نيويورك تايمز: الولايات المتحدة فشلت في تشكيل “تحالف” ضد إيران
التونسيون- نيويورك تايمز –
في عام 2003، وبعد 18 شهرًا فقط من تفعيل حلف شمال الأطلسي بالإجماع مبدأ الدفاع الجماعي عقب هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة، كاد الحلف أن ينقسم بسبب قرار واشنطن شن حرب على صدام حسين في العراق.
كانت تلك حربًا اختيارية، من دون موافقة مجلس الأمن الدولي، وكان هدفها نزع أسلحة الدمار الشامل من العراق — وهي أسلحة لم تكن موجودة — والإطاحة بصدام حسين.
انضمت بريطانيا وبولندا وإسبانيا وحلفاء آخرون مثل أستراليا إلى تلك الحرب، بينما رفضت دول حليفة رئيسية مثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا المشاركة. ومع ذلك، عملت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش بجد للتشاور مع الحلفاء، وإعداد الرأي العام، وإشراك الكونغرس، ومناقشة القضية في الأمم المتحدة، والحفاظ على تماسك حلف الناتو.
المقارنة مع حرب الرئيس ترامب على إيران صارخة. فهي أيضًا حرب اختيارية، ولكن بأهداف مختلفة تتراوح بين تغيير النظام وتفكيك البرنامج النووي. ولم تُبذل جهود تُذكر لإعداد الرأي العام، ولم يُجر أي نقاش في الأمم المتحدة، ولم تتم استشارة أي حليف باستثناء إسرائيل، كما لم يُبذل جهد يُذكر لتحذير الحلفاء الأوروبيين أو الإقليميين من أن الحرب كانت على وشك أن تبدأ.
قال نيكولاس بيرنز، الذي كان سفير الولايات المتحدة لدى حلف الناتو آنذاك ويُدرّس اليوم في جامعة هارفارد:
“في عام 2003 كنا نعمل على إدارة التحالف، وكان الرئيس بوش ووزير الخارجية كولن باول يجريان اتصالات هاتفية مكثفة مع الحلفاء”.
وأضاف: عندما رفضت ألمانيا وفرنسا المشاركة، “لم يعجبنا ذلك، لكننا بقينا متمسكين بحلفائنا في الناتو”. وقال: “هذا هو الفرق مع الرئيس ترامب”.
ويرى بيرنز أن أحد الأخطاء الأساسية لترامب الآن هو فشله في التشاور مع الحلفاء الأوروبيين والآسيويين الذين يعتمدون على النفط والغاز، أو حتى إبلاغهم بما يجري، وكذلك عدم التفكير في اليوم التالي للحرب. وقال:
“إذا هيأت الأرضية دبلوماسيًا قبل الدخول في الحرب، فحتى لو لم يرغب الحلفاء في القتال إلى جانبك، فإنهم يفهمون استراتيجيتك ويمنحونك دعمًا أكبر بكثير”.
وبدلًا من ذلك، دعا ترامب يوم الأحد الدول التي تحصل على الطاقة عبر مضيق هرمز إلى مساعدة الولايات المتحدة في فتح الممر المائي. وهذا يعني عمليًا الانضمام إلى الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهو أمر يبدو أن الحلفاء مترددون بشدة في القيام به.
وقال ترامب لصحيفة فاينانشال تايمز:
“من الطبيعي أن يساعد أولئك الذين يستفيدون من المضيق في ضمان عدم حدوث أي شيء سيئ هناك”.
وأضاف:
“إذا لم يكن هناك رد، أو إذا كان الرد سلبيًا، فأعتقد أن ذلك سيكون سيئًا للغاية لمستقبل حلف الناتو”.
لكن الناتو هو تحالف عبر الأطلسي لم يكن تقليديًا منخرطًا في الشرق الأوسط. وهو ملتزم بالدفاع الجماعي، لكن الولايات المتحدة هي التي بدأت الحرب، والتي ترى معظم الدول الأوروبية أنها غير قانونية بموجب القانون الدولي. وقد أوضحت هذه الدول أنها لن تدخل الحرب ضد إيران، لكنها مستعدة للمساعدة في ضمان سلامة الملاحة عبر مضيق هرمز بعد انتهاء الأعمال القتالية.
أصبح الأوروبيون يرون هذه الحرب كمؤشر آخر على أن إدارة ترامب غير مكترثة بمخاوفهم. كما أن الطريقة التي أُديرت بها الحرب عمّقت شعور الاغتراب عن واشنطن، وأظهرت اختلالًا في عمل التحالف مع قيام ترامب بتغيير قواعد التعامل بين الحلفاء، وربما بشكل دائم.
وقال فرانسوا هيسبورغ، وهو محلل دفاعي فرنسي:
“هذه المرة لم يكن هناك حتى بداية تظاهر بوجود نقاش”. وأضاف: “كمكان للتشاور واتخاذ القرار، فإن التحالف انتهى عمليًا، لأن الأميركيين غير مهتمين”.
هذا التجاهل ترك الأوروبيين في حالة ارتباك وانقسام، كمراقبين قلقين، ما يبرز هشاشة علاقتهم بأميركا في عهد ترامب. كما أن دورهم بعد انتهاء الحرب — وحتى أثناءها — لا يزال غير واضح، وهو أمر مهم ليس لهم فقط بل أيضًا للولايات المتحدة إذا احتاجت إلى مساعدتهم.
وعلى الرغم من أن الانقسامات داخل التحالف عام 2003 كانت حادة — إذ تحدث المسؤولون الأميركيون آنذاك عن “أوروبا القديمة مقابل أوروبا الجديدة”، كما قال وزير الدفاع دونالد رامسفيلد — فإن أوروبا كانت ذات أهمية، بحسب ناتالي توتشي، مديرة معهد الشؤون الدولية في روما.
وقالت:
“كان وراء تلك الانقسامات شعور بالهوية الأوروبية والقدرة على الفعل، وهو شعور فقدناه الآن”.
وكان الرأي العام الأوروبي حينها معارضًا بشدة للحرب في العراق، مع مظاهرات ضخمة ودعم قوي للقانون الدولي والتعددية الفعالة.
بعد تلك الحرب، تعاونت بريطانيا وفرنسا وألمانيا مع الاتحاد الأوروبي وممثله للسياسة الخارجية آنذاك خافيير سولانا لبدء مفاوضات للحد من البرنامج النووي الإيراني، ما أدى في النهاية إلى الاتفاق النووي لعام 2015، الذي هاجمه ترامب بشدة ثم انسحب منه خلال ولايته الأولى.
ورغم انقساماتها، تحركت أوروبا حينها وتصرفت.
أما اليوم فالوضع مختلف ومؤلم، بحسب توتشي.
وقالت: “هناك انقسامات أقل الآن حول هذه الحرب، لكن المفارقة أنها لا تؤدي إلى تحرك أوروبي، بل إلى العكس — إلى الجمود والارتباك والخضوع للولايات المتحدة”.
كان الرد الأوروبي مختلطًا وضعيفًا ومربكًا. فقد رفضت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا الانضمام إلى الحرب، معتبرة إياها انتهاكًا للقانون الدولي.
وفي الوقت نفسه، كانت هذه الدول مترددة في توجيه انتقادات علنية لترامب. وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز استثناءً واضحًا عندما أدان الحرب صراحة.
هناك سببان رئيسيان لهذا التردد. الأول أن الأوروبيين لا يريدون أن يظهروا وكأنهم يدافعون عن الجمهورية الإسلامية في إيران، التي قتلت آلافًا من مواطنيها وخصبت اليورانيوم بدرجات تتجاوز الاستخدامات المدنية ودعمت الإرهاب.
أما السبب الأهم فهو رغبتهم في الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الدعم الأميركي لأوكرانيا في حربها ضد روسيا. وعلى عكس إيران، تُعد تلك الحرب تهديدًا مباشرًا للأمن الأوروبي، ولذلك يرون أن ترامب المتقلب يجب التعامل معه بحذر.
قادة مثل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر رفضوا في البداية السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية في الحرب. لكن بعد أن استهدف حزب الله — حليف إيران في لبنان — قاعدة بريطانية في قبرص بطائرة مسيرة، سمح ستارمر باستخدام القواعد ولكن لأغراض “دفاعية” فقط. كما أرسل بعض الأصول العسكرية للمساعدة في حماية الجنود البريطانيين وحلفاء الخليج.
تصرف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بطريقة مشابهة عندما تعرضت قواعد فرنسا وحلفاؤها في المنطقة لهجمات إيرانية، وكذلك فعلت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.
أما ألمانيا فاتخذت موقفًا حذرًا وبراغماتيًا. فقد سمح المستشار فريدريش ميرتس للقوات الأميركية باستخدام قواعدها الكثيرة في ألمانيا منذ البداية، وتجنب انتقاد ترامب خلال اجتماعهما في المكتب البيضاوي في وقت سابق من هذا الشهر. لكن بسبب أهمية الحرب في أوكرانيا، اعترض هو وماكرون يوم الجمعة على قرار واشنطن رفع العقوبات مؤقتًا عن مبيعات النفط الروسية التي تمول الحرب.
على عكس العراق عام 2003 — عندما كانت ألمانيا تعلم أن العراق لا يمتلك أسلحة دمار شامل — فإن الوضع مع إيران مختلف، بحسب مسؤول أوروبي رفيع. وقال إن الأوروبيين لم يُطلب منهم الانضمام إلى الحرب، كما أنهم لا يملكون نفوذًا عسكريًا أو حتى دبلوماسيًا على ترامب. وأضاف أن أسواق الطاقة والأسهم ربما تؤثر فيه أكثر من الحكومات.
وقال جون سويرز، السفير البريطاني السابق والرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات البريطاني MI6، إن غياب التشاور لا ينبغي أن يكون مفاجئًا.
وأضاف:
“ترامب تعامل دائمًا مع الأوروبيين بنوع من الازدراء، ويبدو أنه لا يعتقد أنه يحتاج إلى حلفاء، بل يرى أن الحلفاء يقيّدون أميركا”.
وقال أيضًا: “لم يغيّر موقفه تجاه أوروبا، ولم تغيّر أوروبا موقفها تجاهه”.
أما الخوف الأكبر في أوروبا فهو انهيار سلطة الدولة في إيران، وما قد يترتب على ذلك من تفكك وصراع أهلي وتدفق هائل للاجئين.
وقال سويرز:
“الأمر المدهش هو أن الولايات المتحدة لا ترى مخاطر ما بعد الحرب”. وأضاف:
“دول المنطقة وأوروبا وبقية العالم ستقضي السنوات العشر أو الخمس عشرة المقبلة في تنظيف الفوضى التي ستخلفها هذه الحرب”.
وفي الوقت نفسه، تبدو أوروبا مرتبكة. فبعض قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل يتحدثون عن الدفاع عن مبادئ القانون الدولي، بينما يتحدث آخرون عن التعامل مع واقع عالم تعمل فيه الولايات المتحدة وروسيا والصين بازدراء تجاه المنظمات الدولية والقواعد الدولية.
وقال هيسبورغ إن هذه التصريحات المتناقضة تعكس تردد أوروبا.
وأضاف:
“الأوروبيون يعيشون حالة من الإحباط العميق، مع شعور بأن رياح التاريخ تتركهم خلفها، مع صعود الأنظمة السلطوية والدول المفترسة”.
لكنه شدد على أن أوروبا يجب أن تدافع عن مصالحها هنا، خاصة فيما يتعلق بيوم ما بعد الحرب، وما يعنيه بقاء الجمهورية الإسلامية بالنسبة للقوة الأميركية ولنظام الطاقة والتجارة العالمي.
ولهذا السبب أمر ماكرون بإرسال عدد غير مسبوق من السفن الحربية الفرنسية وحاملة الطائرات النووية إلى المنطقة، لضمان أن يكون لفرنسا أوراق على الطاولة عندما تنتهي الأعمال القتالية، للمساعدة في حماية الملاحة ومناقشة المستقبل.
ويعتقد الأوروبيون أنه عندما يقرر ترامب إعلان النصر وإنهاء الحرب، فإنه سيترك الحطام للآخرين ويتوجه إلى بلاده، قائلاً إنه منح الشعب الإيراني فرصة لتغيير نظامه، لكنهم فشلوا في ذلك.



Comments