الجديد

كتب خليفة بن سالم: “ترامب يضرب العولمة في مقتل”

خليفة بن سالم

أثار قرار الرئيس الامريكي دولاند ترامب الترفيع في الرسوم الجمركية على البضائع الموردة للسوق الامريكية جدلا ومخاوف وحيرة جابت معظم دول العالم، عدا دول قليلة تعد على أصابع اليد وأغلبها متخلصة من ورطة العولمة وأخطبوط التبعية لاقتصاد السوق المعولم.

على إن ليس هذا ما نروم الحديث عنه، وإنما قرار الرئيس الامريكي اذا أضفنا إليه قرارات مواقف أخرى من قبيل رفض الاعتراف بقرارات الجنائية الدولية ومراجعة التمويلات الحكومية لانشطة الشبكات الجمعياتية الدولية ، وغيرها من القرارات المثيرة التي اتخذها ترامب منذ وصوله للبيت الأبيض.

كلها قرارات أهميتها في أنها تنزع عنا وهم أن العولمة قدرنا وأن الأمم المتحدة فعلا متحدة وأن منظمة التجارة العالمية لا مفر من قوانينها وأن الدول لا تتراجع في إلتزاماتها والمواثيق التي أبرمتها وأن السيادة كذبة أديولوجية .

هي كلها مفاهيم حولها الغرب الرأسمالي إلى عقائد وديانات مقدسة تفرض على كل حكومات العالم الخضوع لها . كان ذلك جزءا من مسلمات نتائج الحرب العالمية الثانية في الجزء الغربي من القارة الاوروبية وتوابعها، على أن نهاية الاتحاد السوفيتي مع البيروستروكيا “عولم”هذا التوجه ، فصارت دولا ككوبا و كوريا الشمالية وفنزويلا وشبيهاتها حالات” مرضية”من وجهة نظر أتباع سوروس و المنبهرين بفوكوياما والحالمين برؤية ٱدام سميث جديد شعاره هذه المرة “دعني أمر ..دعني أمر “في نوع من المنافسة غير المتكافأة .

ولكن وإن صارت أوروبا اليوم – وخاصة فرنسا – مستنفرة فإن ذلك يكشف مرة أخرى إن اقتصاديات اوروبا هي على غاية من الهشاشة ، وانها منظومات في تبعية مطلقة للعم سام ، لا بل فوتت على نفسها فرصة التقارب والتحالف مع روسيا ، ولو تمكنت من تلك الخطوة لكان حالها اليوم افضل بكثير ، وهي تواجه ازمة اقتصادية عالمية ، ليس من حل تجاهها سوى تكثيف الاجراءات الحمائية والسيادة الاقتصادية ، وهي مفاهيم فرطت فيها الطريقة السياسية الحاكمة في اوروبا الليبرالية، منذ عقود مما حولها تدريجيا مجرد” ايالات “امريكية، تستعمل جيوشها لاسقاط المنظومة المعادية ، بمثل ماحدث في العراق وليبيا ، أو تفرض على مؤسساتها “العمالة “في قراراتها والا لماذا انخرطت الشركات الاوروبية وبنوكها المركزية وبورصاتها بل حتى جامعاتها الرياضية وخطوطها الجوية في ضرب حصار ومقاطعة لروسيا، ضاربين عرض الحائط بكل القيم والتعهدات الدولية.

واليوم تتباكى أوروبا على مجرد إجراء جمركي ، قرار اتخذته الحكومة الامريكية وهذا المفروض يتعامل معه كشأن خاص بها تعامل فيه بالمثل ولكن هي حكمة “موازين القوى “، وهنا موازين القوى ليست في صالح اوروبا وهي كذلك ليست في صالح الصين مرحليا لأن الصين تعيش “بما تبيع وليس بما تستهلك “.

في المقابل الدول الفقيرة والمنطوية على نفسها والاقل تورطا في العولمة والاقل استهلاكا لمنتجات التقدم العلمي ، غير معينة كثيرا بهذا الخيار على إن روسيا ومحاولات تشكيل منظومة موازية “البريكس” ، نجحت في التعافي من حزمة الاجراءات التي اتخذت في حقها تعاطفا مع حكومة زيلنسكي ، بل إن اوروبا لم تتوقع قط إن يحكم أمريكا هكذا توجه وان العولمة تحتضر وان حكومة العالم إعتقاد طوباوي، وان الحروب الحضارية والصراعات الطبقية والنزاعات الهووية قدر الإنسانية، لكنها يبدوا أنها بصدد الاستفاقة من اضغاث أحلام!

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [كل المقالات]

Comments

Be the first to comment on this article

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    ^ TOP