تم ركنها في الظل بعد اعلان الحركة منذ ماي 2018 ( المؤتمر العاشر) عن الفصل بين “السياسي” و “الدعوي” أو الفصل بين “الحزب” و “الحركة”.

وهنا سابقت الحركة الزمن وكل التحديات بما فيها الكورونا التي قتلت أكثر من 7 الاف تونسي لحد اليوم،  من أجل تأمين خروج استعراضي في الشارع، وكان لها ما أرادت، في مسيرة السبت 27 فيفري 2021، التي أعادت للأذهان مسيرة رمضان 2013 في تونس، و اعتصام “رابعة” في مصر، على اعتبار وأن المرجعية هي نفسها ( الفكر الاخواني)، فهل تكون النتائج هي نفسها أي اعادة انتاج ما حصل في مصر وان كانت السياقات والمناخات مختلفة كثيرا؟

دون التفصيل في البحث عن اجابة لسؤالنا السابق، فإننا نجد أن الاسلاميين لا يستفيدون من دروس الماضي القريب، وهم الذين تصدروا قيادة البلاد بعد “ثورات الربيع العربي”، مسكوا الحكم في عواصم عربية هامة، مثل مصر وتونس (أهم الحواضر التاريخية العربية)، وهم غير مستعدين لذلك، لأنه لا مشروع مجتمعي وسياسي لديهم، غير التمكين ل “طائفة” و ل “مشروع ” لا يقل “غموضا” عن “الشعبوية” التي جاء بها فشلهم في الحكم، غياب الرؤية والبرنامج، جعل “الاخوان” يلجؤون الى وهم “الاحتماء” ب “الجماهيرية” أو “القاعدة الشعبية”، برغم أنها في تراجع كبير، مثلما تبين من خلال نتائج الانتخابات بين 2011 و2019 وايضا من عمليات سبر الآراء الحديثة.

مما تقدم، نريد الاشارة الى أن الاحتكام للشارع، ومحاولة توظيفه لفرض تسوية سياسية، أصبح في تقديري – وبناء على التجارب القريبة –  عملية انتحارية، وخصوصا عندما تكون “الجماعة” في الحكم، فالتعبئة  التي تتقنها جيدا الأحزاب ذات المرجعية الدينية، لا تفيد والحزب في الحكم، بل انها تتحول الى مجال ل “السخرية” و “التندر”، وهذا ما حصل مع مسيرة “النهضة”، السبت 27 فيفري 2021.

وبرغم خطاب “الشيخ الغنوشي”، الذي ركز فيه على “الوحدة الوطنية” و رفض تعدد “الشوارع”، وبرغم هيمنة الراية الوطنية التي كانت الأكثر حضورا في مسيرة محمد الخامس، فان المحظور حصل، حيث  تم التأكيد على حالة الانقسام التي اصبحت “مركبة”: سياسية ومجتمعية وعقائدية، وبالتالي عدنا الى المربع الأول، لكن هذه المرة في سياقات مختلفة، لا تخدم صالح تيار الاسلام السياسي، فقد تغير الحال من موقع الطرف “المضطهد” و “الضحية”،  الى الطرف المهيمن والذي يريد فرض أجندته، و “التمكين” لمشروعه المجتمعي والسياسي.

كما أن “الجماعة”، لم تكن كما كانت في السابق “حركة احتجاجية”، بل تحولت الى “حزب حاكم” ( طيلة عشرية كاملة)، وبالتالي فان  “الشرعية”  ستكون وفق “الحصيلة” و “المنجز”، وفي السياسة دوما العبرة بالنتيجة، وهنا نجد أن الحصيلة والمنجز لا شيء، فشل سياسي في تقديم الحلول وفي الحوكمة وادارة الدولة، وهذا ما كان غائبا أمس في خطاب الغنوشي، على بعد أمتار قليلة من شارع الزعيم الحبيب بورقيبة،  وسط العاصمة تونس.

كان خطاب الغنوشي، وبرغم تمسكه بالدعوة ل “التحابب” و “الوحدة الوطنية” وهذا مهم وضروري بل ايجابي، خال من كل تصور سياسي للخروج من الأزمة، بل أنه كان أقرب الى توجيه رسائل تحدي لخصومه ( الرئيس قيس سعيد و زعيمة الدستوري الحر عبير موسي)، ما يعني أنه كان في سياق رد الفعل والانفعال، حتى وان تم “تغليفه” بمفردات “التسامح” و “الحوار” و “العقلانية”.

خطاب الغنوشي أمس السبت، كان موغلا في “السياسوية”، وغاب عنه الوعي بالواقع المنفجر، خاصة ازمة الكوفيد  وما قد ينجر عن تلك “الحشود” ، التي تم احضارها في تجاوز غير مسؤول للبروتوكول الصحي ، وما قد ينجم عنه من كارثة صحية في قادم الأيام.

فضلا عن اهمال لما يعتمل في رحم المجتمع من قلق وتوتر،  ترجم من خلال الحراك الاجتماعي الاخير، وما يعني ذلك من بعد عن اهتمامات ومشاغل التونسيين، وحصر “المعركة” في الصراع حول الحكم ومغانمه، برغم وجود اشارة غامضة ومبهمة لصعوبة الظرف الاقتصادي.

لذلك فان “المسيرة الضخمة”، لا يمكن البناء عليها حلولا لتجاوز الأزمة السياسية، كما أنها زادت  في تكريس الانقسام، وبالتالي مزيد عزلة الحزب الاسلامي، سياسيا ومجتمعيا ولدي النخب.

برز الغنوشي من خلال خطاب الامس زعيم “جماعة”، وخرج للدفاع عن “موقع” و “مكانة” حركة “النهضة”، لا عن الديمقراطية المستهدفة، وان كان المسار اليوم هو فعلا مستهدفا، لكن ليس من “الشعبوية” و “الفاشية” الصاعدة فقط، بل من الفشل السياسي ومن غياب برنامج حكم لإدارة البلاد، ومن حكم الهواة طيلة عشرية كاملة، والذي كانت حركة “النهضة” – وما تزال – عموده الفقري .

ان التحديات التي يمكن امتحان النهضة فيها وهي في الحكم ليست سياسية، حيث من المستبعد بل من المستحيل التنكر للخيار الديمقراطي التعددي – وحتى ان حاولت فلن تستطيع – ، وهذا ما أكده قبولها ب “مخرجات” الحوار الوطني في 2013، والذي جاء بعد مسيرة “الدفاع عن الشرعية” في أوت/ رمضان 2013 ، وهو ما نقدر أنه سيكون ايضا بعد مسيرة “الدفاع عن الشرعية2” أمس 27 فيفري 2021، و ان تغير المكان من ساحة “القصبة” الى “شارع محمد الخامس”، لكن – أقدر – أن النتيجة ستكون نفسها، أي البحث عن حوار وطني يخرجها من المأزق، والقيام بخطوات  للوراء، والأقرب أن تكون “التضحية” بحكومة المشيشي، وبالأحزاب التي تشاركها في الائتلاف الحاكم (خاصة قلب تونس).

بالعودة الى مسيرة السبت، و ما صاحبها من “تحشيد” و “تعبئة” واسعة، وبعيدا عن ما ذهب اليه الكثيرون، من أن الغاية منها هو استعراض قوة “التنظيم” وجماهريته، فإنها لا تعدو أن تكون الا مقدمة للبحث عن تحسين شروط التفاوض من موقع “مشرف” لا غير، على اعتبار وأن “الحركة الاسلامية” هي الأكثر تضررا من “البلوكاج” الحالي، خصوصا وأن أمامها رئيس جمهورية لا يحسن المناورات السياسية، ولا “فنون السياسة” التقليدية، القائمة على “التوافقات” و “التسويات”، على غرار ما حصل في أوت 2013 مع الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي.

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP