الجديد

2021: نهاية حكم “حركة النهضة” ..  2022: أي مستقبل لتيار الاسلام السياسي ؟

منذر بالضيافي

على غرار ما حصل في مصر، في 30 جوان 2013، فإن سقوط حكم “حركة النهضة” ، في 25 جويلية 2021، لم يكن نتيجة الأخطاء السياسية الجسيمة وحسب، وهي كثيرة ومتعددة، طيلة عشرية حكمهم، بل هو أيضاً نتيجة رفض “النخب” و “الدولة العميقة” لتيار الاسلام السياسي ولحُكمِهم، وفشلهم  في “الاندماج” السياسي والمجتمعي، ما نجم عنه رفض مجتمعي سرع ب “العزلة السياسية” للجماعة.

حيث وجدت الحركة الإسلامية نفسها، بعد عشرية كانت فيها طرفا رئيسا وأساسيا في الحكم، في عزلة سياسية ومحل ارتياب متصاعد من طرف أجهزة ومؤسسات الدولة، وأمام تصاعد لوتيرة رفض مجتمعي.

وذلك بسبب الفشل الكبير في الحكم، و”الشيطنة” التي صاحبتها داخل مؤسسات الحكم خاصة (البرلمان)، ومن قبل النخب وقطاعات واسعة في المجتمع، وهي حالة مستجدة “الآن وهنا”، إذ ستكون محددة في التفكير في “مكانة” الجماعة ودورها في المستقبل.

في علاقة بالدولة والمجتمع، وكذلك داخلها حيث بدأ “الحدث المستجد” يفرض على “النهضويين”، إعادة التفكير في البناء التنظيمي والهيكلي، بعد إعلان قيادات “وازنة” عن استقالتها، وتجاوزت ذلك إلى تحميل مسؤولية الفشل في الحكم والخروج منه، لإدارة “المرشد” راشد الغنوشي، وتفرده بتسيير “الجماعة” وغياب الديمقراطية في هياكل ومؤسسات الحركة.

في هذه الورقة، سنحاول تفكيك أسباب فشل حكم إخوان تونس، ومسؤوليتهم عن تعطل وتوقف مسار الانتقال الديمقراطي، وأخيرا، هل انتهى تيار الإسلام السياسي في “نسخته” ما قبل الربيع العربي (جماعة الإخوان) مع نهاية “المرشد” راشد الغنوشي؟

 

حكم “إخوان تونس”.. أزمة شاملة ومركبة

 

تميز حكم “إخوان تونس”، بفشل شامل ومركب، يمكن فهمه في إطار فشل الجماعة في التعاطي مع مسألة السلطة والحكم، وهو ما نجم عنه من دخول للبلاد في أتون أزمة اقتصادية غير مسبوقة، جعلت تونس ولأول مرة في تاريخها الحديث، في مواجهة شبح الإفلاس، في تزامن مع تراجع مخيف لكل الخدمات الأساسية، والذي برز بالخصوص، من خلال العجز عن مقاومة تمدد (كوفيد 19)، الذي حصد خلال حكم الإخوان أكثر من (20) ألف نسمة، وهو رقم قياسي تجاوز كل معدلات الدول الشبيهة في وضعها بتونس، بما في ذلك أيضا الأقل إمكانيات وقدرات من تونس.

وقد ترافق هذا الفشل السياسي، مع تراجع صورة التيار الإسلامي، وسط تنامي الحديث عن سقوط أخلاقي، رافق أداءهم السياسي.

فضلا على أنهم فشلوا في اختبار “الاندماج” السياسي والمجتمعي، ليجدوا أنفسهم في موضع “الطائفة” المعزولة.. وهو ما سهل إخراجهم من الحكم، وفي هذه المرة سيكون الأمر مختلفا في علاقة بالعودة للفعل في الواقع، إذ إنه لم يتم -كما كان في السابق- إثر “تصفية أمنية” أو “معالجة أمنية”، كانت تمكن “الجماعة” من “الاستثمار في دور الضحية”، وهو ما يمكنها من معاودة التموقع في المجتمع وفي المشهد السياسي.

ونحن نطرح هذه الورقة، نشير إلى أنها جزء، من كتاب سوف يصدر قريبا حول “فشل حكم إخوان تونس”، وهنا لا بد من الإشارة، إلى أن الكتابة حول تيار الإسلام السياسي في تونس، ممثلا في خطه الرئيس والمهيمن، حركة “النهضة”، التي تمثل الامتداد لفكر وممارسات وسياسات “جماعة الإخوان المسلمين”، قد قتلت بحثا ودرسا، في تونس وفي العالمين العربي والإسلامي، لكنها عادت للسطح بقوة خلال العشرية الأخيرة، مع ما أطلق عليه “الربيع العربي”.

مع موجة الثورات التي انطلقت من تونس، وانتقلت عدواها لعدد من العواصم العربية، حيث كانت الانطلاقة من تونس، في يناير (كانون الثاني) 2011، مع خروج الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي، وكان من أبرز تجلياتها في الفضاءين المجتمعي والسياسي، عودة التيار الإسلامي بقوة، حيث عاد هذا التيار لتصدر المشهد، بعد أكثر من عشريتين من الإقصاء والغياب، بعد مصادمات عنيفة مع نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

عاد تيار الإسلام السياسي الإخواني، وهو الذي لم تعرف له مشاركة تذكر في الثورة، مستفيدًا من أمرين اثنين: أولا: المظلومية المجتمعية التي أحسن الإسلاميون توظيفها مجتمعيا، وثانيا: الفراغ السياسي والحزبي والمؤسساتي (ارتباك مؤسسات الدولة بما في ذلك الأمنية والعسكرية بفعل “الحالة الثورية”). وهو ما مكن هذا التيار من التسلل ومن الوجود والحكم طيلة عشرية كاملة.

عشرية”، كانت حصيلتها كارثية، على البلاد والعباد، مخلفة تجربة حكم فاشلة ومركبة، عجلت بطرد “الإخوان” من الحكم بآلية ” دستورية” أثارت الكثير من الجدل، لكنها وجدت “قبولا” و”تفهما” في الداخل والخارج.

مرد هذا “التفهم”، يعود بالأساس إلى الفشل السياسي لحكم الإخوان، وحصيلة حكمهم الكارثية اقتصاديا (دولة شبه مفلسة) واجتماعيا (انقسام مجتمعي كبير ومخيف)، كما كشف هذا “القبول” الداخلي و”التفهم” الخارجي” للإجراءات الرئاسية الاستثنائية، عن وجود بل تصاعد “طلب مجتمعي” لإنهاء حكم الإسلاميين.

والذي لا يمكن التغافل عنه خصوصا وأنه ترافق مع رفض لفكرة الديمقراطية، وعودة الحديث عن “الاستعصاء الديمقراطي”، في بلد كانت كل الظروف مهيأة لتجعل منه “مخبراً ديمقراطياً عربياً”، قبل أن يتحول “الانتقال الديمقراطي” إلى “كابوس مجتمعي”، بسبب تنامي الفشل والفساد و”الزبونية”، وتحول معها المسار إلى “ديكتاتورية الديمقراطية”، التي أصبحت أداة عند الإخوان، موظفين ترسانة القوانين التي سنوها في عهدهم، بداية بدستور الجمهورية الثانية، الذي جاء بنظام سياسي “هجين”، قوامه المقولة التالية: “أنا لا أحكم، أنت لا تحكم ولن نترك من يحكم”.

لتنهي بسرعة دراماتيكية وغير متوقعة تجربة حكم، كان ينظر إليها من قبل عديد الخبراء ومراكز القرار الدولي، على أنها ستكون واعدة، عبر ربطها بما أطلق عليه “الاستثناء التونسي”، الذي مرده وجود تجربة تحديث متجذرة، وبنية مجتمعية صلبة (طبقة وسطى ممتدة ومؤثرة)، وهي كلها مقومات ضرورية، يمكن أن تكون أساساً لتجربة ديمقراطية، في عالم عربي معادٍ لفكرة الديمقراطية.

مرد مقولة “الاستثناء التونسي” هو أيضا، تصور كان سائدا يقول بوجود “حركة إسلامية تونسية استثنائية”، تستمد خصوصيتها واستثنائيتها، من خصوصية التجربة التحديثية التونسية، التي كان يتوقع أن يكون لها وقعها وتأثيرها على “إخوان تونس”، وهي فرضية لم تصمد أمام اختبار “الانتقال الديمقراطي”، طيلة عشرية كاملة، كشفت في الأخير عن سقوط وهم استثنائية “الإسلامالإسلامية التونسية”.

إن سقوط حكم الإخوان في تونس، على خلاف ما هو متداول حتى لدى الباحثين والخبراء، لم يتم لحظة أعلن الرئيس التونسي، قيس سعيد، ليلة 25 يوليو (تموز) 2021، هذا التاريخ الذي يوافق الذكرى (64) لإعلان الجمهورية في تونس ( 25 يوليو/ تموز 1957)، بل إنه تم في سياق مجتمعي وسياسي ومؤسساتي متصاعد، رافض لاستمرار حكم “الإخوان” ممثلا في حزب النهضة، بدأ منذ تاريخ الإعلان عن نتائج الاستحقاق الانتخابي لسنة 2019.

هذا الحكم، الذي عجز عن إدارة البلاد، وتحكم في خياراتها وتلاعب بعلاقاتها الخارجية (عبر الارتماء في سياسة المحاور في علاقة بتحالفات الأممية الإخوانية الدولية)، وهو ما عجل برحيل الإسلاميين عن الحكم في تونس، إذ دخلت البلاد في حالة فشل مركب، وعجز النظام السياسي الذي فرضه “الإخوان”، الذي شتت السلطة التنفيذية، وأضعف من سلطة الدولة المركزية، مثلما سبق وأن أشرنا، وذلك في تصور معادٍ تماما للمزاج المجتمعي في البلاد، الذي يميل إلى نظام رئاسي مركزي.

إن النظام شبه البرلماني، الذي كانت تتحكم فيه “النهضة” من البرلمان، خاصة بعد تولي مرشدها راشد الغنوشي رئاسته، وتعمده تحويله إلى سلطة تنافس رئاسة الجمهورية في صلاحياتها الدستورية، بما في ذلك العلاقات الخارجية، عجز عن الاستمرار في تقديم إجابات لحاجيات المجتمع، وفي تسيير مؤسسات وأجهزة الدولة، التي أصبحت مشلولة ومهددة بالتفكك، ترجم ذلك من خلال حالة العطالة، التي أصابت مجلس نواب الشعب (البرلمان)، الذي هو أصل السلطات في النظام السياسي، الذي أقره دستور 2014.

فكان أن تهيأت الظروف لإخراج “الإخوان” من سدة الحكم، الذي كان بالأساس نتيجة لرفض “الدولة العميقة” للإخوان المسلمين وحُكمِهم، واستمرار ريبة الأجهزة الأمنية والعسكرية من هذا “الجسم” الغريب عن الدولة.

فضلا عن كونه مثّل استجابة لمطلب مجتمعي واسع، تم التعبير عنه في التحركات الجماهيرية المساندة للرئيس قيس سعيد، عشية إعلان “الإجراءات الاستثنائية”، التي كادت تتحول إلى أعمال عنف تستهدف مقرات حزب “النهضة”.

هذه المساندة الشعبية، تدعمت بعد ذلك وأعطت “مشروعية شعبية” واسعة للإجراءات الرئاسية، في مواجهة الانتقادات بالخروج عن الدستور، التي تزعمتها حركة “النهضة” خاصة والقوى المتحالفة معها، مما أعطى “العهد الجديد”، سنداً مهماً في مواجهة “الشرعية الدستورية”، التي يتهم بـ”الانقلاب” عليها.

 

السياق العام لإنهاء حكم الإخوان

 

بعد الأحد 25 يوليو (تموز) 2021، الثابت والذي لا يرتقي له الشك، أن تونس دخلت مرحلة جديدة، والثابت أيضا أنها ستقطع نهائيا مع التي سبقتها، التي كان يتزعمها “الإخوان”، ونعني هنا مرحلة العشرية 2011 – 2021، فالذي يقود الحراك الجديد، هو الرئيس الذي جاء عبر انتخابات مباشرة وبنسبة أصوات عالية، والذي أحدث صعوده زلزالا في المشهد السياسي، وهو القادم من خارج المنظومة السياسية التقليدية، وغير المعروف عنه ممارسته لأي نشاط جمعياتي أو سياسي.

وهو ما لم تستوعبه الطبقة السياسية، وخاصة التي في الحكم وتحديدا حركة النهضة، التي واصلت التعاطي مع الأوضاع بنفس منطق وآليات و”ثقافة” ما قبل انتخابات 2019. استمرت في نفس “السياسات”، التي ساهمت في إضعاف الدولة وتفقير المجتمع، لصالح الاقتصار على الصراع حول السلطة، و”التمكين” لمشروعها السياسي والمجتمعي وارتباطاته الخارجية.

وهو ما ولد حالة غضب مجتمعي غير مسبوقة، زادت الأزمة الاقتصادية والفشل في إدارة الحرب على الوباء ( قرابة “20” ألف وفاة)، في تحويلها إلى احتقان ارتقى إلى رفض واسع لاستمرار حكم تسيطر عليه “الجماعة”. التي تم تحميلها مسؤولية الفشل عن كامل المرحلة السابقة، كما تم إبراز حالة “السقوط الأخلاقي” (شيوع الفساد)، الذي ارتدت إليه منظومة الحكم التي يمثل الإسلاميون عصبها وقلبها النابض.

ضمن هذا السياق السياسي والمجتمعي، يجب فهم ما حصل في تونس، لذلك لا يجب الاقتصار على فهم وتحليل “واقعة 25 يوليو (تموز) 2021″، من زاوية “الانقلاب الدستوري”، أو الاتجاه التآمري، في علاقة بما يروج له من وجود صلة أو ارتباط بأطراف خارجية، من أجل شيطنة “العهد الجديد” والتشكيك في شرعيته، في مقدمة لتأليب الناس عليه، وأيضا تحريض الخارج عليه.

نجد هذا التفسير تشدد عليه خاصة النهضة ورئيسها الغنوشي، في حين لا تتحمس بقية القوى الوطنية والرأي العام الواسع إلى الارتكاز لهذا التأويل، والذين ذهبوا إلى اعتبار ما حصل منسجما مع مقتضيات الفصل (80) من الدستور.

وأن الفصل الدستوري الذي استند إليه الرئيس قيس سعيد، حتى وإن كان متضمنا لبعض “التعسف” في القراءة، فإنه يبقى في دائرة التأويل القانوني للدستور، وفق ما شدد عليه العديد من خبراء القانون الدستوري، ليحصل بذلك إجماع كبير على أن ما حرك قيس سعيد هو وجود “خطر داهم”، وبالتالي فإن الرجل يتحرك ضمن أفق قانوني/ دستوري.

للإشارة، فإن توصيف “حالة الخطر الداهم” على الدولة والمجتمع، كان محل إجماع من العديد ومنذ فترة طويلة، بعد الفشل الكبير للسلطة في إدارة البلاد، وما برز من ضعف أصبح يهدد الدولة في كيانها وفي وظائفها التي أصبحت عاجزة عن القيام بها، مثلما كشفت ذلك أزمة (كوفيد 19).

ولعل هذا ما يفسر “تفهم” المجتمع الدولي لما حصل، ولما أقدم عليه الرئيس سعيد، بالرغم من إبدائه تخوفات حول ضرورة التعجيل بالعودة للأوضاع الدستورية، ومغادرة الإدارة الاستثنائية للبلاد بسرعة، وهي تخوفات معقولة ومتوقعة، وعلى الإدارة الجديدة تفنيدها في الواقع والممارسة.

 

عشرية حكم “النهضة”.. فشل سياسي ورفض مجتمعي

 

كشف التجاوب الشعبي الكبير، مع قرارات الرئيس قيس سعيد، في 25 يوليو (تموز) 2021، استنادا إلى الفصل (80) من الدستور، بعد معاينة وجود “خطر داهم”، عن حجم الرفض المجتمعي لحكم الإسلاميين والعزلة السياسية لهذا التيار، وذلك بعد الفشل السياسي غير المسبوق في إدارة وتسيير البلاد، الذي نجم عنه تردٍ في كل الخدمات الأساسية، نتيجة تفكيك الدولة من الداخل، وتحويل البلاد إلى “رهينة” للدستور “الملغم”، ولديمقراطية ينخرها الفساد، وبلا منجز اجتماعي واقتصادي.

في هذا السياق يجب وضع القرارات الرئاسية بتعليق نشاط البرلمان، ورفع الحصانة عن النواب، وعزل رئيس الحكومة هشام المشيشي، وقد وجدت تلك القرارات تجاوبا كبيرا داخل الشعب، وأيضا في صفوف النخب حتى تلك المختلفة مع أداء وتصورات قيس سعيد، كما وجدت تفاعلا إيجابيا من قبل مكونات المجتمع المدني الرئيسة، ممثلة في المنظمات الوطنية، التي أعلنت عن مساندتها واعتبرت ما حصل “تصحيحاً للمسار”، مع مطالبتها بتوضيح خارطة طريق لهذا التصحيح، وعدم التفريط في الحريات والحقوق.

مثّل حكم الإسلاميين، تجربة حكم فاشلة، ومثل عنواناً لـ”الفشل السياسي” وكذلك “السقوط الأخلاقي”، مثلما عبر عن ذلك السواد الأعظم من التونسيين، سواء أثناء الاحتجاجات التي تمت نهار يوم 25 يوليو (تموز)، حيث استهدف المحتجون مقرات “الحزب الحاكم”، في إعادة إنتاج لسيناريو ما حصل قبل عشر سنوات، مع حزب الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي (التجمع الدستوري الديمقراطي).

وعلى خلاف “النخب” التي دخلت في جدل حول “شرعية” ما حصل: هل هو “انقلاب” أم “حركة تصحيحية”؟ فإن عامة الناس عبرت عما أسمته “رفع الغمة” (نهاية كابوس)، وأشادوا بإنهاء حكم الإسلاميين، مما منح الرئيس سعيد “شرعية الواقع” أو “الشرعية الشعبية”، التي ستكون سنده في إدارة المرحلة القادمة، وفي خارطة الطريق التي سوف يتبعها.

أكدت قرارات 25 يوليو (تموز)، أنه وبعد مرور أكثر من عشر سنوات من المشاركة القوية والمؤثرة لحركة النهضة الإسلامية في الحكم، ما زال المشهد المجتمعي وكذلك السياسي العام يرفض حكم الإسلاميين، وهو ما أكدته سنوات الحكم العشر الأخيرة، التي أكدت أن “إخوان تونس”، أعادوا مرة أخرى سيناريو التجارب الفاشلة والمؤلمة التي حكمت باسم تيار “الإسلام السياسي”، كما تصاعد الرفض الشعبي بسبب الممارسة السلوكية لهذا التيار، الذي وظف مقدرات الدولة لخلق “زبونية” حوله وللثراء غير الشرعي، وهو ما يعبر عن “سقوط أخلاقي” لتيار يدعي “العفة” و”نظافة اليد”.

كما كشفت سنوات حكم النهضة، عن شرعية وجدية المخاوف التي عبرت عنها النخب التقدمية والوطنية، الذين يرون في “النهضة” تهديدا جديا لمدنية الدولة، وللمكاسب المجتمعية التي تحققت خلال دولة الاستقلال، فضلا عن افتقارها لمشروع الحكم، وهي مخاوف لم تنجح “النهضة” في الحد منها وتبديدها، بل إنها تجذرت وترسخت أكثر بسبب الأداء السياسي في الحكم، لتجد الحركة نفسها بعد عشرية الثورة، في وضع سمته رفض مجتمعي متصاعد، وعزلة سياسية أصبحت واقعا، بالرغم من تواصل وجودها في الحكم وفي الهيمنة على البرلمان، الذي عمدت إلى تحويله إلى “شورى الجماعة”.

زادت سنوات حكم النهضة من مخاوف خصومها، هذا ما يفسر عودة الاستقطاب معها بقوة وبأكثر “شراسة” من السنوات الأولى للثورة، خاصة مع تصاعد تأثير الحزب الدستوري الحر في البرلمان وخارجه، الذي جعلت رئيسته عبير موسي –القيادية السابقة في التجمع الدستوري الديمقراطي الذي قامت عليه الثورة- من معارضة “الإخوان” شعارا مركزيا لنشاطها السياسي، مما مكنها من كسب نقاط عديدة مجتمعيا وسياسيا، نجد ترجمة له من خلال تصدر الدستوري الحر لنوايا التصويت في التشريعية، وتقدم عبير موسي في نوايا التصويت في الرئاسيات (أبرز تعبيرات ما نطلق عليه الدولة العميقة).

استقطاب ارتفع منسوبه، بعد احتدام الصراع بين الرئيس قيس سعيد وحركة النهضة، خاصة بعد زيارة سعيد لمصر، والحفاوة الكبيرة التي قوبل بها من قبل الرئيس عبدالفتاح السيسي، والذي اعتبرته قيادة النهضة رسالة سلبية ضدها، تأكدت مع خطاب قيس سعيد في جامع الزيتونة بعد ساعات قليلة من عودته من القاهرة، والذي تطرق فيه ولأول مرة إلى التفريق بين “المسلمين” و”الإسلاميين” في إشارة دالة على تبنيه لتصورات المعسكر المعادي لتيار الإسلام السياسي.

كما استمرت في مجلس نواب الشعب، مظاهر الحشد لسحب الثقة من رئيس النهضة راشد الغنوشي من رئاسة البرلمان، بعد محاولة أولى فاشلة.

مما تقدم، ومن خلال قراءة في المشهد البرلماني، والسياسي العام في البلاد، وكذلك لحالة الرفض المجتمعي المتنامية لاستمرار حكم الإسلاميين، نلاحظ أننا بصدد العودة إلى المربع الأول الذي تشكل بعد الثورة واستمر إلى انتخابات 2014، والذي تمثل في رفض فكرة إدماج الإسلام السياسي في الحكم خاصة، ونقد تجربة “التوافق” بين الإسلاميين وخصومهم، زمن حكم الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي (2014- 2019).

هذا الرفض تم التعبير عنه بوضوح من خلال المساندة الشعبية لقرارات الرئيس سعيد الأخيرة، التي كان عنوانها الأبرز إخراج الإسلاميين من الحكم، كما أنه رفض أصبح ممثلا في تيار مجتمعي واسع، لا يخفي غضبه على الإسلاميين، لا بسبب هويتهم الأيديولوجية فقط، بل أساسا بسبب الفشل في الحكم والحصيلة السلبية، التي آلت إلى حالة انهيار شامل في مختلف مناحي الحياة، جعل تونس على طريق “الدولة الفاشلة”.

وهنا تجدر الإشارة، إلى أنه تم تحميل الإسلاميين المسؤولية الأولى عن هذا الفشل الشامل، بالرغم من تواصل تملص النهضويين، وتشديدهم على أنهم لا يتحملون مسؤولية الحكم وحدهم، وهنا يجب أن لا يغفل المتابع الحصيف، وجود تراجع كبير في شعبية التيار الإسلامي في المجتمع، على خلاف ما كان عليه خلال السنة الأولى للثورة.

برز التراجع في شعبية الإسلاميين، من خلال المواعيد الانتخابية، فبعد أن صوت لهم أكثر من مليون ونصف ناخب في 2011، تراجع العدد إلى أقل من (500) ألف ناخب في 2019، فضلا عن عجز الحركة، عن تصعيد مرشحها والشخصية الثانية في الحركة عبدالفتاح مورو، للدور الثاني لرئاسيات 2019.

بعودة الانقسام السياسي بين الإسلاميين وخصومهم، لاحظنا حصول تحشيد ويقظة في علاقة بـ”مقاومة” تمدد الإسلاميين في مؤسسات الدولة، ولعل هذا ما يفسر الرفض الكبير لتعيينات إسلاميين أو مقربين منهم في المناصب العليا للدولة. لتعود معه الاتهامات القديمة/ الجديدة للحركة الإسلامية (حركة النهضة)، بأنها تعمل بالليل والنهار على “التمكين” لمشروعها السياسي، عبر مزيد من التغلغل في مفاصل الدولة، فضلا عن التخطيط للبقاء في السلطة لسنوات بل عقود طويلة.

 

تجربة حكم النهضة.. السؤال الكبير

 

السؤال البارز، الذي شغل الكثير من التونسيين، بمختلف مستوياتهم التعليمية وانتماءاتهم الاجتماعية. بعد صعود حركة النهضة الإسلامالإسلامية (إخوان تونس) إلى حكم تونس، إثر فوزهم بأول انتخابات بعد ثورة 14 يناير (كانون الثاني) 2011. كما أنه شغل أيضا، كل المهتمين بالحراك السياسي الذي شهدته تونس. هو التالي: هل ستكون حركة النهضة قادرة على عدم استنساخ التجارب الفاشلة التي حكمت باسم الإسلام السياسي، في كل من أفغانستان وإيران والسودان ومصر؟

طرح مثل هذا السؤال، لم يكن اعتباطيا أو المراد منه التشكيك في قدرة إسلاميي تونس، على الحكم بسبب افتقارهم لبرنامج، وللخبرة وللكفاءات القادرة على الإدارة وتسيير بلد يعيش “حالة ثورية”.

وإنما غذته مشاهد الصور القادمة من بلاد الأفغان، وتلامذة طالبان يدمرون تماثيل بوذا، ويقتلون كل مظاهر الجمال والحضارة والحياة ويحولونها إلى أثر بعد عين.. وهم يتوهمون أنهم بهذا يؤسسون لإمارة إسلامية، ستطبق شرع الله، لكنهم يعيدون الأمة الأفغانية إلى سنوات ما قبل الإنسانية، إلى عصور من الظلمات واحتقار الإنسان واغتيال المدنية.

المشهد ذاته حصل في السودان، فمن “إنجازات” جماعة “الإخوان” بعد أكثر من عشريتين في الحكم، تقسيم السودان إلى شمال مسلم وجنوب مسيحي، وتشريد شعب وتجويعه بالرغم من أنه يملك أغنى وأخصب الأراضي، كيف لا وهو الذي يشقه نهر النيل “واهب الحياة” كما قال المؤرخ الإغريقي هيرودوت، لكن الإجابة لا يعرفها إلا الشيخ حسن الترابي ومريدوه وتلامذته وزملاؤه –ومن بينهم الشيخ راشد الغنوشي مرشد إخوان تونس.

