الجديد

ما بعد 17 جانفي ليس كما قبله .. تونس الى أين؟

كتب: منذر بالضيافي
كشف الاضراب العام، الذي دعا له الاتحاد العام التونسي للشغل، الخميس 17 جانفي 2019، عن عمق الأزمة التي تمر بها تونس، بعد ثمانية سنوات من ثورة 14 جانفي 2011، وهي أزمة شاملة ومعقدة، أصبحت تنذر بوجود مخاطر حقيقة على استمرار مسار الانتقال السياسي والديمقراطي، وهو ما يجعل البلاد في حاجة الى “ميثاق” أو “عقد” جديد لإدارة المرحلة القادمة، وتهيئة كل المناخات لإنجاز الاستحقاقات الانتخابية القادمة، وهذا لا يكون الا عبر ادراك الجميع بأن تونس ما بعد 17 جانفي 2019 ليست كما قبله.
ان الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الكارثية، تعود الى فشل الحكومات المتتالية طيلة ثمانية سنوات، فشلها  في ابتداع الحلول لمشاكل متراكمة ومستجدة، كما تفسر أيضا بالظروف التي تصاحب مراحل الانتقال السياسي، مراحل ما بعد كل ثورة أو انتفاضة كبيرة، حيث تضعف مؤسسات “الدولة”، وتتمدد مظاهر “الانفلات” الاجتماعي أو ما يسمى في التراث اليساري ب “الحالة الثورية”، التي يمكن أن تستمر لعشرية أو أكثر من الزمن، وهذا ما هو متوقع في المثال التونسي. دون أن ننسى دخول العنصر الخارجي على الخط، فالمحيط الاقليمي والعربي، الذي تسيطر عليه أنظمة تقليدية معادية للحرية والديمقراطية، لا تنظر بعين الطمأنينة لنجاح تجربة ديمقراطية، لا نبالغ بالقول أنها ستمثل تهديدا لعروشها.
ان التجربة التونسية التي بقت صامدة، ليست في مأمن من مخاطر تستهدفها، وهنا على القائمين عليها من سلطة ومعارضة ونخب الانتباه واليقظة، ولعل افشال “تهديدات الخارج” لا يكون الا عبر تقوية الجبهة الداخلية، فهي الباب الذي تدخل وتنفذ منه معاول الخارج. كما أنه لابد من الانكباب وبجدية على وضع “خطة تنموية” تستجيب للحد الأدنى من المطالب، التي قامت عليها ثورة 14 جانفي 2011، اذ أنه وبعد ثمانية سنوات زادت الأوضاع سوءا أكثر مما كانت عليه قبل رحيل نظام بن علي.
حتى “المنجز السياسي” الذي يعد برأي المتابعين “مفخرة” الانتقال في تونس أصبح مهددا، في ظل تفجر الصراع حول السلطة، الذي أخذ منعرجا خطيرا، من خلال تحوله الى “مواجهة مفتوحة” بين رأسي السلطة التنفيذية.
وهو ما رمى بظلاله على المشهد برمته، الذي يعيش على وقع انقسام بين ما يسمى “بالائتلاف الحكومي” الجديد،  برئاسة يوسف الشاهد والذي تمثل “النهضة” الاسلامية عموده الفقري. وبين الرئيس الباجي قايد السبسي الذي تشير كل المؤشرات والتحركات الصادرة من قصر قرطاج، على أنه بصدد “تزعم المعارضة” للائتلاف الحاكم.
بيد الرئيس المخضرم،  الذي يحسن “فن ادارة التناقضات”، عديد الورقات التي تزعج الائتلاف الحاكم الحالي، خصوصا رئيسه يوسف الشاهد وحليفه حزب “حركة النهضة”، وهو ما برز من خلال تعاطيه مع الشأن الجاري الحالي، أساسا تعاطيه مع ملفين مهمين، يهم الأول “الأمن القومي” في علاقة بملف الجهاز السري المنسوب للنهضة،  أما الملف الثاني فيخض الوضع الاجتماعي والاقتصادي.
اهتمام الرئيس الباجي قايد السبسي بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية (اجتماع 28 ديسمبر بقصر قرطاج بالائتلاف الحاكم والمنظمات الوطنية)، جعله في التقاء أو “تحالف” موضوعي مع الاتحاد العام التونسي للشغل، لعل هذا ما جعل البعض في دوائر الحكم وخارجه يشيرون بوضوح الى وجود “دافع سياسي” للتحركات النقابية والعمالية، وهو ما تنفيه قيادة المنظمة الشغيلة.
كما أنه لم يعد خافيا أن الرئيس السبسي لم يعد راضيا على “تمكن” الاسلاميين من “مفاصل الدولة”، وهو الذي عاد  بعد ثلاثة سنوات ونصف من “التوافق” مع الاسلاميين، الى التنبيه “لمخاطر” سيطرة الاسلام السياسي على مفاصل الدولة، عبر هيمنته على القرار الحكومي الحالي، وهو خطاب ما يزال يجد أذان صاغية له، سواء لدى النخب أو لدى فئات مهمة من المجتمع التونسي، وهنا وجد الرئيس السبسي نفسه في “تحالف موضوعي”، لكن هذه المرة مع التيار العلماني/ اليساري المعادي للإسلاميين، خاصة بعد فتحه لملف “الجهاز السري” وعلاقته بالاغتيالات السياسية التي حصلت زمن حكم النهضة، ودعوته مجلس الأمن القومي للانعقاد والتباحث في الوثائق التي عرضتها عليه هيئة الدفاع عن الشهيدين بلعيد والبراهمي.
المشهد في تونس ما بعد الاضراب العام،  سيكون مفتوحا على كل السيناريوهات، خصوصا في ظل تلويح المركزية النقابية بالتصعيد في تحركاتها، وأشكال الاحتجاج المقبلة،  التي ستكون محور الهيئة الادارية الوطنية للمنظمة والتي تنعقد السبت 19 جانفي الجاري، وفي هطا الاطار لا يستبعد أن تعلن المركزية النقابية عن اضراب عام بثلاثة أيام متتالية، وهي التي نجحت في تنفيذ اضراب عام (الخميس 17 جانفي) “استعراضي”، عرف نسبة مشاركة هامة، فضلا عن كونه تم في “مناخ ديمقراطي”، احترم فيه الجميع “قواعد اللعبة”، خاصة الاتحاد الذي أطر جيدا التحرك.
ان حماية مسار الانتقال الديمقراطي، الذي اطلق منذ جانفي 2011، ما جعل الجميع يقر بما اصبح يعرف ب “التجربة” أو “الأنموذج” التونسي، الذي يعتبر المتبقي من حراك “الثورات العربية”، والذي تحقق بفضل حسن ادارة “التعايش” بين كل التيارات السياسية، يفترض العمل على وضع “عقد اجتماعي وطني” يخلف ما كان يسمى ب “التوافق” الذي على أهميته كان توافقا “هشا” وهو ما جعله لا يصمد أمام الصعوبات والتناقضات المستجدة. وذلك عبر الدعوة الى “حوار وطني كبير”، ينتهي بوضع “خارطة طريق” لإدارة المرحلة المتبقية، وبالتالي تأمين كل الظروف والمناخات الضرورية للاستحقاق الانتخابي القادم، ولعل هذا “المطلب” يمثل برأي نقطة يلتقي عندها كل الطيف السياسي، الذي يؤمن كله بأن التغيير لا يتم الا عبر الصندوق، وعبر الاحتكام للصندوق فقط.

Comments

Be the first to comment on this article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

^ TOP