الجديد

مع دخول الأسبوع الثالث من المشاورات .. هل نسير نحو “حكومة الكفاءات “

المهدي عبد الجواد

يدخل هشام المشيشي، رئيس الحكومة المُكلّف الأسبوع الثالث من المشاورات. التقى في الأسبوعين الأولين كل الفاعلين السياسيين والمهنيين وبعض الشخصيات الوطنية المالية والاقتصادية. وختم لقاءاته بخطوة جريئة، تكشف وعيا باستمرارية الدولة، إذ دعا إلى مشاورات دار الضيافة رؤساء الجمهورية  ورؤساء الحكومات السابقين. ولا نشكّ في كون رئيس الحكومة المُكلّف قد صار يمتلك صورة واضحة وعقلانية على الواقع السياسي والحزبي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد، يُعمّق معرفته السابقة له، وهو ابن الإدارة التونسية، والمشارك الفعلي في بعض “مراكز” التخطيط والقرار في الحكومات السابقة.

أهم ما رسخ في ذهن الرجل هو حالة الانقسام الحاد التي تشق الطبقة السياسية والحزبية، وحدّة التنافر بين مكونات المشهد السياسي، ناهيك على “التجاذب” الخفيّ بين الفاعلين المهنيين/الاجتماعيين، إذ لا نعتقد ان وجهات النظر بين اتحاد الشغل واتحاد الأعراف أو منظمة كوناكت أو حتى بعض الأحزاب ذات التوجهات اللبرالية متقاربة في بعض القضايا وخاصة في علاقة بالإصلاحات الضرورية للإنعاش الاقتصادي ومعالجة انخرام المالية العمومية و المؤسسات العمومية.

برلمان مُعطّل .. وانقسام حزبي

زادت نتائج انتخابات 2019، في تكريس ظاهرة التشتت البرلماني وتفتّت الكتل الحزبية والسياسية. فعلاوة على صعود بعض التيارات الشعبوية، التي تملكّت كتلا مهمة (38 نائبا بين ائتلاف الكرامة والدستوري الحرّ) صعد إلى البرلمان عدد كبير من النواب المستقلين او ممثلي بعض الأحزاب والائتلافات الصغيرة( نائب على الوطد والفلاحين والى الامام وعيش تونسي ونائبين او ثلاث على البديل ومشروع تونس والنداء…) بل ان “الكتل الكبيرة” لا يتجاوز حجمها الثلاثين في المئة. هذه الحقيقة الرياضية كانت سببا رئيسيا في الشلل الذي يعصف بمجلس نواب الشعب، العاجز على توفير الحد الادنى الضروري من التوافقات للتقدم بأشغاله. انقسام ترجمه التصويت على بعض القوانين وخاصة في بعض اللوائح الفلكلورية الهادفة إلى تعميق الانقسام الايديولوجي. وكان ختام ذلك مسكا بلائحة سحب الثقة من رئيس المجلس والتي قسمته نهائيا إلى فريقين يتبادلان “الشتائم”.

ينضاف الى ذلك الانقسامُ، الجهد الكبير الذي يبذله النواب في ترذيل بعضهم البعض، وفي الانحدار بمستوى خطابهم وفعلهم السياسي، وشبهات الفساد والتطرف التي تلاحق بعضهم، الأمر الذي جعل مجلس نواب الشعب، في آخر مراتب المؤسسات التي يثق فيها. لقد التقى كل خصوم البرلمان معا. عموم الناخبين المستائين من المجلس ومن عجزه عن التحوّل الى قلب العملية السياسية “مثلما هو منوط به بالدستور” وانحرافه بمواضيع انشغاله الى قضايا هامشية بعيدا على انتظارات عموم المواطنين، ومع هؤلاء بعض من النّخب التي تشعر بالغُبن بوجودها على هامش الفعل السياسي والوطني في حين يحتل “الادنى” معرفيا وثقافيا وكفاءة صدارة المشهد البرلماني، وقيس سعيد رئيس الجمهورية الحالم، بالاطاحة بكامل المنظومة والذهاب نحو “ديمقراطية أثينية” مباشرة، تلغي الأحزاب وتعصف بكامل المنظومة التي جاءت بها.

يجد المشيشي نفسه في هذا الجدل السياسي والانقسام الحزبي والنقاش الفكري، وعليه ان يخلق توافقات تبدو اقرب إلى “القصعجيات” منها إلى واقعية السياسة.

طبيعة الحكومة .. شد الحبال

فيما تدفعُ أصوات مختلفة نحو “حكومة كفاءات” غير حزبية، أنصار الرئيس وبعض “التكنوقراط” الباحثين على مواقع، والمواطنين المتعبين من المحاصصات الحزبية وسيطرة “الانتهازية والزبونية” ومنطق الغنيمة والموالاة على الاحزاب وتعييناتها، فإن الاحزاب تنقسم بدورها حول المسألة.