نعم، من حق التونسيين أن يتخوفوا، ومن حقهم أن يثيروا أكثر من استفسار وسؤال، حول قدرة “الإخوان في تونس” وهم يتولون عرش قرطاج، على نحت تجربة ناجحة، تقطع مع التجارب الفاشلة، وتؤسس لأنموذج يصالح بين الإسلام والديمقراطية. ولا يقسم أبناء المجتمع الواحد، إلى “إسلاميين” و”علمانيين” أو “مؤمنين” و”كفار”، بل يتم التعاطي معهم –كلهم- كمواطنين. خصوصا وأن تاريخ البلاد البعيد والقريب، عرف بانسجامه الثقافي والإثني وأيضا الطبيعي أو الجغرافي، وبتجذر الفكر الإصلاحي الذي يعود إلى أكثر من مئتي سنة. مما يعني أن البيئة الثقافية والسوسيولوجية، متهيئة لقيام “حزب إسلامي ديمقراطي”، يعيد إنتاج تجربة “الأحزاب المسيحية الديمقراطية” في أوروبا، ولا يعيد إنتاج تجارب أفغانستان والسودان والصومال.

كان على الإسلاميين، وهم في السلطة أن يدركوا جيدا تاريخ تونس –فهو ضروري ومهم- الذي عرف، بالتفاعل والتواصل بين برامج الإصلاح الديني (الثقافي) والمؤسساتي (السياسي)، حيث لم يتم الفصل بينهما.

بل إن هناك ترابطا عضويا ومتينا بينهما، بين خير الدين باشا صاحب كتاب “أقوم المسالك”، والإمام الأعظم الطاهر بن عاشور صاحب تفسير “التحرير والتنوير”. مما أوجد تعايشا بين “الأمير” و”الإمام”، قوامه عدم التداخل في الوظائف والمهام. مما جعل من تونس “أنموذجاً” –سابقاً لأوانه- في الفصل بين “علمانية الدولة” (الذي لا يعني إلغاء الدين وتهميشه، فقد كان خير الدين باشا حريصا على الملاءمة بين الإسلام والاقتباس من الغرب) و”هوية المجتمع”.

مثل هذه العلاقة، استمرت بعد قيام “الدولة الوطنية” أو “دولة الاستقلال”، وحتى الذين اختاروا الترويج لوجود علاقة تقول بوجود “توتر” بين “الدولة” و”دين المجتمع”، تبين لهم قبل غيرهم أنها مجرد افتراءات، ورجم بالغيب، مثلما يقال.

من ذلك أن مكانة الدين ظلت محفوظة من قبل الدولة ومؤسساتها، من خلال فهم مقاصدي للشريعة الإسلامية، وهو علم من رواده الأولين شيوخ الزيتونة، خاصة الشيخ الطاهر بن عاشور صاحب كتاب “مقاصد الشريعة”، الذي يعد الأبرز في المدونة الفقهية الإسلامية.

كما أن كل المجلات القانونية التي يتم من خلالها الفصل والحكم بين الناس، كانت الشريعة الإسلامية مصدرا أساسيا لها. وهذا ما شهد عليه الشيخ راشد الغنوشي، عندما أكد أن “مجلة الأحوال الشخصية” تندرج ضمن الاجتهاد الإسلامي.

وقد اعتبر كلام الغنوشي، حينها بمثابة مؤشر على قبول “الاتجاه الإسلامي” سابقا و”حركة النهضة” حاليا بـ”النمط المجتمعي التونسي”، الذي يعد شرطا ضروريا للقبول بها في الحياة السياسية.

خاصة بعد الثورة، التي بعثت الحلم، بتأسيس عقد اجتماعي وسياسي جديد، قوامه المحافظة على المكاسب التي تحققت، مثل: مدنية الدولة، وحرية المرأة، وتحرر العلاقات الاجتماعية والسياسية.

وفي هذا السياق على الإسلاميين –وتحديدا قيادات النهضة- الذين سبق لهم أن شاركوا في النقاشات التي تمت في إطار “حركة 18 أكتوبر” التي سبقت الثورة، الالتزام بتفعيل ودعم التقارب حول المسائل التي دار حولها الحوار الذي حقق تقاربا مهما.

وكلها مسائل مهمة وخلافية، وهي:

1- المساواة بين الجنسين، وهي مسألة حسّاسة في تونس وأذكت صراعًا طويلاً بين العلمانيين والإسلاميين خلال السبعينيّات والثمانينيّات من القرن الماضي.

2- حريّة المعتقد في بلد إسلاميّ حديث.

3- علاقة الدين بالدولة في النظام الديمقراطيّ المرتقب.

4- الحرمة الجسديّة وتطبيق الحدود.

مثلت هذه الحوارات ولا تزال مدخلا مهما، يمكن البناء عليه، من أجل تجسير الفجوة بين الإسلاميين والعلمانيين، في اتصال بمواقف سابقة متطورة من قبل الفريقين، من ذلك أن الحركة الإسلامية أعلنت بصفة مبكرة عن انخراطها في الإطار القانونيّ المؤسّساتيّ، وانفتاحها على الفكر الديمقراطيّ، في وقتٍ كانت تُعَدّ فيه الديمقراطيّةُ ضربًا من ضروب الحكم الطاغوتيّ لدى القطاع الغالب من التيار الإسلامي، بما في ذلك الإخواني في مصر.

كما مثّل الحوار في إطار (هيئة 18 أكتوبر) فرصةً للقوى العلمانيّة من أجل توضيح موقفها من قضايا هويّة البلاد وموقع الدين فيها.

فهل ستكون حركة النهضة، وبعد أن انتقلت من موقع المعارضة إلى موقع السلطة، قادرة على تأكيد “مبدئية” قبولها بالخيار الديمقراطي، خاصة القبول بالتداول على الحكم، الذي هو أساس وجوهر الممارسة الديمقراطية؟

وهل ستحافظ حركة النهضة على “النمط المجتمعي” الذي يتمسك به عموم التونسيين، ولا يقبلون المساس به؟ أم إنها ستحاول إجراء “تعديلات” أو “اختراقات” لخدمة مشروع “الأسلمة” أو بالأصح “الأخونة”؟

وهل ستبقى النخب الحداثية والطبقة الوسطى متيقظة ومدافعة عن المكاسب المجتمعية التي تحققت لفائدتها، وحمايتها من “التهديد الأصولي”؟ وما مستقبل التعايش بين “الإسلاميين” و”العلمانيين” في تونس؟

أسئلة، تحولت إلى هواجس عند المجتمع والدولة، طيلة فترة حكم “النهضة” (2011- 2021)، صاحبها وجود رغبة قوية داخل النخب الحداثية، في منح الإسلاميين فرصة “الاندماج السياسي والمجتمعي”، والتي ترجمت على الواقع من خلال ما عرف بسياسة “التوافق”، التي حكمت العلاقة بين الطرفين الإسلامي والحداثي، خلال فترة حكم الرئيس الأسبق الباجي قايد السبسي.

لكن، تبين أن “إخوان تونس” فشلوا في “الاختبار”، وهو ما أعلنه الرئيس قايد السبسي، قبل أشهر قليلة من وفاته -قبل نهاية عهدته بسنة-، والتي أعلن فيها عن “نهاية التوافق”، وأنه سيدشن مرحلة جديدة في العلاقة بالتيار الإسلامي، لكن الموت كان أقرب، واستمر وجود بل تمدد الإخوان في المشهد السياسي وفي أجهزة الدولة.

وكان يقودهم في ذلك فكرة “التمكين”، لمشروعهم السياسي والمجتمعي، مستفيدين من ضعف وتفكك القوى الحداثية.

وبذلك عادت الهوة للاتساع مرة أخرى، بين النخب وقطاع واسع من المجتمع مع “الجماعة”، التي أرهقتها سنوات الحكم، وكشفت عن غياب امتلاكها لرؤية ولتصور للحكم، وأدخلتها في عزلة سياسية، ورفض مجتمعي عجل بإخراجها من الحكم.

 

إخوان تونس.. نهاية حكم المرشد

 

بينت العشرية الأخيرة، مخاطر تمركز القرار السياسي والمالي والتنظيمي بيد “المرشد” راشد الغنوشي، الذي في الوقت الذي يطالب فيه بالديمقراطية في البلاد، كان يكرس ويثبت حكم الفرد في “الجماعة”، بالرغم من التظاهر بأن الحركة تخضع في تسييرها لقرار وسلطة المؤسسات، وأبرزها مجلس شورى الجماعة.

وقد بدأت متاعب زعيم حركة النهضة ( إخوان تونس)، راشد الغنوشي تنكشف للعموم، منذ قرر الترشح للانتخابات التشريعية 2019 ثم رئاسته للبرلمان، في خطوة اعتبرت داخل وخارج “الجماعة” بمثابة “خطأ جسيم”.

زادت من منسوب عدم الثقة في زعيم حركة النهضة، وهو ما أكدته كل عمليات سبر الآراء، التي كشفت عن أنه الشخصية السياسية الأبرز، التي لا تحظى بثقة التونسيين، خصوصا في ظل فشل “الشيخ” في إدارة المؤسسة التشريعية، وأيضا تعمده “تحويل وجهتها”، وجعلها سلطة و”رئاسة” مستقلة بذاتها وذات نفوذ. مما جعله يدخل في تنافس مبكر مع رئيس الجمهورية، ليدشن بذلك بداية صراع مفتوح مع القصر الرئاسي، صراع استطاع خلاله الرئيس قيس سعيد المستجد على المشهد السياسي، والفاقد لكل سند حزبي وارتباط خارجي، أن يلحق هزيمة بـ”الضربة القاضية” بالشيخ الثمانيني، الزعيم صاحب “الجلد الخشن”، كما قال عن نفسه في تصريح منسوب إليه.

بعد قرارات جويلية 2021، التي يبدو أن “الشيخ” لم يتوقعها، ووقف عاجزا عن الرد عليها، بالرغم من تحرك باهت أمام البرلمان، وحملة “دعاية” خارجية، فشلت في إقناع صناع القرار في عواصم الغرب وأمريكا، بوجاهة عودة المسار الدستوري، وفق تصور ورؤية الإخوان.

وبالمناسبة، نقدر أن قرارات الرئيس سعيد التي جمدت وعلقت رئاسة الغنوشي للبرلمان، أحدثت شرخا داخل حزبه، لا يستبعد أن تنهي “نهضة المرشد” (التي امتدت من سبعينيات القرن الماضي إلى اليوم)، مثلما أنهت وجود تيار الإسلام السياسي في الحكم، الذي صعدت له بعد ثورات “الربيع العربي”.

أقدر أن “الشيخ” راشد الغنوشي هو الخاسر الأكبر من قرارات الرئيس قيس سعيد، استنادا للفصل (80) من الدستور، والتي بمقتضاها تم تجميد البرلمان الذي يرأسه الغنوشي، ورفع الحصانة عن كل النواب، والشروع في تتبعات قضائية ضد البعض منهم.

وسط تصاعد المطالب الداعية إلى عدم عودة البرلمان للاشتغال، الذي يرون فيه أنه يمثل أسوأ تعبيرات المنظومة السياسية، التي كانت وراء إعلان الرئيس سعيد عن “الخطر الداهم”، بعد أن “باتت الدولة مهددة بالتفجير من الداخل”، فضلا عن حالة العجز الحكومي عن إدارة وتسيير البلاد.

تم تحميل الائتلاف الحكومي الذي تقوده وتتزعمه “النهضة” المسؤولية عن حالة الفشل الكبير الذي تردت إليه الأوضاع في البلاد، وتحديدا الحزب الرئيس الداعم للحكومة: حركة النهضة، التي صمدت في الحكم خلال كامل العشرية الأخيرة، من خلال هيمنتها على مجلس نواب الشعب، الذي حوله رئيسها إلى “سلطة”، تنافس السلطة التنفيذية في مهامها ووظائفها، وحتى في تمثيليتها بالخارج وفي العلاقات الدبلوماسية.

وهو ما رفضت كل القوى السياسية، التي رفضت تذرية السلطة إلى رئاسات ثلاث، التي جاء بها دستور 2014، من خلال نظام سياسي “هجين” جعل السلطة مشتتة، مما حول الدولة إلى مجموعة من الجزر، الأمر الذي جعل البلاد بلا حاكم فعلي مسؤول مباشرة أمام الناس.

نظام سياسي حرصت حركة النهضة على الانتصار له وفرضه، مما جعل الجميع يحملها مسؤولية فشله، وما صاحب مرحلة ما بعد العمل بدستور 2014 من تعدد للأزمات، والفشل الشامل والمركب الذي انزلقت إليه البلاد، والذي كشفته وعرته أزمة وباء (كوفيد 19)، التي حصدت أكثر من (20) ألف تونسي، وحولت تونس من صورة بلد صاعد إلى بلد منكوب، يعيش على الصدقات والإعانات والديون.

لتجد بذلك النهضة ورئيسها نفسيهما الطرف المتضرر رقم واحد مما حصل، وقد خرجت خلافات حركة النهضة للسطح، من خلال تواتر الاستقالات، كما تم في أكثر من مناسبة تسريب نصوص وبيانات، وإن اختلفت في “حدتها” فإنها تلتقي في توجيه نقد لفشل سياسات الحركة، في ظل إدارة الغنوشي ومن حوله، من العائلة ومن المؤلفة قلوبهم.

كما تحولت التناقضات الداخلية، إلى مادة إعلامية في الداخل والخارج، في “تقليد” يتعارض وطبيعة “الجماعة” (التنظيم الإخواني)، التي تحرص على الاحتكام لمقولة أساسية في أدبياتها وهي: “حق الاختلاف وواجب وحدة الصف”.

وتجدر الإشارة إلى أن المناخ العام داخل الحركة، أصبح منذ المؤتمر الأخير (مايو/ أيار 2016)، ينذر بتفكك البناء التنظيمي، وسط رفض كبير وواسع هو بصدد التمدد لهيمنة الغنوشي والمقربين منه وكذلك عائلته، وغياب التسيير الديمقراطي وعدم الشفافية الإدارية والمالية، التي كرست هيمنة راشد الغنوشي والمقربين منه على الحركة، وهو الذي استطاع “تصفية” كل خصومه، مما سمح له بالتربع على “عرش” الحركة، أكثر من نصف قرن.

توجه للغنوشي انتقادات شديدة، تجاوزت البيت الداخلي، لتعلن عن نفسها بشكل علني في وسائل الإعلام، صاحبتها استقالات لرموز هامة في الحركة، على غرار حمادي الجبالي وعبدالحميد الجلاصي، و”انسحاب صامت” للشيخ مورو، تزامنت مع إعلان قيادات أخرى “التمرد” على سلطة الغنوشي القانونية –كرئيس برلمان منتخب– والرمزية –بوصفه المرشد التاريخي والمؤسس.

برزت هذه التصدعات، في زمن تخضع فيه الحركة إلى ضغط سياسي وبرلماني، فضلا عن كونها تعرف تراجعا في قدراتها “التعبوية” والجماهيرية، كما أنها عجزت عن إيصال مرشحها للرئاسة: عبد الفتاح مورو للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، وهو ما اعتبر نتيجة “مذلة” وأيضا تعبيراً عن عدم تحمس قيادة الحركة، بزعامة الغنوشي لإيجاد منافس له يتبوأ “مكانة” أفضل منه، وهو ما لا يسمح به “المرشد”، الذي أغوته مناصب الحكم و”بهرجة” السلطة، من خلال دخوله غمار الانتخابات واعتلائه سدة رئاسة البرلمان، ليكون حاضرا في المشهد الصانع للقرار السياسي في الداخل، وليمارس من تحت “قبة باردو” (البرلمان) دوراً خارجياً، من خلال ما يسمى بالدبلوماسية البرلمانية، وفي هذا الصدد كانت تحركاته وارتباطاته واتصالاته الخارجية، محل نقد لا داخل البرلمان فقط بل في المشهد السياسي والإعلامي، وصل حد الدعوة لمساءلته ثم المطالبة بسحب “التكليف” منه.

ومن بين الأخطاء التي ميزت فترة رئاسة الغنوشي للحركة، تلك المتصلة بارتباطه الكبير بسياسات المحاور الخارجية، التي أصبحت مكشوفة للعيان، بالرغم من محاولة “تبريرها” مرة تحت لافتة ما يسمى بـ”الدبلوماسية الشعبية”، ثم تحت مسمى “الدبلوماسية البرلمانية”.

 

النهضة.. سيناريوهات ما بعد الحكم 

 

في البداية، لابد من عدم التسرع بالذهاب حد الجزم، بأن خروج الإسلاميين من الحكم، يعني نهاية “الإسلام السياسي” في صيغته الإخوانية في تونس، فقد سبق للجماعة أن مرت بما تسميه “محناً” أشد بأسا لكنها حافظت على وجودها في النسيج الاجتماعي.

وهو ما أكدته فترة الصراع مع نظام ما قبل الثورة، التي استمرت أكثر من عقدين من الزمن، ولم يستطع النظام بالرغم من توظيف كل أجهزة الدولة ومؤسساتها، القضاء على “الإخوان”.

وهذا ما يكشف أن “الجماعة” ليست مجرد تيار أو حزب سياسي، بقدر ما هي حركة اجتماعية/ دعوية متجذرة في المجتمع، يصعب محاصرتها والقضاء عليها أمنيا، بل إنها اكتسبت ما يسميه أبناؤها “ثقافة المحنة”، التي تجعلها أقوى في زمن الحصار الأمني، وهذا حال كل فروع الجماعة، من “الفرع الأم” في مصر إلى بقية الأفرع في أنحاء العالم، منذ تأسيسها في 1928 بالإسماعيلية المصرية.

لكن، هذا لا يجب أن يحجب عنا أن “الجماعة” بعد ثورات “الربيع العربي”، وخاصة في تونس منيت بنكسة قوية، سيكون لها تأثير كبير على توازنها وتماسكها التنظيمي، وعلى انتشارها في المجتمع، وأساسا العودة لتصدر الحياة السياسية، وهي التي خرجت بعد تجربة فشل غير متوقعة في الحكم، صاحبها تصاعد لرفض مجتمعي واسع.

ومثلما سبق وأن بينا، فقد مثل خروج الإسلاميين من حكم تونس بهذه السرعة والسهولة معا، دلالة على فشل مشروع حركات الإسلام السياسي، وأيضا دلالة على وجود رفض مجتمعي لخيار “أسلمة” أو “أخونة” الدولة.

كما أنه مثّل أيضا، بداية لمرحلة تاريخية وسياسية جديدة في تونس، نقدر أنها ستبقى متعثرة لفترة طويلة، بعد مرور أكثر من عشر سنوات على الثورة، وبعد مشاركة مؤثرة وطويلة في الحكم لتيار الإسلام السياسي، عجز خلالها عن الإيفاء باستحقاقات الثورة، ومثّل تهديدا للمكاسب التي قامت عليها الدولة المدنية، منذ النصف الثاني من القرن الماضي.

وهذا ما يطرح التساؤل حول سيناريوهات مستقبل حركة النهضة الإخوانية في تونس بعد خروجها من السلطة.

 

سيناريو التفكك:

بدأت إرهاصات الاختلاف داخل تنظيم النهضة، بعد فشل قيادة الحركة في البقاء في الحكم والخروج منه بطريقة مذلة، وهي تباينات مرشحة للتطور مستقبلا، عبر حصول انشقاقات متوقعة للجناح المعارض لهيمنة “المرشد” على إدارة الحركة، والذي يحملونه مسؤولية فشل مسار الانتقال الديمقراطي ككل.

كما يتوقع حصول انشقاقات، بسبب اقتناع البعض من المحافظين أو المحسوبين على “التيار السلفي” في الحزب، بأن الحركة “زاغت” عن وفائها لمبادئها التي تم تضمينها في وثيقة “الرؤية الفكرية والأصولية لحركة النهضة” (التي تعود لبداية ثمانينيات القرن الماضي).

 

سيناريو الانكماش والمحاصرة:

يقوم على تصور أن فشل الحركة في الحكم، سيكون له تأثير على جماهيرية الحركة، وبالتالي تراجع حظوظها في الاستحقاقات الانتخابية القادمة.

مما سيفرض عليها خيار “الانكماش”، الذي يتوقع أن يفرض على الحركة، من خلال عدم استبعاد حصول تحول في استراتيجية السلطة في التعامل مع الإسلاميين، وبالتالي عودة أسلوب ومنهج المحاصرة والتضييق الأمني، الذي كان متبعا قبل ثورة 14 يناير (كانون الثاني) 2011.

 

سيناريو التطور إلى حزب إسلامي محافظ:

هناك من لا يستبعد أن ينجح التيار البراغماتي داخل الحركة، في إحداث مراجعات جذرية، وإعادة تجربة الأحزاب المسيحية في أوروبا.

وهو سيناريو مرجح جدا، ولعل الحقل الثقافي والسياسي التونسي، المستفيد من إرث تراكم الحركة الإصلاحية التي قامت على التزاوج بين الإسلام والحداثة، خاصة مع خير الدين باشا صاحب كتاب “أقوم المسالك” يسمح بذلك، بل إن هذه العوامل تدفع نحو نحت أنموذج تونسي، وأظن أن طيفا واسعا من الحركة الإسلامية في تونس مستعد لذلك.

 

خاتمة

 

بعد مرور أكثر من عشر سنوات على مشاركة حركة النهضة الإسلامية في الحكم، ما زال المشهد المجتمعي والسياسي العام وخاصة لدى الأحزاب اليسارية وحتى الدستورية، والنخب القريبة أو المرتبطة بهما يغلب عليه الخوف وعدم الثقة في الإسلاميين.

ويرون فيها –النهضة– تهديدا لمدنية الدولة، وللمكاسب المجتمعية التي تحققت خلال دولة الاستقلال، فضلا عن غياب مشروع الحكم، وهي مخاوف لم تنجح “النهضة” في الحد منها وتبديدها، بل إنها تجذرت وترسخت أكثر بسبب الأداء السياسي للنهضة في الحكم، لتجد الحركة نفسها بعد عشرية الثورة، في وضع سِمتُه رفض مجتمعي متصاعد، وعزلة سياسية أصبحت واقعا.

وهو ما جعل الحياة السياسية، بعد عشرية كاملة من الثورة، تعيش على وقع مشهد يشبه “الرمال المتحركة”، مشهد سِمتُه الأساسية الانقسام والضبابية، وبالتالي الخوف من سيناريوهات المستقبل، التي تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات.

بالرغم مما روج له من “تميز” أو “استثناء” الجماعة “الإسلامية التونسية”، ممثلة في حركة النهضة (إخوان تونس)، عن تجربة الجماعة الأم في مصر، والذي برز في البدايات من حسن الإدارة والتدبير السياسي في أزمة 2013، التي عصفت بإخوان تونس، وكادت تخرجهم مبكرا من السلطة، لكنهم استطاعوا “المناورة” وإظهار “براغماتية”، لتجاوز الأزمة وإعادة التموقع في المشهد.

وبالتالي تجاوز “صدمة” ما أطلقنا عليه حينها “الزلزال المصري”، الذي أنهى حكم الإخوان في 30 يونيو (حزيران) 2013 من خلال انتفاضة شعبية، خرجت رافضة لاستمرار “حكم المرشد”، لكنها كانت في الواقع مجرد انحناءة للعاصفة.

إذ عادت جماعة “النهضة”، بعد رجوعها للحكم في انتخابات 2014 و2019، إلى استنساخ الأخطاء الاستراتيجية لإخوان مصر في الحكم، وخاصة عبر “التمترس” وراء المحافظة على السلطة، ورفض التفريط فيها بالرغم من كل الخسائر السياسية والقيمية، التي تمثلت في التحالف مع تيارات سياسية موصومة بـ”الفساد”، فكان أن ذهبت إلى نفس مصير “الجماعة الأم” (إخوان مصر).

وهي أخطاء استراتيجية لخصها الباحث في العلوم السياسية خليل العناني في دراسة له تحت عنوان “الإخوان في مرحلة ما بعد مرسي” في ثلاثة أسباب رئيسة: أولها: فشل الجماعة في التعاطي مع مسألة السلطة والحكم بنحو فعّال.أما ثاني أسباب فشل الإخوان فى الحكم -كما أشار “العناني”- فهي المشاكل التنظيمية التي ساهمت في إرباك حسابات الجماعة، وكشفت ضعفها وقصر رؤيتها السياسية. وتَمَثّل السبب الثالث والأخير فى تكالب الدولة العميقة ونجاحها في استدراج الإخوان إلى معارك جانبية جرى فيها استنزاف الجماعة وإفشالها.

زادت سنوات الحكم الفاشلة، في مزيد تعميق أزمة الثقة بين “الإخوان” والنخب وبقية مكونات المجتمع التونسي، مما سيجعلهم مطالبين في المستقبل، بتفنيد كل “التخوفات”، عبر التعاطي بإيجابية وبتفاعل عقلاني مع المجتمع التونسي، من خلال الانتصار إلى “إسلام حركي تونسي”، يأخذ في المقام الأول خصوصية التجربة التحديثية التونسية، التي تعود إلى حركة الإصلاح في القرن التاسع عشر، وتعد الدولة الوطنية استمراراً لها.

والعمل من أجل التأسيس لتوافق بين هوية المجتمع وعلمانية الدولة، على غرار التجربة التركية التي تحظى بالإعجاب لدى إخوان تونس. والابتعاد عن الأخطاء القاتلة التي طبعت تجارب حكم الإسلاميين، في السودان وإيران وأفغانستان.

ولعل الضمانة في عدم الوقوع في مثل هذه التجارب، تكمن في كون المجتمع التونسي له من الحصانة ما يجعله قادرا على حماية مكاسبه.

 

*نشرت هذه “الورقة” في موقع “مركز المسبار للبحوث والدراسات” – المختص في دراسة حركات الاسلام السياسي، بدبي- ، هذا الرابط الأصلي:

https://www.almesbar.net/%d8%b3%d9%82%d9%88%d8%b7-%d8%a5%d8%ae%d9%88%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3-%d9%86%d9%87%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d9%87%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1/

 

 

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP