الجديد

هشام الحاجي يكتب عن “بورقيبة .. الحاضر الغائب” لماجد البرهومي

هشام الحاجي*

في الذكرى 22 لرحيل الزعيم الحبيب بورقيبة ( 6 أفريل 2000 – 6 أفريل 2022 )، ننشر تقديم للصحفي و لباحث في علم الاجتماع هشام الحاجي، لكتاب “بورقيبة .. الحاضر الغائب”، للكاتب والمحلل السياسي ماجد البرهومي.

لم يجانب العرب القدامى الصواب حين اعتبروا، وهم الذين لا يتسرب الشك إلى تمكنهم من اللغة التي هي أساس ثقافتهم، أن الكلام عن الكلام صعب. لا أجد أفضل من هذا التذكير مدخلا للحديث عن كتاب الأستاذ ماجد البرهومي عن الحبيب بورقيبة. لقد شرفني الكاتب الذي استطاع ان ينحت لنفسه إسما ساطعا على المستويين الوطني والعربي في مجال الكتابة في الشأن السياسي حين طلب مني أن أقدم لكتابه عن الحبيب بورقيبة. ولكن بقدر ما في هذا الطلب من مشاعر ود وصداقة وأخوة بقدر ما يمثل بكل المقاييس امتحانا حقيقيا وذلك لعدة أسباب. فهناك عامل الصداقة الممتدة منذ سنوات بيني وبين الأستاذ ماجد البرهومي والذي كنت أخشى أن يوقعني في فخ المجاملة، وهو ما تمكنت من تجاوزه بفضل الله. وأما العامل الأشد ضغطا فهو الحديث عن الحبيب بورقيبة و”الثورة التونسية” التي تتأهب للاحتفال بعيد ميلادها الحادي عشر، وهي التي قامت على الدولة الوطنية التي وضع أسسها وخط لها طريقها الزعيم الحبيب بورقيبة.

ومن مفارقات التاريخ ومكره أن الشخصية التي طغت على عشرية ” ثورة الحرية والكرامة “هي شخصية الحبيب بورقيبة الذي “انبعث من مرقده الأخير” ليتحول إلى عامل مهم من عوامل تنشيط الحوار السياسي والأيديولوجي، بل إلى عامل محدد في توجيه مسارات الحياة السياسية. فقد اعتقد الاسلاميون حين تحصلوا على الأغلبية في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي لسنة 2011 أن ساعة ” الإنتقام الرمزي” من الحبيب بورقيبة قد حانت وأن مشروعهم ” البديل ” سيقضي على ما تكرس من الرؤية البورقيبية في القوانين و المؤسسات معتقدين ان رحيل “الأب سياسيا وجسديا ” يجعلهم أمام مجتمع بلا قدوة و لا مرجع خاصة وان التيارات السياسية الأخرى كانت تستند إلى ايديولوجيات” انتهت مدة صلاحيتها” وفقدت قدرتها على التعبئة والتأثير.

ولكن الحبيب بورقيبة كان له رأي مغاير وهو المسجى في قبره، فإرثه ترسخ وأبى أن يموت وتحول إلى أداة حدت من جموح حركة النهضة في مرحلة أولى ثم إلى عنصر فاعل ومحدد في هزمها انتخابيا سنة 2014. ومن أكبر مفارقات التاريخ في الحالة التونسية ان الرئيس الذي وصل الى سدة الحكم في إنتخابات سنة 2019 بفضل شعار القطع الكلي مع الماضي، يجد نفسه أمام الأزمة السياسية الخانقة التي تهز البلاد يدعو إلى العودة إلى دستور سنة 1959، وهو دستور الحبيب بورقيبة بامتياز إذ لعب الأخير دورا كبيرا في سنه وكانت التعديلات التي أدخلها عليه لاحقا وتحديدا سنة 1974 سببا من أسباب تطور حركات معارضته التي اعتبرت ان حكمه الأبوي والرافض لأن يتحدد في الزمن قد تحول إلى حكم فردي يحول دون تطور المجتمع. ويبدو أن ما تعيش على وقعه تونس في السنوات الأخيرة من مظاهر تفكك واضحة للدولة والمجتمع والوطن سيزيد من الحاجة إلى ” استعادة ” الحبيب بورقيبة الذي كرس حياته لبناء الدولة وإصلاح المجتمع وتحرير الوطن ثم تكريس سيادته.

كان الحبيب بورقيبة مرحليا في تنزيل الإصلاحات ولكنه كان “شاملا ” دون ان يقع في ” الشمولية ” في رؤيته للمجتمع التونسي ولما يجب أن تكون عليه أوضاعه. ولعل ذلك ما جعله يتجنب الوقوع في الارتجال والتجريب والتلمس الطفولي الذي وقع فيه الذين تولوا مقاليد الأمور بعد 14 جانفي 2011، لأنهم فككوا ثلاثية الدولة والمجتمع والوطن التي شكلت قاعدة بناء الحبيب بورقيبة للنموذج التونسي. لأنه لا يمكن الحفاظ على حرمة الوطن إذا كان المجتمع مأزوما ومتخلفا ولا يمكن للدولة أن تكون مهابة في مجتمع تنخره الأمراض الإجتماعية.

هذه الجوانب جميعا كانت حاضرة في كتاب الأستاذ ماجد البرهومي عن الحبيب بورقيبة “الحاضر الغائب” و هو ما يمنح الكتاب خصوصية وأهمية، وإن كنت أميل إلى الاعتقاد أن هذا الأثر يحمل صفات تفرد أخرى، خاصة وأن الحبيب بورقيبة يعتبر من أكثر الشخصيات التونسية التي أُشبعت بحثا وتأليفا. وفي ما كتبه ماجد البرهومي عن الحبيب بورقيبة انتقال مهم في زاوية المقاربة و قطيعة، يتعين إبرازها، مع ما “تكرس” من ” تقاليد الكتابة عن الحبيب بورقيبة “.

ففي ما يتعلق بالقطيعة، فإنه تجدر الإشارة إلى أن الكتابة عن الحبيب بورقيبة قد ظلت ” حكرا” تقريبا على المؤرخين المحترفين، ومن عاصروا أول رئيس للجمهورية التونسية سواء من الذين عملوا تحت إمرته أو من الذين اختلفوا معه وعارضوه، إلى جانب كتابات ذات محاور محددة اهتمت بعلاقة الحبيب بورقيبة بجانب من جوانب الحياة أو بملف من الملفات التي فتحها بطريقته. ودون إغلاق باب المستقبل ومصادرة الحق في التفكير، فإن ما أشرنا إليه آنفا من أنماط الكتابة عن الحبيب بورقيبة قد استنفذ تقريبا كل أغراضه و لم يعد يثير الفضول المعرفي إذ قيل تقريبا كل ما يمكن ان يقال.

أما الأستاذ ماجد البرهومي، فإلى جانب أنه قد تجنب هذه المقاربات، فإن كتابه عن الحبيب بورقيبة يمثل انتقالا هاما في مستويين على الأقل.هناك انتقال جيلي هام لأن الجيل الذي ينتمي إليه الأستاذ ماجد البرهومي قد سمع و قرأ عن الحبيب بورقيبة أكثر مما عاش معه وهو ما يعني أننا أمام رؤية جيل تربى في المناخات التي وفرها الحبيب بورقيبة دون ان يعايشه، وهذا معطى هام من الناحيتين السياسية و السوسيولوجية، وما يقدمه الأستاذ ماجد البرهومي من إضاءات حول سياسات وشخصية الحبيب بورقيبة يمنح القاريء زاوية نظر جديدة ويمثل عامل تواصل للحديث عن الحبيب بورقيبة من جيل معاصريه إلى الأجيال التي ستأتي بعد سنوات. وأما في مستوى القطيعة فقد استفاد الأستاذ ماجد البرهومي من الكتابات التي اهتمت بالحبيب بورقيبة من زاوية الصراع السياسي والأيديولوجي أو تلك التي وضعها المؤرخون المحترفون علاوة على اطلاعه على الكتابات التي تطرقت إلى علاقة الحبيب بورقيبة ببعض الملفات والقضايا، ولكنه تجاوزها إلى مقاربة ” تفهمية” لا تخفي التقدير الكبير للحبيب بورقيبة ولكنها لا تتعسف على الوقائع والأحداث وهو ما يجعل من هذا العمل رحلة متميزة في تاريخ وحاضر ومستقبل تونس من خلال الجولة التي قام بها، بأسلوب شيق، قلم الأستاذ ماجد البرهومي في جوانب من سيرة وإنجازات الحبيب بورقيبة.

*هشام الحاجي

كاتب صحفي و باحث في علم الإجتماع

 

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP