الجديد

هشام المشيشي .. الاختيارات المستحيلة

المهدي عبد الجواد

شرع اليوم رئيس الحكومة المُكلّف هشام المشيشي، في لقاء الأحزاب والكُتل البرلمانية للتشاور معها بخصوص تكوين فريقه الحكومي. مشاورات بدأت متأخرة وقد استهلك هشام المشيشي أسبوعا من المدّة المسموح بها دستوريا، وهي شهر واحد غير قابل للتمديد.

ونعتقد ان في تأخير الاتصال بالأحزاب خطوة محسوبة في استراتيجيا التفاوض التي يروم الرئيس المكلّف ومن ورائه “صاحب التكليف” الأصلي إتباعها مع الأحزاب، ليس أولها تمرير رسالة مفادُها بإمكانية الاستغناء على الأحزاب، والضغط عليها و”ابتزازها” لتشكيل حكومة، بحسب تصورات ورغبات رئيس الجمهورية رغم إرادة الأحزاب والبرلمان.

سنعيش هذه الأسابيع الثلاثة، صراعا سيكون حادا لفرض الإرادات بين رئاسة الجمهورية من جهة، مدعومة ببعض المنظمات الوطنية وبعض الأحزاب الصغيرة او “الخاسرة” انتخابيا وبعض النّخب “المُتعفّفة” على المشاركة المباشرة في العمل الحزبي وبعض “الكفاءات” المستقلّة الباحثة على موقع في حكومة المشيشي من جهة، وأحزاب وكُتل برلمانية ونُخب مازالت تؤمن بكون الحكومة يجب ان تكون تعبيرا بشكل من الأشكال على فسيفساء البرلمان ونتائج الانتخابات التشريعية.

حكومة الكفاءات غير السياسية .. موت الأحزاب

ان تأخير التواصل مع الأحزاب، والتكتّم الشديد حول طبيعة الحكومة، علاوة على دعوات اتحاد الشغل ورئيس حركة مشروع تونس محسن مرزوق وأمين عام حركة تحيا تونس سليم العزابي، و”جماهير الفايسبوك” بضرورة ان تكون الحكومة المُقبلة حكومة كفاءات وطنية مستقلة على الأحزاب، مقدّمة بائنة على نيّة قد تكون شديدة الحضور عند المشيشي، لإقصاء الكفاءات السياسية والحزبية من حكومته.

وهو أمر غير مستبعد، إذا أخذنا في الاعتبار ان مرجوع النظر عند رئيس الحكومة المُكلّف هو صاحب التكليف نفسه اي رئيس الجمهورية، وهو ما يبرز في فلسفة اختيار الشخص نفسه من خارج قائمة ترشيحات الأحزاب، فالرئيس قيس سعيد لا يُخفي بتاتا منذ مدة طويلة، معاداته للأحزاب ونُخبها، بل انه أقام كل سرديته على التمايز القيمي والأخلاقي على كل النّخب الحزبية، وعلى “احتقار” الأحزاب والعمل الحزبي، من خلال رفض التشاور معها، وتحويل الضرورات الدستورية للتشاور الى عملية بيرقراطية باردة، مقابل استقبال المنظمات المهنية والجمعيات.

كما يُحمّل الأحزاب مسؤولية ما تعيشه تونس، من أوضاع معيشية صعبة، وهو أمر لا يترك فرصة للتذكير به، حتى وصل الأمر به في المهدية البارحة، إلى اتهام الأحزاب بتنظيم الهجرات غير النظامية “للإيهام بفشل الرئيس”.

يدفع الرئيسان إذن نحو حكومة كفاءات من خارج الأحزاب، وهو أمر ان حصل مؤذن بقتل السياسة، ويُهدّد المسار الديمقراطي، ويُنهي العمل الحزبي. إذ سيُضعفُ الثقة في الأحزاب وفي العملية الانتخابية برمتها، وسيُفرغُها من اي مضمون حقيقي للتنافس الحزبي عمادُ الديمقراطية.

صحيح ان الأحزاب السياسية تتحمّل المسؤولية كاملة في تردي الأوضاع العامة بالبلاد، وخاصة في ترذيل العملية السياسية من خلال الصور السلبية التي ترد علينا من مجلس نواب الشعب، ولكن ذلك لا يُمكن ان يكون مبررا لإلغاء دور الأحزاب في تأثيث العمل السياسي. فلا ديمقراطية دون أحزاب، والمطلوب هو تجويد عملها ومساعدتها على تطويره.

ثم ان توازي الشرعيات من جهة، وتناظر المؤسسات هو الضمانة الوحيدة لحياة ديمقراطية محمية من كل إمكانية عودة للاستبداد، والعمل المدني الحي في المجتمع “أحزاب وجمعيات مدنية ومنظمات مهنية” هو صمام الأمان ندخل بدونه في الأنظمة الشمولية، فلا يُقبلُ منّا ان نُهمّش دور البرلمان والأحزاب والاستعاضة عنهما بدور متغول لرئيس الجمهورية الذي سيُهيمن على رأسي السلطة التنفيذية وسيُصبح الفاعل السياسي الوحيد. وفي ذلك موت للسياسة وقتل للأحزاب.

حكومة سياسية .. الشروط المستحيلة

للرئيس المُكلّف فرضية ثانية لتكوين حكومته وهي تشكيل فريق وزاري من الكفاءات السياسية والحزبية. أمر يبدو لنا مستحيلا، بالنظر الى فلسفة اختيارها نفسها مثلما أسلفنا، إذ يبدو انه تم اختياره لاستبعاد هذه الفرضية، وحتى يكون “وسيطا” للرئيس قيس سعيد للهيمنة على الحياة السياسية عامة، ومستحيلا أيضا تبعا لعلاقات الأحزاب فيما بينها، ولما يشقها من تناقضات.

ويبدو ان مخلفات سقوط حكومة الياس الفخفاخ من جهة، وعريضة سحب الثقة من راشد الغنوشي من رئاسة المجلس التشريعي مازالت تُلقي بظلالها.  فرئيسة الحزب الدستوري الحرّ سارعت برفض المشاركة في المشاورات وقرنت تشاورها مع المشيشي بإعلانه الصريح “إقصاء الإخوان” من الحكومة،

كما خيّر زهير المغزاوي أمين عام حركة الشعب الذهاب الى انتخابات مُبكّرة على مشاركة النهضة في الحكومة، و زادت سامية عبو فعبرت على رفض حزب التيار الديمقراطي مشاركة حركة النهضة في الحكومة بأي شكل من الأشكال.

لقد رشح في لقاءات الرئيس المُكلّف في الأسبوع الأول مع بعض المنظمات الوطنية والشخصيات العامة، كونه عبّر بوضوح على رفضه “المحاصصة الحزبية والابتزاز” ونحسبُ ان هذه التصريحات التي تشترط طبيعة تركيبة الحكومة تدخل ضمن “المحاصصة والابتزاز”، كما ان بعض “الشخصيات الوطنية” من المحسوبة على الكفاءات ترفض حكومة سياسية لأنها لن تجد لنفسها حقائب وزارية فيها.

على أن الأخطر من كل هذا هو أن هذه التصريحات والاشتراطات تزيد في الضغط على رئيس الحكومة المكلّف و تُضيّق في هوامش المناورة لديه، وتضعه إمام شروط مستحيلة لتكوين حكومة تتمتع بأوسع دعم برلماني أولا ووطني ثانيا.

لقد تشكّل في مجلس نواب الشعب، تحالف برلماني قوي حول حركة النهضة، يتجاوز عدد نوّابه الــ “120” نائبا إذا اعتمدنا لائحة سحب الثقة من الياس الفخفاخ، مقابل تحالف، أدرك أقصى إمكانياته “97” نائبا في لائحة سحب الثقة من راشد الغنوشي، ونعتقد ان التحالف حول النهضة مُرشّح للتزايد لان الأمر يتعلّق بمسألة “وجودية” للأحزاب، فقبولها بحكومة “لا سياسية/لا حزبية” يعني إعلان صريح لموتها.

كما ان المرور بقوّة وتجاهل الأحجام البرلمانية، سيكون له نتائج سلبية، ليس اقلها الدفع بالبلاد نحو أزمة سياسية ودستورية كبيرة، مع فرضية إعادة الانتخابات وحل البرلمان في ظروف اقتصادية واجتماعية ومالية وأمنية خطيرة، وتعطيل العمل الحكومي التي ستفشل في حشد الدعم البرلماني في صورة تجاهل الكُتل المتواجدة فيه، والحال ان “التعاون” والتشارك التام بين الحكومة والسلطة التشريعية أمر حتمي لتسهيل أعمالها وضمان نجاعته.

حكومة الإنقاذ…العقل الإداري والمهارة السياسية

ليس أمام رئيس الحكومة المُكلّف خيارات كثيرة للأسف، والاهم من ذلك ليس له الوقت الكافي للمناورة واستطالة التفاوض، فهو محمول بآجال دستورية مضت منها عشرة أيام.

ان المشيشي القادم من عوالم الإدارة الدقيقة ورجل القانون الحريص على سلامة الإجراءات، يجد نفسه في غابة الصراع السياسي، صراع الإرادات واستراتيجيات الهيمنة والغلبة.

صراع يدور حول الديمقراطية وتوازن السلطات فيها ودور الأحزاب وجدوى العمل السياسي وأهمية الاشتغال الجماعي بالشأن العام، وهو مُطالب في كل ذلك بإرضاء الجميع.

أمام  المشيشي فرصة تاريخية لتحويل صراع الإرادات هذا نحو المصلحة العامة بإيجاد التوليفة الضرورية لإرضاء كل الفاعلين المؤمنين فعلا بالمشروع الديمقراطي وبالدولة الوطنية ومشروعها الإصلاحي، من اجل تشكيل أوسع حزام سياسي ووطني حول حكومته للتفرّغ للمهام المستعجلة في الإنقاذ الوطني الشامل.

ان حكومة “إنقاذ وطني” تتشكّل من كفاءات سياسية، لها المهارات التواصلية الضرورية والشجاعة الكافية لضبط السياسات الضرورية والدفاع عنها، مطعّمة بكفاءات إدارية ذات خبرة فنية وتجربة في التسيير من شانها خلق مناخات ثقة في حكومة  هشام المشيشي، وتضمن لها دعما حزبيا ونخبويا وشعبيا.

ما عدا ذلك فان كل محاولات إقصاء الأحزاب جميعها او بعضها، والقفز على نتائج الانتخابات هو قتل للسياسة وإيقاف لمسار الانتقال الديمقراطي، ودفع بالبلاد نحو مجهول، لا نعلمُ منه غير إضافة أزمة سياسية على أزمات مالية واقتصادية واجتماعية.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP