الجديد

كتب منذر بالضيافي: أمريكا و ايران .. ردع مفتوح بدل تفاوض مغلق

منذر بالضيافي

قال الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك لصدام حسين، بعد أن قام بغزو دولة الكويت، وكان يظن أن الغرب بقيادة أمريكا لن يهاجمه: “أنا رجل عسكري وأقول لك، لا يمكن لهذه الأساطيل أن تحتشد وتعود بلا حرب”. استعدت هذا القول المأثور للرئيس المصري مبارك، وأنا أتابع الجدل حول فرضية الحرب من عدمها، التي قد تشنها أمريكا على طهران، وذلك بعد تواصل التحشيد العسكري الأمريكي الغير مسبوق – والذي أخذ طابعا استعراضيا – في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وسط تصاعد منسوب التوتر مع ايران.

وكما يقال: “فان الحديث قياس”، فان المرجح أكثر بل المتوقع هو أن يقدم الرئيس ترامب على توجيه ضربات عسكرية كبرى لإيران، بسقف أعلى هو اسقاط النظام، خاصة وأن التحشيد العسكري، يتم في تزامن مع تصاعد الاحتجاجات في الداخل، وبسقف أقل ويتمثل في مزيد اضعاف النظام وجعله بلا مخالب في الخارج، وبالتالي لا يمثل خطرا على اسرائيل، و بشرعية هشة في الداخل، كما أن خيار الذهاب نحو الحل العسكري، يتناسب وتصورات الرئيس ترامب، الذي يرى في الحرب خيارًا لكسر الانسداد في علاقة بطهران، وهو الذي سبق له ومنذ أشهر قليلة توجيه ضربة عسكرية، في ما عرف بحرب الاثني عشر يوما بين اسرائيل و ايران.

يتزامن التحشيد العسكري، مع تصاعد منسوب التوتّر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إلى مستويات غير مسبوقة، بما يجعل الحرب احتمالًا سياسيًا قائمًا، لا مجرّد تلويح بالتهديد للضغط النفسي و الاستهلاك الإعلامي و السياسي، أو لتحسين شروط التفاوض التي هي في الأصل تعجزية، وفق التسريبات الاعلامية المتواترة، والتي قال عنها وزير الخارجية التركي، أنها “مهينة”، ما يعني صعوبة قبولها من النظام الايراني، لأنها تتعارض اصلا و “هوية النظام”. ومثلما علما التاريخ “فان الحروب لا تندلع دائمًا بسبب سوء التقدير، بل كثيرًا ما تكون أداة واعية لكسر مسارات سياسية واستراتيجية وصلت إلى طريق مسدود”.

في الحالة الأميركية–الإيرانية، لا يبدو أن الرسائل المتبادلة أو قنوات التفاوض غير المباشرة، قادرة على إنتاج تسوية ولا حتى “حلحلة” مؤقتة تبعد شبح الحرب الذي أصبح الخيار المرجح مثلما أشرنا في مقدمة هذا المقال. وهو ما يفسّر من خلال عودة منطق القوة إلى الواجهة، لا بوصفه فشلًا أخلاقيًا فقط، بل كامتداد للسياسة بوسائل أخرى، حين تتعطّل الأدوات التقليدية.

خاصة وأن الرهان اليوم، وفي هذه المرحلة “الانتقالية” التي يمر بها العالم، لا يتعلّق بالدفاع عن القيم أو حماية الأمن الدولي كما يُقدَّم في الخطاب الرسمي، بل بإعادة ترتيب موازين النفوذ في إقليم بالغ الحساسية، تتحكّم جغرافيته في الطاقة والممرّات الاستراتيجية، وتتشابك فيه الصراعات المحلية مع تحوّلات النظام العالمي.

ولا يفوتنا ونحن نتابع تسارع الأحداث في المنطقة، من التأكيد على أنّ أي قراءة لهذا التصعيد تظلّ ناقصة ما لم تُدرج العامل الإسرائيلي بوصفه محرّكًا أساسيًا، وربما الأكثر ضغطًا، في رفع سقف التوتّر. فإسرائيل تنظر إلى إيران لا كمنافس إقليمي فحسب، بل كتهديد استراتيجي طويل الأمد، وتسعى منذ سنوات إلى جرّ الولايات المتحدة نحو مواجهة مباشرة أو غير مباشرة معها، مستفيدة من نفوذها السياسي والعسكري والإعلامي داخل واشنطن.

وهذا ما نجحت فيه خلال حربها الأخيرة مع طهران، اذ دفعت الرئيس ترامب الى مشاركتها في مجهودها الحربي، في سابقة أمريكية، اذ أن ترامب تصرف بصفة منفردة، دون غطاء مؤسساتي لا داخلي ( الكونغرس )  ولا خارجي ( تحالف دولي تحت غطاء الأمم المتحدة )، وهذا “السيناريو الترامب” قابل للتجدد – بل هو أكثر من مرجح- ونحن نتابع التحشيد و التصريحات.

بالنسبة لتل أبيب، فإن إضعاف إيران أو كسر قدرتها على لعب دور إقليمي مستقل يُعدّ شرطًا لإعادة تثبيت تفوّقها الاستراتيجي، خاصة في ظل ما كشفته حرب غزة الأخيرة من بداية تآكل الردع التقليدي، وتراجع صورة “القوة التي لا تُقهر”، وهو ما تسعى لاستعادته عبر التخلص من خصم اقليمي “مزعح”، ينافسها هيمنتها على المنطقة.

في المقابل، لا يقلّ موقف دول الخليج أهمية في فهم ديناميات هذا التوتّر عالي السقف. فهذه الدول، وعلى رأسها السعودية والإمارات، تنظر إلى احتمال اندلاع حرب أميركية–إيرانية بقدر كبير من القلق، ليس دفاعًا عن طهران، بل خوفًا من كلفة الفوضى التي قد تخلّفها مواجهة مفتوحة في الإقليم.

فقد أثبتت التجارب السابقة أن إضعاف الدول المركزية أو إسقاط الأنظمة لا يقود بالضرورة إلى الاستقرار، بل يفتح الباب أمام اضطرابات أمنية، وتهديد مباشر لأسواق الطاقة والممرّات البحرية، وانعكاسات داخلية يصعب التحكّم فيها.

لذلك تميل العواصم الخليجية وكذلك تركيا، إلى تفضيل سيناريو “إيران مُقيَّدة وقابلة للاحتواء” على سيناريو “إيران منهارة أو منفلتة”، وهو ما يفسّر سياساتها البراغماتية الأخيرة القائمة على خفض التوتّر وفتح قنوات التواصل، فضلا عن جعل مواقفها غائمة – مع تباين بين المعلن عنه و الجاري في الكواليس – وفي ذلك هي تتجنب “الاحتكاك بالاسرائيلي” المتحمس للحرب على ايران ايا كانت تكلفتها على استقرار المنطقة.

في كتابه «لماذا تتحارب الأمم؟»، يقدّم الباحث الأميركي ريتشارد نيد ليبو تفسيرًا بالغ الدلالة لدوافع الحروب، محدّدًا أربعة محرّكات كبرى: 1/ الخوف، 2/ المصلحة، 3/ المكانة، و4/ الانتقام. وهي مفاتيح تفسير تبدو شديدة الانطباق على المشهد الراهن.

وفي حالة الحرب على ايران، نجد أن الخوف حاضر في هواجس واشنطن وتل أبيب من تآكل الهيمنة الإقليمية، كما هو حاضر في قلق طهران من الحصار والخنق الاستراتيجي.

والمصلحة تتجلّى في حسابات الطاقة، والتحالفات، وضبط مسارات التجارة والأمن. أما المكانة، فهي جوهر الصراع: من يفرض قواعد اللعبة في الشرق الأوسط؟ ومن يملك حق تعريف التهديد؟

بينما يظلّ الانتقام كامنًا في ذاكرة طويلة من العقوبات، والاغتيالات، والحروب بالوكالة، التي لم تُطوَ صفحاتها بعد.

بهذا المعنى، لا تبدو الحرب هدفًا في ذاتها، بل أداة محتملة لإعادة فتح مسارات مغلقة، يبدو أن السياسة عجزت عن الوصول اليها، وبالتالي الفشل في  ايجاد تسويات متوافق عليها، وفي المشهد الحالي وعشية توقع حرب ستكون مدمرة، نجد تباين موقفين لدى الفاعلين في المنطقة، الأول ينتصر لمنطق القوة مع وتمثله  إسرائيل، التي تسعى لفرض وتكريس واقع جديد يجعلها الطرف المهيمن، وموقف ثان يعبر عنه من خلال القلق الخليجي والتركي، وهو قلق مشروع من أن يكون ثمن هذا التصعيد فوضى إقليمية مفتوحة يصعب التحكم فيها.

من موقع المتابع للتحوّلات، والباحث المنشغل بفهم ما يجري خلف الخطابات، يبدو لي أنّ أخطر ما في هذا التصعيد ليس احتمال الحرب في حدّ ذاته، بل وهم القدرة على التحكّم في مآلاتها. فالتجارب القريبة في الإقليم تُظهر أن كسر الانسدادات بالقوة قد يفتح مسارات، لكنه غالبًا ما يفتح معها أبوابًا أخرى للفوضى، يصعب لاحقًا إغلاقها.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم، لا يتعلّق فقط بإمكانية اندلاع الحرب، بل بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على إدراك أن منطق القوة، مهما بدا مغريًا على المدى القصير، قد يعمّق اختلالات نظام إقليمي يعيش أصلًا لحظة هشاشة تاريخية.

وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ماسّة إلى قراءة أبعد من اللحظة، وأعمق من الاصطفافات، لفهم ما يُراد كسره… وما قد ينكسر فعلًا.

منذر بالضيافي صحفي وباحث في علم الاجتماع السياسي

موقع " التونسيون " .. العالم من تونس [ View all posts ]

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Go to TOP