كتب – منذر بالضيافي: الحرب الاسرائيلية الأمريكية على ايران .. تساؤلات اليوم التالي؟
الحروب ليست انقطاعًا عن السياسة، بل هي استمرار لها بوسائل أكثر عنفًا. وهي، في لحظات معينة، أداة لإعادة ترتيب موازين القوى وتفكيك عقد الأزمات، أو محاولة فرض وقائع جديدة على طاولة التفاوض. ضمن هذا الفهم يمكن قراءة المواجهة الحربية الجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية. فالعديد من المؤشرات السياسية، من تصريحات علنية وتسريبات في الكواليس، توحي بأن الذهاب إلى الحوار لم يعد مستبعدًا، بل قد يكون أقرب مما يُتصور.
حينها يكون السؤال المركزي : ماذا حققت الحرب الخاطفة؟ وهل نجح الطرف المهاجم في فرض شروطه، أم أن طهران خرجت بأقل الخسائر الممكنة، وربما بأوراق تفاوض إضافية؟ وما هي ملامح الترتيبات اليوم التالي؟
أول ما تكشفه الساعات الطويلة من أزيز المدافع أن استهداف رأس النظام المرشد علي خامنئي – حتى لو حقق مكاسب رمزيًة – فانه في المقابل، لم يؤدِّ إلى فراغ مؤسساتي أو انهيار في إدارة المعركة. وعلى خلاف تجارب أخرى فان الدولة الإيرانية، لم تبدُ كجسم هشّ قابل للانهيار السريع. وهذا يطرح فرضية أن الرهان على “الصدمة الاستراتيجية” ( اغتيال المرشد ) لإرباك النظام لم يحقق غايته الكاملة. بل ربما عزز منطق التماسك الداخلي في مواجهة خطر خارجي.
و صرح مؤسس «باشا ريبورت»، محمد الباشا، وهي شركة استشارات مخاطر مقرها واشنطن، لوول ستريت جورنال الأمريكية إن “مقتل خامنئي يعزّز أكثر العناصر تشددًا وعسكرة داخل النظام”، وأضاف للصحيفة الأمريكية: “لا توجد معارضة منظمة جاهزة لاغتنام هذه اللحظة. والنتيجة المرجحة ليست إصلاحًا بل توطيدًا للسلطة، أقرب إلى دولة عسكرية مغلقة”.
ثانيًا، عملت ايران وبسرعة على توسيع دائرة الاشتباك لتلامس المجال الخليجي وتهديد معابر الطاقة. و هنا تحوّلت الحرب من مواجهة ثنائية إلى أزمة إقليمية ذات أثر دولي مباشر. فمجرد اقتراب النار من شرايين النفط والتجارة العالمية كان كافيًا لتسريع الدعوات إلى التهدئة و العودة للحوار. غير أن هذا التوسيع يحمل في طياته مفارقة: فهو يمنح إيران قدرة ضغط، لكنه في الوقت ذاته قد يدفع خصومها إلى مزيد من التنسيق و التكتل ضدها.
1/
أمريكيًا، يتصاعد الجدل حول حسابات الإدارة وخيار الحرب السريعة. خاصة بعد الصمود الايراني الذي ربما قد يكون فاجأ ترامب وفريقه، خاصة بعد المرو الى توجيه ضربات موجعة لخصومها وجوارها، ومن هنا بدأت تطل ذكريات الماضي، فالتاريخ الحديث لـ الولايات المتحدة الأمريكية في فيتنام وأفغانستان والعراق يُثقل الذاكرة السياسية كلما طال أمد أي مواجهة عسكرية خارجية. صحيح أن السياق مختلف، وأننا لسنا أمام احتلال بري واسع، لكن هاجس الاستنزاف حاضر بقوة. فحرب أرادتها واشنطن خاطفة قد تتحول إلى اختبار طويل للإرادة السياسية، بما يحمله ذلك من كلفة على صورة القوة الأمريكية في نظام دولي لم يعد يحتمل أحادية صلبة.
و يبدو أن ساعات الحرب الأولى جعلت أمريكا تدرك أن إسقاط النظام في إيران صعب جدا، وهو ما يظهر في حديث ترامب حسب “نيويورك تايمز ” حين عبر عن استعداده لرفع العقوبات عن إيران إذا كان المرشد القادم “براجماتيا”، و تسريبات لتقرير للاستخبارات الأمريكية يقول إنه لم يحدث انشقاق في الحرس الثوري، مكذبا الدعاية الإسرائيلية، واقرار واشنطن بأن المعارضة الإيرانية ضعيفة، وتوسيط ترامب ايطاليا لوقف إطلاق النار، حسب صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، لكن طهران رفضت، في وقت تتحدث فيه مصادر عن تزايد خسارة أمريكا في الأفراد والعتاد. يأتي هذا في وقت قال فيه مسؤول الأمن القومي الايراني علي لاريجاني: “لن نتفاوض مع الولايات المتحدة وترامب جر المنطقة للفوضى بآمال واهية، وهو قلق الآن من مزيد من الخسائر في صفوف قواته»
2/
خليجيًا، كشفت المواجهة هشاشة نموذج الأمن القائم على الحماية الخارجية. فمجرد تعرّض دول المنطقة التي تستضيف قواعد أمريكية لضربات أو تهديدات أعاد إلى السطح سؤال السيادة والأمن الذاتي. قد لا يعني ذلك انهيار المنظومة الخليجية، لكنه يضع حدًا لأسطورة “الخليج الآمن” و “الخليج المرفه” المنفصل عن عواصف الإقليم. المنطقة بأسرها، من سوريا إلى العراق ولبنان، تعيش على إيقاع توترات مزمنة، والخليج ليس جزيرة معزولة عن هذا السياق.
3/
أما إسرائيليًا، فإن ما جرى منذ السابع من أكتوبر، بعد عملية حماس، ثم جولات الاشتباك مع إيران، يطرح سؤال الردع من جديد. فالتفوق العسكري والتقني لا يضمنان أمنًا مطلقًا. صحيح أن إسرائيل ما تزال تحتفظ بأفضلية استراتيجية واضحة، لكن صورة “القوة التي لا تُمسّ” تعرضت لاهتزازات عميقة. كما أن مسار التطبيع مع محيطها العربي يواجه اختبارًا صعبًا في ظل حرب غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية، وتصاعد النقد المجتمعي في الغرب لسياسات الاحتلال.
4/
من مجموع هذه المعطيات، تبدو المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل جديدة. لكن هذه الإعادة قد لا تأتي وفق السيناريو الذي تخيلته الحكومة اليمينية في تل أبيب، ولا وفق الرغبة الأمريكية في إعادة ضبط الإقليم بسرعة وكلفة محدودة. فإذا خرجت إيران متماسكة داخليًا – رغم الخسائر – فستدخل أي مفاوضات مقبلة وهي تمتلك أوراق ضغط إقليمية معتبرة. وفي المقابل، إذا لم تمتلك واشنطن تصورًا واضحًا لـ “اليوم التالي” داخل إيران، فإنها قد تجد نفسها أمام تسوية مؤقتة لا تعالج جذور الصراع.
في النهاية، الحروب قد تحسم معارك، لكنها نادرًا ما تحسم المعنى. واليوم التالي لا يُقاس بعدد الصواريخ التي أُطلقت، بل بقدرة الأطراف على تحويل النار إلى معادلة سياسية مستقرة. وحتى الآن، تبدو المعادلة مفتوحة على احتمالات متعددة: تفاوض يعيد تثبيت الردع، هدنة هشة تؤجل الانفجار، أو صفقة أوسع تعيد رسم خرائط النفوذ.
الثابت، أن المنطقة تدخل مرحلة سيولة استراتيجية، حيث لم يعد أي طرف قادرًا على فرض إرادته كاملة، ولا أي محور قادرًا على الادعاء بأنه خرج منتصرًا بلا كلفة. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: من ربح الحرب؟ بل: من استطاع أن يدير اليوم التالي بأقل الخسائر وأكبر قدر من الواقعية.



Comments