حركة النهضة الحزب الاول في البرلمان أكّد من خلال تصريح رئيس مجلس شوراه المنعقد البارحة في الحمامات، ان الحركة تدعو الى حكومة كفاءات سياسية تُراعي نتائج الانتخابات والاحجام الحزبية. فالمطلوب هو تشكيل حكومة سياسية تُعبّر بوضوح على خقيقة النتائج الانتخابية حتى يكون للعملية الديمقراطية والسياسية معنى ووجاهة.

موقف النهضة لا يبدو بعيدا على موقفي حليفيها ائتلاف الكرامة وقلب تونس. ويقتربُ موقف كتلتي الإصلاح والمستقبل من هذا الموقف بدرجات متفاوته. لكن الأوضح استنادا لهذا الموقف من طبيعة الحكومة هو موقف التيار الديمقراطي الذي صرّح على لسان غازي الشواشي الذي حذّر من مغبّة الذهاب في حكومة كفاءات غير سياسية وغير حزبية قائلا “حذار من تكرار سيناريو “حكومة” الحبيب الجملي، الوضع في بلادنا لا يحتمل”.

مقابل هذه الدعوات إلى حكومة سياسية، تتعالى أصوات أخرى نحو حكومة كفاءات غير حزبية، فأمين عام حركة تحيا تونس سليم العزابي ورئيس مشروع تونس محسن مرزوق و النائب المهدي بنغربية وحركة الشعب و الكثير من النواب والفاعلين الاجتماعيين كاتحاد الشغل ومنظمة كوناكت، تدعو الى حكومة كفاءات تقطع مع “التجاذبات الحزبية” ومع الصراعات السياسية، حكومة لها مهام محدد تُعنى بإيقاف النزيف الاقتصادي والتردي الاجتماعي وتشرع في الإصلاحات الضرورية للإنقاذ الاقتصادي.

هذا الانقسام في وجهات النظر لن يسمح لهشام المشيشي بالحسم السهل في طبيعة حكومته، غير ان بعض التردّد في مواقف كُتل وأحزاب وأخرى قد يكون مهما في توجيه رؤية رئيس الحكومة المُكلّف.

ما وراء الحكومة .. معركة الحُكم

تعيش تونس وضعا شبيها بمثيلاتها من الدول العربية التي عرفت تحولات ديمقراطية عميقة، وان كانت تنعمُ باستقرار سياسي وسلم اجتماعي وتواصل اشتغال المرافق العمومية. ان الطائفية القاتلة التي تعصف بالعراق وسوريا ولبنان واليمن، تتحوّل في تونس إلى طائفية حزبية. دكاكين ومجموعات وفرق سياسية هي اقليات وحوزات وملل. كانت إفرازاتها نُخبا سياسية وحزبية وثقافية غير مؤمنة بالمشترك الوطني. وتمتلك كل واحدة منها سردية للتاريخ الوطني تُقصي فيه الآخر. بين سردية الصبايحية والفلاقة ثمة ثأر. وبين سردية بناء الدولة الوطنية ومعارضتها والعمل على تهديمها ثأر آخر.

ووراء هذه السرديات تتخفى الغايات الحقيقية، التي يتكتّم أصحابها عليها، انه الحُكم “التمكين في الأرض”. ان الصراع الجلي اليوم له عناوين واضحة. ثمة صراع حول الوطن ومشروعه الوطني العصري الذي صار ديمقراطيا. هل علينا ان نعود الى مسألة تأجيل الضرورة الديمقراطية وتقديم غيرها من المسائل؟

ثمة صراع ثاني حول الحُكم بين الرئيس في قرطاج ومجلس نواب الشعب. في عملية تأويلية لدستور عمل جاهدا على “تفتيت السلطة” متوهما/موهما بالحرص على توازن السّلط، ضمانا لعدم عودة الاستبداد. وهده “الخصومة” هي جوهر الصراع على طبيعة الحكومة، فحكومة كفاءات غير سياسية وغير حزبية، ستجعل البرلمان مجرّد “سيرك” و”أغورا” للجدل العقيم، وسيتحكم رئيس الجمهورية بخيوط اللعبة ومراكز الحُكم. أما حكومة سياسية او مختلطة بين الكفاءات وممثلي الأحزاب فسيضمن بعض توازن في السلطة.

وفي الحالتين، يبدو ان المزاج العام صار مزاجا “لاديمقراطيا”، فتدهور المقدرة الشرائية والتضخم وارتفاع مستويات الفقر والبطالة وتوقف التصدير وانهيار مؤشرات النمو علاوة على “غلق مناطق الإنتاج في قفصة وتطاوين وقابس والصخيرة” و موت الموسم السياحي، كلها مؤشرات سلبية قد تقود الى انفجار اجتماعي لا نعرف نتائجه.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP