الجديد

نهاية مؤسفة .. لحكومة أخرى !

علاء الحافظي

لم تعرف حكومة  هشام المشيشي منذ تمّ التصويت عليها استقرارا يُذكرُ، ولم يسمح لها ذلك بالعمل في ظروف طبيعية. ونكاد نُجزمُ أنها أضحت إحدى أضعف الحكومات وأكثرها “خفوتا” طيلة العشر سنوات من عمر “الثورة”.

يشعُرُ التونسيون اليوم، أنهم بلا قائد، وان تونس “سفينة بلا رُبّان”، شعورٌ يتعاظم كلّ يوم، ومرارة تتصاعدُ، وسط خيبة مُتنامية ويأس من كلّ شيء. فقد تعوّد التونسيون منذ فترة حتى مع الحكومات السابقة للمشيشي على رؤساء حكومات “مجتهدين” بقطع النظر على النتائج.

فكل من الحبيب الصيد و يوسف الشاهد والياس الفخفاخ ومن سبقهم، كانوا يُشرفون على مجالس وزارية ويتنقلون بين الجهات ويتقدمون بمشاريع قوانين ويُحاولون القيام بإصلاحات ويستقبلون السفراء والخبراء.

كما إنهم يواجهون وسائل الإعلام ويتقدمون بتصريحات بحسب أهمية الإحداث، ولهم حوارات تلفزية مُطوّلة يجيبون فيها على الأسئلة التي تشغلُ بال الناس وتُثير الحيرة عندهم. كل هذا على خلاف حكومة المشيشي التي تغط في نوم عميق وتكاد تتحول بفعل الواقع والأداء الى حكومة تصريف أعمال.

يعيش التونسيون اليوم وضعا اجتماعيا استثنائيا، وظرفية اقتصادية صعبة، كما زادت الكورونا في تقييد حركتهم، وعزلة العائلات التي عجزت على التزاور وحضور المناسبات العائلية البسيطة، وفي خضم هذه الظروف الاستثنائية، تعيش الأُسرُ سنة دراسية مُتعثّرة وأغلبها مُتخوّفة من نتائجها خاصة بالنسبة لتلاميذ  الأقسام النهائية وفي الجامعات.

كان التونسيون ينتظرون من  رئيس الحكومة ان يكون قريبا منهم. فهو شبيه بهم، أبن الريف الذي نجح بواسطة المدرسة العمومية وارتقى في سُلّم الإدارة التونسية من موظف شاب بسيط إلى أعلى مركز قرار فيها، لكن لا شيء من كلّ ذلك حصل.

بل أن الرجل وجد نفسه أسير مناورات سياسية وحزبية قد “تذهبُ برأسه” دون ان يكون مروره على كرسي القصبة ذا بالٍ أو ذكْرٍ. فقد انصرفت الأحزاب عنه لتهتم بالاستقواء بالشارع، بعد ان تعطّلت لغة الحوار والسياسة.

وهي وضعية كان يُمكن للمشيشي استغلالها لإعادة المعنى للفعل السياسي بما هو “خدمة الصالح العام”.

من جهة أخرى، يتلهى  رئيس الجمهورية والشريك في السلطة التنفيذية “الاستاذ” قيس سعيد بالرسائل و”ساعي البريد” والاتصال المباشر بالتونسيين الغاضبين في الأسواق والساحات.

فيما تُصعّد رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي ( التي الى ظاهرة مزعجة و مشاكسة في الحقل السياسي خصوصا لحركة النهضة) من خطابها “التأثيمي” للجميع وتستنفر الغاضبين من “الكتلة الصامتة”.

أما النهضة فهي تقوم بالتعبئة لمسيرة ضخمة غدا، تُعيد بها التذكير بكونها “سيدة المشهد” سياسيا وجماهيريا، وتُرسلُ للداخل كونها فاعلا لا غنى عنه، وللخارج كونها الفاعل الرئيس في تونس الذي لا يُمكن تجاوزهُ، وبينهما يجد باقي الفاعلين الوقت للتلهي بالشعارات القصووية والجمهورية البديلة، وكل ذلك كان يُمكن ان يكون في صالح السيد المشيشي لو انكبّ على مُمارسة السياسة من جهة كونها “نفع الناس” قبل ان تكون شعارات ومؤامرات ومناورات و”تكنبين”.

السيد المشيشي ليس مُطالبا بغير “النتائج”، فلا أحد يهمّه كثيرا لتموقعه السياسي ، وهو الذي جاء أصلا للقصبة لأنه “رجل إدارة” وليس لكونه “رجل سياسية”. والظروف التي تعيشها تونس ويُعانيها التونسيون اليوم تفتحُ أمامه مجالات واسعة للفعل، أهم محاور ذلك هي مكافحة الغلاء في الأسعار وحماية الفلاحين الصغار والحرص بطريقة مباشرة وعملية على إنقاذ الموسم الفلاحي لانه يُشكّل جوهر “الأمن الاستراتيجي” للتونسيين، مع العمل على توفير كل ضمانات استكمال السنة الدراسية وانجاز الامتحانات الوطنية في أحسن الظروف، ونعتقد ان ذلك سيكون رصيدا مهما للسيد المشيشي بعد مغادرته للقصبة، لو انكب على انجازه وأعطى بالظهرة للصراع بين قرطاج و باردو.

لا نعتقد ان عُمُر هذه الحكومة سيطول كثيرا فهي في حُكم المنتهية فعليا، فلا أثر لها عند الناس ولا في الإعلام. وصار الحديث على رحيلها أمرا شائعا عند عموم الناس ناهيك عند الفاعلين السياسيين والإعلاميين.

لذلك فان المشيشي ليس مُطالبا بالقيام بإصلاحات ولا التحدث على المالية العمومية ولا المؤسسات العمومية وكيفية التعاطي معها، فحكومته هي عمليا حكومة تصريف أعمال لا غير.

ومن أوكد الأعمال التي عليه القيام بها هي أبسطها لدى التونسيين، وتتمثل في مقاومة تصاعد الأسعار وتنظيم الامتحانات وتأمين شهر رمضان الذي له مكانة اجتماعية ودينية لدى التونسيين، وذلك في انتظار أن يتفق الآخرون على “مَخْرجٍ” من هذه الأزمة الخانقة. دون ذلك فأن نهاية حكومة السيد المشيشي تبدو نهاية مؤسفة والحال انها انطلقت بآمال كبيرة.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP